شريط الأخبار

شعبنا بين البُغاة والبُناة ..علي عقلة عرسان

09:45 - 12 تشرين أول / نوفمبر 2014

 

هل يصبح الكذب حقيقة تزلزل الصدق والمصداقية، ويصبح الكذاب صادقاً؟! كانت صناعة الكذب سياسة بول جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر وألمانيا النازية، وهو الذي قال: «كلما سمعت كلمة مثقف " ثقافة" تحسست مسدسي»، وهو صاحب الشعار الشهير: «اكذب حتى يصدقك الناس»، وصاحب الكذب الممنهج والمبرمج، ويقولون إن ظاهرة غوبلز أكدت أن الذي يملك وسائل الإعلام يملك القول الفصل في الحروب الباردة والساخنة."؟! ومن يقرأ أحداث اليوم من الناحية الدعائية ويتابع أفاعيل الإعلام لا يستطيع أن ينكر ذلك.. ولو أن الألمان انتصروا في الحرب العالمية الثانية لما جرؤ الحلفاء على القول إن انتصاراتهم هي انتصارت الكذاب غوبلز أو اتصارات الكذب لأنهم بدورهم كانوا يكذبون..

والكذب عهيدٌ في تاريخ البشر عبر الأزمنة والأمكنة والأجيال، وهو بالضرورة معاصر للصدق وقرين له في الذكر، فلولا هذا ما كان ذاك، مع وجود اختلاف بيِّنٍ بينها في حكم القيمة والحكم الأخلاقي على كل منهما.. والنتائج العملية في الواقع المعيش تشير، لا سيما في هذا العصر، إلى انتصارات كاسحة للكذب وهزائم مزلزلة للصدق، ليس في مجال حكم القيمة والحكم الأخلاقي فقط بل في المجالات والمستويات كافة مع بعض الاستثناءات، والاستثناء لا يشكل قاعدة كما هو معروف.

اليوم أصبح فرسان فن الكذب هم المُجلّون في ميادين كثيرة، لا سيما ميادين السياسة والإعلام وميادين تتمترس فيها "ميليشيات ثقافية أو ثقافة ميليشياوية" مما يستنفر من يشهرون مسدساتهم عندما يسمعون كلمة مثقف أو " ثقافة": مؤدلجة مذهبية عرقية ومتطرفة في تعصبها، لا تكتفي بإشادة صروح الكذب وهدم بنيان الصدق بل تهدم من دون تمييز، ولا تبني بنياناً فيه تعزيز لحياة الإنسان وقيمته وقيمه.. والإبداع في تلك المجالات أصبح "شرفاً وامتيازاً" لمُجَلّين في تلك الميادين، يرفع شأنهم ويشفع لهم وينمي ثرواتهم ويشكل حقائق لكثيرين من العامة والخاصة.. وكثيراً ما يصنع انتصارات ويغير مجتمعات ويثير حروباً ويخلق أزمات، ويسيل من الدماء ما يشكل بحيرات بلا ضفاف، ويقيم من الشقاء ما يهلك جموعاً وجموعاً.. لاسيما في أمكنة ومجالات يسود فيها مناخ اجتماعي وسياسي وثقافي منخور بالاستبداد والجهل والفساد والتبعية والتعصب والإرهاب والرعب، حيث تنتفخ الغوغائية ويكثر الكذابون والمروَّجون للكذب والانتهازيون والمردّدون ببغائية وانفعالية لما لا نفع فيه ولا مصداقية له، ويطفوا على السطح الاجتماعي فيه المتطرفون والمؤدلَجون العمي الصم الذين يعيشون تبعية لما أصبح خارج العصر، ولا يفكرون بانتماء وطني وقومي - إنساني صحي صحيح ولا باستقلالية بناءة وبنية اجتماعية وثقافية خلاقة.. وفي هذا المناخ يزعق الجهلة وينعقون بغوغائية حسب الطلب، تقربهم إلى المقامات العلِيَّة وتسبغ عليهم الصفات السلطانية وتؤهلهم للمناصب والمكاسب.. ومن مواصفات أؤلئك أنهم متعالون على الفهم والتفهيم والتسليم بالمنطق والحق، فهم لا يحسنون الإصغاء ولا القراءة الواعية للأحداث والأقوال والأفعال والأفكار والإنتاج الإبداعي، ومن ثم لا يعنيهم التفسير المنطقي للحدث والنص، القائم على فهم وتبصر وتدبّر، ولا يملك الواحد منهم أن يضع نفسه على مسافة من الوضع أو الموضوع أو الشخص أو الفكر أو الإنتاج الإبداعي الذي يقاربه، فضلاً عن أنه لا يمتلك الأهلية ولا الأدوات التي تمكِّنه من أن يحلل ويتأمل ويستنتج، ثم يقرر بموضوعية واستقلالية وكفاءة معرفية وامتلاء ثقافي وعقل نقدي ووجدان حي.. ذلك لأن جُل ما يتقنه وتهفو نفسه إليه هو العراضات والاستعراضات والشغب والمعاركات بأشكالها وأنواعها؟!.. وهؤلاء لا يهمهم أن يدققوا في القضايا والأمور وفق منهج علمي بهدف الوصول إلى الحقائق، تمهيداً لإطلاق أحكام قيمة صحيحة صادقة وراسخة تَبني ويٌبنى عليها، لأن همهم وهمتهم ينحصران في الانسياق وراء نظريات وتنظيرات وآراء وأشخاص، وخلف مواقف يمليها انتماء ضيق أو ولاء أعمى أو هوى يضاعفه طمعٌ وخبث طوية، أو غلوّ لا مسوِّغ له ولا ينتج إلا الغطب، أو غير ذلك مما يكون من صنفه أو على شاكلته أو في حكمه، مما يفسد العقلانية والمنهجية ويزلزل أركان الحكم السليم ومعيار القيمة وقيم الشعب ومقومات العقيدة وأسباب العيش بأمن من حوع وخوف.. فيقوم الشخص من أولئك بفعل الميليشيا المعمّاة، ويدور مثل بغل الناعورة تحت سقف الطغيان مطوِّراً أشكال الهذيان، ويؤجج النار في أثناء الحروب باردة وساخنة، ويمارس التجني المطلق بعنجهية وظلم وجاهلية من جهة، أو التبني المطلق بما فيه ضلال وظلامية وعصموية دعيَّة غبية من جهة أخرى، فيرفع ويخفض خبط عشواء، واضعاً الذاتي والخاص والأناني فوق الموضوعي والعام والغَيريِّ.. إلخ، وتلك حالة تساعد على/وتتسبب في.. كثير من الفساد والإفساد ومن الخلل والزلل في مجالات اجتماعية وسياسية، وفي التعامل مع إبداع "أدبي وفني"، وفي توجهات فكرية ونضالية، حيث يغيب القارئ الفطِن الذكي والعقل النقدي والتبصر المبدع، ويحضر بل يسيطر جهل وتجهيل وفساد حكم وذوق وعنجهية دعَوِّية.. إلخ، .

