شريط الأخبار

من قال أن الياسر قد مات.. "عرفات" إرث الفلسطينيين العريق

11:05 - 11 تشرين ثاني / نوفمبر 2014

عرفات
عرفات

غزة - فلسطين اليوم


 " يريدوني إما أسيراً وإما طريداً وإما قتيلاً ..لأ أنا بقولهم .. شهيداً شهيداً شهيداً".. على الرغم من مرور عشرة أعوام على استشهاد الرمز الوطني الكبير "ياسر عرفات" أبو عمار إلا أن ذكراه وكلماته وفكره لازال في نفوس الفلسطينيين، الوليد والفطيم والشاب والشيخ ذكوراً وإناثاً لازالوا يذكرون "عرفات" الحي في قلوبهم.

"عرفات" ذلك الرجل الأسمر الذي توشح بالكوفية التي أضحت بعده مدرسة لكل الفدائيين الذين أرادوا انتزاع حقوقهم من الأيادي الآثمة .. حيث أصبح رمزاً وطنياً وعربياً بل وعالمياً للعمل التحرري الوطني والنضالي، عرفات القائد "العنقاء" سجله مليء بأروع التجارب التحررية في إطار الصراع الفلسطيني - الصهيوني.

استطاع عرفات أن يواجه المحتل الإسرائيلي على الرغم ما كان يتمتع به الكيان من رعاية دولية واسعة، فحشد القائد "العصامي" الحشود وحرك الفدائيين تجاه فلسطين كل فلسطين، فعلى الرغم من التهم التي الصقت فيه كالتنازل والتفريط في إطار التناحر الفصائلي لم يتنازل ولم يخنع وخيرُ شاهد في عرفات عدوه الإسرائيلي باراك والأمريكي كلينتون عندما رفض التنازل عن حق العودة فيما عرف بـ كامب يفيد 2.

 

عرفات هامة وقامة وطنية

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورفيق دربه عباس زكي يقول في تلك الذكرى :"لا استطيع التعبير عن شعوري في اليوم الذي فقدنا فيه عرفات، عرفات قامة وهامة وطنية عريقة، عرفات ليس إرثاً فتحاوياً، ولا فلسطينياً بل عالمياً أضحى مدرسة فدائية بفكره وإنسانيته واستراتيجياته".

زكي يرى في رفيقه عرفات الاب الحنون، والقائد الهمام، والإنسان الرحيم الحاني، والمجاهد الصنديد، والمفاوض المتمسك :"عرفات لا تطوله الكلمات".

وأوضح زكي ان عرفات كان يعتمد في صراعه مع المحتل الإسرائيلي ثلاثة استراتيجيات اولهما الطريق الى فلسطين يبدأ بالمقاومة، والتفاوض من اجلها لا ينتهي بالتنازل والعلاقة مع الكل الفلسطيني مؤيد ومعارض قوامها التفهم والتفاهم والحوار لبناء شكل وحدوي متنوع الاستراتيجيات "كان يستوعب الجميع اسلامي ويساري ووطني".

وبين زكي أن عرفات لم يرضخ للضغوطات الإسرائيلية – الامريكية مشيراً أن حصاره في بيروت والمقاطعة في رام الله ومحاولات اغتياله الى جانب القيادة الفلسطينية في معركة الكرامة وحمام الشط في تونس دليل واضح لحرصه على فلسطين من التنازل.

واشار أن عرفات أفنى حياته من اجل تحرير الارض الفلسطينية وكان الملهم في ذلك الدين الإسلامي والتجارب الفدائية السابقة حيث يذكر زكي أنه عند حُوصر في بيروت قال "هبت رياح الجنة"، وعندما حوصر في رام الله قال مقولته الشهيرة التي انتهت بـ شهيداً شهيداً شهيداً.

واضاف :"عرفات كان يتمتع بقلب الإنسان الكبير ولم ينسى من قدموا لفلسطين ولو القليل حيث تكفل برعاية ودعم عائلة رئيس المانية الشرقية، ونيلسون مانديلا الإفريقي تكفل بعائلته عندما كان في السجون العنصرية، وكان يحنو على الإنسان الفلسطيني في الشتات وفي الداخل وفي الضفة وغزة".

وللحفاظ على ارث عرفات التحرري قال :"حماية لهذا القائد العملاق سنذهب للأمم المتحدة، ومجلس الامن، ونتواصل مع كل المناصرين، وسنرفض حوار الطرشان مع إسرائيل وامريكا ولن نخضع للتنازلات وسنسير على ذات النهج".

