شريط الأخبار

القدس... وأحكام "قراقوش" الإسرائيلية.. راسم عبيدات

10:24 - 08 تموز / نوفمبر 2014

في الفهم لطبيعة الهجمة الشرسة والحرب الشاملة التي تشنها حكومة الإحتلال بكل مستوياتها السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية والتشريعية،واجهزتها من شرطة ومخابرات وجيش وبلدية وداخلية ومؤسسات التامين الوطني وسلطة الإذاعة والبث ومصلحة ودوائر الضريبة على سكان مدينة القدس العرب،وكذلك إستهداف المسجد الأقصى بشكل مكثف من خلال الإقتحامات بتنوع وتوزع الأدوار بين الجماعات والمؤسسات والقيادات السياسية والأمنية والدينية التي تقوم بعمليات الإقتحام للأقصى،لا بد من قراءة واقع المجتمع الاسرائيلي،حيث نشهد الان إزاحات كبيرة في المجتمع الصهيوني نحو اليمين الديني والقومي والتطرف والعنصرية،ويبلغ الصراع بين أصحاب النظريتين في المؤسسة الحاكمة والمجتمع الإسرائيلي ذروته،فهناك تيار في الحكومة والمجتمع الإسرائيلي،يرى بأن امن اسرائيل اولاً وأخيراً يجب ان يتقدم على أي هدف آخر،ولكن هناك تيار آخر يبدو أنه اخذ بحسم الأمور والصراع لصالحه،التيار الذي يرى بأن التوسع والإستيطان يجب أن يتقدم على أي هدف آخر.

فهو يرى بأن الفرصة والظروف مؤاتية،لكي تستطيع اسرائيل أن تحقق اهدافها في الإحتفاظ بالأمن والسلام والإستيطان،دون ان تكون مضطرة لتقديم أي تنازل للفلسطينيين،يتضمن انهاء الإحتلال وإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/1967 وعاصمتها القدس،وهو يرى بان الأمن واحد وليس الوحيد في محركات صنع القرار والسياسة الإسرائيلية،ويستند في ذلك الى ان العرب منشغلين بامورهم الداخلية وحروبهم وصراعاتهم المذهبية والأثنية والطائفية والجهوية،ولم تعد القضية الفلسطينية أولية عندهم،وبالمقابل الحالة الفلسطينية منقسمة على ذاتها وتعاني من الوهن والضعف وغياب الموقف والقرار والرؤيا والإستراتيجية الموحدة،مع غياب العامل الدولي الضاغط على اسرائيل لكي توقف إجراءاتها وممارساتها القمعية بحق الشعب الفلسطيني،او تلتزم بقرارات وقوانين ومواثيق واتفاقيات القانون الدولي والشرعية الدولية.

اليمين الصهيوني صاحب هذه النظرية، وجد بأن فرصته هذه مؤاتية للإنقضاض على مدينة القدس والأقصى،أثناء شن حربه العدوانية الأخيرة في تموز الماضي على شعبنا ومقاومتنا في قطاع غزة،فهو وجد بان الحرب توفر له ضالته بتحقيق هذا الهدف،بسبب تسليط الضوء والإنشغال العالمي والدولي والعربي بالحرب العدوانية على غزة..وبدأ الإحتلال بشن حرب شاملة على القدس والأقصى،حيث وجدنا أن التحريض ضد العرب المقدسيين كان يجري بشكل منسق ومنظم،ويشارك به قمة الهرم السياسي والأمني والمؤسسات التشريعية والقضائية وغيرها،حيث جرت عمليات تعدي واسعة على خلفية عنصرية ضد المواطنين العرب المقدسيين،وجرت محاولات عدة لإختطاف عدد منهم،ولتبلغ الأمور ذروتها بإقدام شلة من زعران المستوطنين في 3/7/2014 بإختطاف الفتى الشهيد محمد أبو خضير،وليتعرض للتعذيب ومن ثم الحرق حياً،ولتكون عملية الإختطاف والقتل العنصرية والكراهية،والتي هي"هولوكست" القرن الواحد عشرين،نقطة تحول على الصعيد المقدسي،فالقدس التي كان يراهن الإحتلال على أنها نتيجة لكل الظروف والعوامل التي ذكرتها ستكون لقمة صائغة يسهل افتراسها،ولكن يبدو بأن اسرائيل لم تات حسابات الحقل على البيدر عندها،فقد ثبت بالملموس بأن الحالة المقدسية بكل مكوناتها ومركباتها جماهيرية وشعبية ووطنية ومجتمعية ودينية ومؤسساتية،عصية على الكسر،بل هي قادرة على الصمود والتحدي وتحقيق إنتصار،رغم كل أشكال القمع والإجراءات والقوانين والتشريعات القمعية والعنصرية التي مارسها واتخذها الإحتلال بحق المقدسيين،حيث كان تاريخ استشهاد الفتى ابا خضير،بداية مرحلة جديدة تؤسس لحالة جماهيرية مقدسية واثبة وصاعدة،ومرجل يغلي ليطلق شرارات هبات جماهيرية متلاحقة تراكم وتبني المداميك لمرحلة قد تتحول مفاعليها الى انتفاضة شعبية جماهيرية واسعة.