وفي ظني أن نسبة كبيرة جداً من الحوادث والظروف واللحظات التي تنتج حكاماً وتملي أحكاماً وتصنع أَعلاماً وتضفي هالات على أشخاص ومواقف وتيارات وتنظيمات وإنتاج فكري وإبداعي، فتلمِّع فيها الميليشياتُ وتُعملق وتُبهرِج وتنشر أوهاماً وترفع أقزاماً، أو تمارس العكس مما يفضي إلى النقيض من ذلك، فتعتّم وتقزِّم و تمسخ وتشوّه وتقتل في الظلام.. هي مما يملك تأثيراً وفعالية في أزمنة التردي الاجتماعي والسياسي والثقافي، وفي أوقات تنامي التعصب والتطرف بأشكالهما، وفي زمن شيوع حالات وأوضاع يسيطر فيها استبدادٌ واستقطابٌ مريض وتأليه للحكام والأشخاص، وفساد يستشري في أوساط مؤثرة، منها إعلام يتردى في الغواية والغرور والفجور. وما يُطلق في تلك الظروف من أحكام قيمة يصبح مما يكتسب "مصداقية؟!" ويحظى باستمرارية بسبب التكرار والاجترار، لأن أكثرية اللاحقين تلهج بما قاله السابقون، "فتتثقف" بقيل عن قال..؟!. ونادراً ما نجد استثناءات في كثير من المجالات، لعدم وجود ظروف وبيئات أيجابية حاضنة وأوساط اجتماعية وسياسية تشجع وتحمي كفاءات معرفية وعلمية وأدبية ونقدية، معنيَّة باتباع منهج علمي يخدم الحقيقة، وبحقيقة يجلوها منهج علمي ويرسخها، وبمقاربة أحكام وإنتاج وسير مقاربةً نقدية واعية، متجاوزة الهالات التي تصنعها وتحميها الميليشيات.. حيث تدقق وتمحِّص وتصحح وتنقض المعمار العائب، وتفتح ثغرات في الجدران الكتيمة التي أقامها ويقيمها التعصب والتطرف والولاء الأعمى واللغو والتكرار والاجترار لما سبق أن قيل وكُتب ونُشر حول أعمال وأشخاص ومواقف وعهود، مما يتعلق بأحكام قيمة ينخرها الفساد ويرسخها الجهل والاستبداد ويجعلان منها مادة سامة، إن صح التعبير، تفتك بالحقيقة والمصداقية، وبالإبداع الحقيقي والفكر البناء والعقل النقدي، وتسمم البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية الصحية، فلا يصح معها صحيح ولا تؤسس لبنية عقلية وثقافية وروحية وتذوّقية سليمة مما يحتاج إليه لاحقون يبنون على ما أسسه سابقون، مما هو صالح بالمعنى الدقيق الشامل للكلمة، ليكون تربة نظيفة خصبة ومفيدة، ووسطاً تتربى فيه الأجيال تربية سليمة قويمة صالحة.