 

عرفات شخصية فريدة

اما سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني السابق وأحد مؤسسي حركة فتح فيقول في رفيقه عرفات في مقالة له بعنون عرفات في عيون العالم مفجر ثورة ... ومؤسس دولة "تمتع ياسر عرفات بشخصية فريدة؛ زاوجت بين العديد من المتناقضات وجمعت بين العمل الثوري والسياسي؛ تميز بالصبر مع تقدير أهمية الظفر؛ وبالتقشف الشخصي مع الكرم تجاه الآخرين؛ ذو شخصية عاطفية لا يستطيع إخفاء مشاعره؛ وشخصية متسامحة مع الأديان كافة؛ محبوب من الجماهير؛ تميز بعقلية وحدوية وقدرة توفيقية".

ويضيف: "كما تميز بأنه رجل شغول غير ملول يعمل بشكل متواصل لساعات طويلة، وسياسي محنك وقائد كاريزماتي، ومناور كبير مع أعدائه؛ ومجادل لا يعدم الحجة؛ امتاز بالقوة والصرامة مع ثقة عالية وإيمان بعدالة القضية الفلسطينية؛ وبراغماتي عملي يقرأ الواقع ويتعامل مع المعادلات، امتلك قدرة ربط العلاقات العالمية الواسعة، وقدرة واسعة على صنع القرار تدعمه بذلك شخصيته الصلبة؛ في هذا السياق وصف نائب رئيس دائرة الشرق الأوسط في الخارجية الروسية عرفات قائلاً : 'إنه بطل ورجل مقدام وشجاع وإنه كرئيس كان قادراً على صنع القرار'.

ويوضح الزعنون أن عرفات تمكن من إعادة فلسطين وقضيتها للوعي الانساني ولخارطة السياسة الدولية؛ وحولها من قضية لاجئين إلى قضية أمة بمعناها الشامل؛ وتُوج ذلك بخطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974 الذي أكد فيه أن القضية الفلسطينية تدخل ضمن القضايا العادلة للشعوب التي تعاني من الاستعمار والاضطهاد؛ في هذا السياق يعتبره الكثير من الساسة والزعماء بأنه نجح في اعادة فلسطين لسلم أولويات المجتمع الدولي.

وتابع :قيل في عرفات الكثير وسيقال، ولكن تبقى حقيقته الأساسية واضحة للفلسطينين وللعالم أجمع وهي : وفائه للثوابت التي آمن بها، كقضايا القدس واللاجئين وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة، لقد كان مرناً جداً في كل شيء إلا في تلك الثوابت؛ ولعل كامب ديفيد الثانية تؤشر لعدم تخلي عرفات عن الثوابت وتمسكه بها رغم ادراكه لكارثية النتائج المترتبة على ذلك من حيث المساس بحياته.

"لم يفقد عرفات هدفه الاستراتيجي على الاطلاق ' القدس واللاجئين والدولة' رغم الصعوبات التي واجهها، هذا ما تلمسه 'موشيه يعلون' في كتابه 'درب طويل قصير' الذي خَلُصَ فيه إلى :عرفات ظل زاهداً ولم تعنه حياة الرخاء، مكرسا ذاته للقضية بشكل مطلق لا يمكن إلا أن تحترمه لأنه لم يفقد صلة العين بهدفه الاستراتيجي الأعلى طوال مسيرته حتى عندما انشغل بقضايا يومية عابرة" قول الزعنون.

 

عرفات في سطور

ولد 'أبو عمار' في القدس في 4 آب/أغسطس عام 1929، واسمه بالكامل 'محمد ياسر' عبد الرؤوف داود سليمان عرفات القدوة الحسيني، وتلقى تعليمه في القاهرة، وشارك بصفته ضابط احتياط في الجيش المصري في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر في 1956.

درس في كلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة، وشارك منذ صباه في بعث الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال نشاطه في صفوف اتحاد طلبة فلسطين، الذي تسلم زمام رئاسته لاحقاً.

شارك عرفات مع مجموعة من الوطنيين الفلسطينيين في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني 'فتح' في الخمسينات، وأصبح ناطقا رسميا باسمها في 1968، وانتخب رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في شباط 1969، بعد أن شغل المنصب قبل ذلك أحمد الشقيري ويحيى حموده.

ألقى الراحل عام 1974 كلمة باسم الشعب الفلسطيني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وحينها قال جملته الشهيرة 'جئتكم حاملا بندقية الثائر بيد وغصن زيتون باليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي'.