صحيح أن الإحتلال أغلق الأقصى أمام المسلمين في ليلة القدر،وفرض قيود مشددة على دخول المصلين للأقصى في رمضان،بحيث لم يسمح لمن هم دون الخمسين وأحيانا الستين بالصلاة في المسجد الأقصى أيام الجمع،وحوصر الأقصى وجرى إقتحامه بشكل شبه يومي،من قبل الجماعات الإستيطانية الصهيونية المتطرفة،بمشاركة شخصيات دينية وسياسية وحزبية واعضاء كنيست ووزراء،بغرض فرض التقسيم الزماني وإيجاد فضاء مكاني يهودي في الأقصى،وكذلك إزداد الإستيطان "توحشاً" و"تغولاً"،في كل احياء القدس وقراها ومخيماتها، بحيث أقرت مشاريع وطرحت مناقصات لإقامة ألآلاف الوحدات الإستيطانية في القدس،وشن الإحتلال اوسع عملية تحريض بحق المقدسيين،سواء عبر مقالات صحفية في الصحف الإسرائيلية،يتقدمهم الصحفي اليمني نداف شرغاي وكذلك "أرييه الداد" بالإضافة لكل جوقة اليمين المتطرف المشارك في الحكم ومن مختلف ألوان الطيف الحزبي"نتنياهو،ليبرمان، بيني بينت،أوري اريئيل،موشه فيجلن،ميري ريجف،والمتطرف غيلك،يسرائيل كاتس،يتسحاق اهرونوفيتش والقائمة تطول،ورغم كل ذلك كانت إرادة المقدسيين على الصمود والتحدي كبيرة، ولتتسع حالة الغليان الشعبي وتتصاعد،حيث كانت إستشهاد محمد الأعرج على حاجز قلنديا،ومن ثم قتل الشهيد محمد جعابيص سائق"الباجر" بدم بارد من قبل شرطة الإحتلال ومستوطنيه،وليلتحق به بعد ذلك الشهيد الفتى الشهيد محمد سنقرط،الذي أطلقت عليه رصاصة معدنية قاتلة .

ومع إزدياد وتصاعد حدة الهجمة الإحتلالية على القدس والأقصى،كانت القدس تنتفض في ثورة لا تهدأ، والإحتلال حاول بكل الطرق والوسائل والإجراءات والممارسات القمعية والعقابية ،ان يخمد هبات المقدسيين المتلاحقة،والتي كانت تاتي في سياق الرد الطبيعي على إجراءاته وممارساته بحقهم،والتي تطالهم في مجمل تفاصيل حياتهم اليومية الإقتصادية والإجتماعية،وكذلك مست بمعتقداتهم ومقدساتهم وشعائرهم الدينية،من خلال محاولة السيطرة على أقصاهم عبر الإقتحامات المتكررة له من قبل الجمعيات الإستيطانية وزعران المستوطنين،وتدنيسهم للأقصى واداء طقوس وشعائر تلمودية وتوراتية في ساحاته،والقيام باعمال فاضحة ومخلة بالأداب والحياء بداخله،ولكي يتصاعد مرجل الهبات الجماهيرية،مع قيام الجماعات الإستيطانية المتطرفة بالإستيلاء على عشرات المنازل المقدسية في وادي حلوة بسلوان،في محاولة جادة لتهويد سلوان،وزرعها بالبؤر الإستيطانية،لكي تكون جسرا يربط بين البؤر الإستيطانية في سلوان مع مثيلتها داخل البلدة القديمة،ولكي تصبح الطريق معبدة للسيطرة على الأقصى...

وهذا دفع لتصاعد حالة الغليان في الشارع المقدسي،فكانت عملية الشهيد عبد الرحمن الشلودي.....ولتتبعها عملية أخرى للشهيد معتز حجازي بإطلاق الرصاص على المتطرف الصهيوني عضو اللجنة المركزية لحزب الليكود "يهودا غليك" الذي كان يقود عمليات إقتحام المسجد الأقصى بشكل شبه يومي،وهو من صعد على قبة الصخرة ولوح بالعلم الصهيوني في تحد سافر لكل مشاعر المقدسيين والمصلين.