ليس ما نتخبط فيه اليوم من أوضاع، وما يُراق منا ولنا من دماء، وما يدمر من عمران تركه لنا الأجداد والآباء، وما نحصده ونجنيه من زؤان من حقولنا وبيادرنا وخَمِجٍ الثمار في كرومنا ومزارعنا.. إلا نتيجة لفساد رؤوس وقلوبٍ وضمائر وأيدٍ وأقدام.. فساد زاد العقل والروح.. وفساد تربية وأخلاق وثقافة وسياسات اجتماعية، وتنظيمات ومنظمات وأفكار ومعايير حكم وأحكام قيمة، بُنيت على باطل فأنتجت باطلاً، ورفعت بنياناً هشاً فتهاوى البنيان الهشُّ كاشفاً رداءة مادة البِناء وسوء فعل البَنَّاء والمخططات، وجهل الباني وفشل التخطيط والتنفيذ، وخبث طوايا ونوايا من يقبعون وراء ذلك، فاضحاً كذْبويَّة كل ما صُنِّع على أساسه وبسببه من رموز وتيارات فكرية وتنظيمية وسياسات يداخلها الغش، وعقم ما طوَّبته وكرّسته السياسات المعتلة من توجهات وقيم ومقومات ومعطيات ومسوِّغات، وهزال ما رفعته من قامات ومقامات على غير أساس متين، وما أعلته من رموز وأعلام وصنَّفته من ريادات على أسس من ماء وطين، فأنتج البؤس أوضاعاً وبشراً آتباعاً والضياع أنواعاً، وما فيه وفيهم من الخواء الأخلاقي والروحي والقيمي والمعرفي الذي هو أشد فتكاً وأكثر إفساداً من الفساد المادي ذاته الذي يُشتكى منه ليل نهار وتُعاد إليه أسباب الضعف والتعسف والانهيار، ويتبارى المفسدون الفاسدون في ادعاء القدرة على مواجهته وإصلاحه.. لكنهم عندما يواجِهون العجز يتواضعون تهرباً، ويقولون بأهمية ذلك الإصلاح وضرورته وأولويته في كل المجالات، لكي يتم على أساس منه ثابت وصحيح وقوي كل خطو على طريق الإصلاح..؟! لكن القول شيء والفعل شيء آخر، فمَن من الفاسدين يقبَل بأن يزاح ويحاسب تطبيقاً للإصلاح، من دون أن يقاومه ذلك ويقضي على من يقوم به، ويساهم في خلق بيئة طاردة له ولمن ينشدونه بحق وصدق ومن يقومون به باقتدار عليه؟! إن بيئة الإصلاح تقتضي الصدق، والصدق عدو الكذب، والكذب في هذا الزمن قوي بما لا يُقاس عند مقارنة قواه وحواضنه وأدواته بما للصدق من ذلك كله؟! إن الإصلاح أكثر أهمية وضرورة من كل ما قيل بشأنه حتى الآن، وهو على رأس الأولويات التي ينبغي أن تُبرمَج ليطالها الإصلاح، ولكن البيئة السائدة هي بيئة طاردة للكفاءة والقدرة والقيمة والصدق والمصداقية والمعايير السليمة والخُلُق القويم، وهي بهذه الصفات والمواصفات والمقومات بيئة لا تٌصلِح ولا تَصلُح للإصلاح.. ولا يمكن أن يتعافى أي مجتمع من داء حين يُحقن بمزيد من مسببات ذلك الداء.. إن مجتمعنا يتوق إلى البرء من علله وأدوائه، وهو يشقى بعلله وأدوائه وأطبائه في هذا المجال، ويصبر على ما لا يُصبَر عليه.. بانتظار الزمن الذي يصبح فيه أقوى من العدوى بداء يفرِّخ ألف داء، وأقدر على التمييز بين بناء ومدعِ للقدرة على البناء ومنافق ماكرٍ وخداع، وأملك لقراره وقدرته وإرادته الحرة، لكي يقول هذا يكون وذاك لا يكون.. لكن