وبصفته قائدا عاما للقيادة المشتركة لقوات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، قاد 'أبو عمار' خلال صيف 1982 المعركة ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان، كما قاد معارك الصمود خلال الحصار الذي ضربته القوات الإسرائيلية الغازية حول بيروت طيلة 88 يوما انتهت باتفاق دولي يقضي بخروج المقاتلين الفلسطينيين من المدينة، وحين سأل الصحفيون ياسر عرفات لحظة خروجه عبر البحر إلى تونس على متن سفينة يونانية عن  محطته التالية، أجاب 'أنا ذاهب إلى فلسطين'.

حل ياسر عرفات وقيادة وكادر منظمة التحرير ضيوفا على تونس، ومن هناك بدأ استكمال خطواته الحثيثة نحو فلسطين.

وفي الأول من تشرين الأول 1985 نجا ياسر عرفات بأعجوبة من غارة إسرائيلية استهدفت منطقة 'حمام الشط' بتونس، أدت إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى من الفلسطينيين والتونسيين، ومع حلول 1987 أخذت الأمور تنفرج وتنشط على أكثر من صعيد؛ فبعد أن تحققت المصالحة بين القوى السياسية الفلسطينية المتخاصمة في جلسة توحيدية للمجلس الوطني الفلسطيني، أخذ عرفات يقود حروبا على عدة جبهات؛ فكان يدعم الصمود الأسطوري لمخيمات الفلسطينيين في لبنان، ويوجه انتفاضة الحجارة التي اندلعت في فلسطين ضد الاحتلال عام 1987، ويخوض المعارك السياسية على المستوى الدولي من أجل تعزيز الاعتراف بقضية الفلسطينيين وعدالة تطلعاتهم.

بعد إعلان استقلال فلسطين في الجزائر في الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1988، أطلق في الثالث عشر والرابع عشر من كانون الأول للعام ذاته في الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة السلام الفلسطينية لتحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط، حيث انتقلت الجمعية العامة وقتها إلى جنيف بسبب رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة سفر إلى نيويورك، وأسست هذه المبادرة لقرار الإدارة الأميركية برئاسة رونالد ريغان في الـ16 من الشهر ذاته، والقاضي بالشروع في إجراء حوار مع منظمه التحرير الفلسطينية في تونس اعتبارا من 30  آذار 1989.

وقّع ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين عام 1993، اتفاق إعلان المبادئ 'أوسلو' بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل في البيت الأبيض، في الثالث عشر من أيلول، حيث عاد ياسر عرفات بموجبه على رأس كادر منظمة التحرير إلى فلسطين، واضعا بذلك الخطوة الأولى في مسيرة تحقيق الحلم الفلسطيني في العودة والاستقلال. 

وفي العشرين من كانون الثاني 1996 انتخب ياسر عرفات رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية في انتخابات عامة، وبدأت منذ ذلك الوقت مسيرة بناء أسس الدولة الفلسطينية.

وبعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في 2000 نتيجة التعنت الإسرائيلي وحرص ياسر عرفات على عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية والمساس بثوابتها، اندلعت انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول 2000، وحاصرت القوات الإسرائيلية عرفات في مقره، بذريعة اتهامه بقيادة الانتفاضة، واجتاحت عدة مدن في عملية سميت بـ 'السور الواقي'، وأبقت الحصار مطبقا عليه في حيز ضيق يفتقر للشروط الدنيا للحياة الآدمية.

رحل عرفات قبل عشر سنوات بجسده، لكنه ترك إرثا نضاليا ومنجزات وطنية لا زالت قائمة تنهل منها الأجيال لمواصلة الكفاح من أجل التحرر وبناء أسس الدولة الفلسطينية، فأبو عمار لم يكن مجرد مقاتل يحمل بندقية، وإنما كان زعيما ملهما، أسس الدولة الفلسطينية العتيدة؛ بدءاً بدوائر منظمة التحرير التي عنيت بمختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والثقافية للشعب الفلسطيني، وانتهاءً بتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في الرابع من أيار 1994على أرض الوطن بعد رحلة طويلة من النضال والكفاح المرير.

ظروف استشهاد عرفات لا تزال حتى يومنا هذا غامضة، والتحقيق الذي تجريه لجنة تحقيق وطنية مكلفة بهذا الشأن لا زال جاريا، رغم الإعلان في أكثر من مناسبة أن وفاة الرئيس ياسر عرفات لم تكن طبيعية بل نتيجة مادة سميّة.

 

انشر عبر