مجتمعنا، للأسف الشديد، محكوم بقوى ادعاء مفوَّهة ومموَّهة ومسلَّحة بما لا يملكه من أسلحة، وهي قوى تنطوي على عجز ودهاء، عجز عن الفعل البناء ودهاء في إظهار الادعاء بامتلاك القدرة على القيام بكل ما يحقق الشفاء، ويشيد بنياناً يرتقي بالناس والبلاد إلى مستويات لا يرقى إلى مستواها أي بناء.. ومجتمعنا محكوم بولاء أعمى لمن يملك القوة ويستقطبها ويدعيها، ولمن يطلب السلطة ومن يمتطيها، ومحكوم بمعايير تُغلِّب الغباء على الذكاء، والولاء الخاص على الولاء العام وعلى الاقتدار والنقاء، وترفع بل تحتضن من يلهج بالعطاء ظاهراً وهو العجز والخواء باطناً. وما لم نتخلص من الولاء الأعمى للخاص، ومن الادعاء الفارغ الضار، ومن الأشخاص الذين يرون أن ما يمسهم شخصياً ويمس مصالحه، يمسّ الوطن ومن ثم يقتضي الاقتصاص من المواطن، لأن أولئك يرون أنهم الوطن ويتماهون مع تلك الرؤية، وأنهم من يملك الوطن والمواطن؟!.. وما لم نتخلص من المعايير الفاسدة ومن تلك المنخورة بفساد، وممن  يفسدون المعايير السليمة بالتطبيق ويعزون عجزهم وفشلهم إلى آخرين، ومن ثم يلقون وكذبهم تصديقاً.. فإننا لن نحقق وجود بيئة صالحة حاضنة للخير والخيّرين والبُناة الأخلاقيين القادرين على الإصلاح، وعلى تضييق مجالات الفساد والإفساد، وعلى الحد من حرية المفسدين وقدرتهم على إفساد العام والخاص وتطوير الإفساد والهدم.. ليس هدم العمران والقدرات فقط بل وهدم القيم والإنسان وتدمير الوطن وكل فرص الحياة وبعث الحياة، وكل ما تحقيق الشروط الملائمة واللازمة لبيئة تصلُح لاستعادة حيوية الإنسان واستقلال الوطن ووحدته، وسلامة العلاقات الاجتماعية والعلاقات الدولية العامة والخاصة الأخرى التي لا بد منها لوطن وشعب تم تدمير الكثير من علاقاتهما وبُناهما وقدراتهما على التحرير والتحرر والنمو والتقدم والازدهار، بسبب حرب مجنونة وفتنة مأفونة، وبسبب احتضان البعض للتآمر الذي أشقى الشعب بالمتآمرين وبنتائج الرد على أشكال التآمر بتبادل التدمير.

إن شعبنا لن يمحى من الوجود كما يطمع أعداؤه ويفعل أغبياء وخونة من أبنائه، ولن يعدم الوسيلة للنهوض حتى لو طالت معاناته وشقي ببعضِ من ذاته، ولن يصاب بزلزلة اختلال المعايير والقيم والسياسات والترابيات إلى الأبد.. إن شعبنا سيصحو ويملك سلطته وقراره وذاته، ويخرج من محنته، ويضع حداً للطامعين به والمعتدين عليه، ولمن أوقعه في المحنة ولمن يريد له أن يتقزم ويتأبد فيها.. شعبنا لن يفنى ولن يهزم في حرب بين البُغاة والبُناة.. فهو الشام وتاريخ الشام وحضارة الشام، وثمرة العروبة والإسلام، بالمعنيين الخاص والعام، منذ ما قبل الكنعانيين العرب بآلاف السنين وإلى أبد الآبدين.. حيث سيبقى ويتجدد ويزدهر بعون الله وبقدرة أبنائه على الحياة.      

دمشق في الثلاثاء، ١١ تشرين الثاني، ٢٠١٤

 علي عقلة عرسان

 

 

 

انشر عبر