الإحتلال ادرك بانه بدأ في فقدان السيطرة على القدس،وبدأت الأصوات تعلو من قبل المجتمع الإسرائيلي ووزير شرطة الإحتلال ووزير الأمن الداخلي ومختلف وزراء وقادة الأحزاب الصهيونية المتطرفة،وكذلك المستوطنين والجمعيات الإستيطانية،من اجل تشديد العقوبات والإجراءات القمعية بحق المقدسيين،وليجري إستنفار شامل لكل أجهزة دولة الإحتلال من شرطة وجيش ووحدات خاصة ومستعربين ومخابرات وأجهزة بلدية الإحتلال ووزارة الداخلية،لكي تنسق عملها وتشارك في الحرب على المقدسيين،حيث قام وزير الأمن الداخلي الصهيوني بعد إطلاق النار مباشرة على المتطرف "غليك" بإغلاق المسجد الأقصى كلياً أمام المصلين المسلمين،وليعاد فتحه عبر قيود مشددة على دخوله واداء الشعائر الدينية فيه،مع إستمرار عمليات الإقتحام للمتطرفين الصهاينة والقادة الإسرائيليين،وكذلك لكي تتمكن من السيطرة على شبان الإنتفاضة واطفال الحجارة، تقدمت وزيرة "العدل" تسيبي ليفني الى اللجنة الوزارية الخاصة بالتشريعات بمشروع قرار يشدد العقوبات على راشقي الحجارة على المركبات الاسرائيلية وقواتها وشرطتها،لعقوبة تصل الى عشرين عاماً،وقد تمت المصادقة على مشروع القرار هذا،ليصار الى عرضه على الكنيست للمصادقة عليه،وليكشف هذا القرار العنصري "القراقوشي" مدى حالة الرعب والخوف والتخبط وفقدان السيطرة والإفلاس التي تعيشها حكومة الإحتلال من الشبان المقدسيين الذين لا يملكون سوى إرادتهم وقناعاتهم وإنتمائهم للقدس وحبهم للأقصى.

ودفع الإحتلال بأكثر من (3000) جندي وشرطي من أجل إعادة السيطرة على المدينة،والإحتلال منذ إنتفاضة الشهيد الفتى أبو خضير في 3/تموز وحتى اليوم إعتقل أكثر من (1000) مقدسي،صدرت بحق أكثر من (300) منهم أحكام،وكذلك صاعد وضاعف من "توحشه" و"تغوله " الإستيطاني بالإعلان عن مشاريع إستيطانية جديدة في القدس المحتلة،وطرح عطاءات ومناقصات لإقامة ألألآف من الوحدات الإستيطانية،وقامت أجهزة البلدية والداخلية المدعمة بالجنود والوحدات الخاصة بحملة هدم لعشرات البيوت المقدسية تحت يافطة وذريعة البناء غير المرخص،وليس هذا فحسب،بل توزعت قوات الإحتلال واجهزته بمختلف تسمياتها على مداخل ومفارق البلدات المقدسية،وشنت حرباً شعواء على المقدسيين،يرافقها في ذلك طائرات سمتية ومناطيد في أجواء أغلب القرى المقدسية مزودة بكاميرات مراقبة،وعمدت الى مخالفة مركبات وسيارات المواطنين المقدسيين القانونية وغير القانونية منها،ولم يسلم المارة والمشاة من تلك الإجراءات،وكذلك جرت محاصرة القرى المقدسية،وشنت عملية توزيع اوامر هدم لما يسمى بالبناء غير المرخص،وشنت عمليات بلطجة و«تقشيط»،لصالح ما يسمى ضريبة "الأرنونا" المسقفات والتأمين الوطني وضريبة الدخل وسلطة البث،وغيرها،وكذلك دوهمت المحلات التجارية،للتأكد من سجلاتها المحاسبية والضرائبية والتراخيص،ولم تسلم تلك المحلات من عمليات التقشيط وفرض الغرامات.

وفي إطار تلك الحرب،فرضت مخالفات على السيارات المتوقفة امام البيوت في أكثر من منطقة (500) شيكل لكل مركبة،وكذلك على سبيل المثال لا الحصر جرى دهم محلات الورود ومصادرة الورد والأزهار في اكثر من محل تحت ذريعة ان مصدرها فلسطيني وليس اسرائيليا،وفي محل تجاري آخر في رأس العامود،طلب من صاحب محل تجاري إزالة صورة شهيد معلقة في محله فرفض،وفرضت عليه غرامة قدرها (500) شيكل،وكان يرفع يافطة عالسكين يا بطيخ،وطلب منه إنزالها فرفض،وفرض عليه غرامة أخرى(500) شيكل،وصاحب بيت فرضت عليه مخالفة لأن الحمام الشمسي غير مركب «بطريقة لائقة»،وصودرت حاويات القمامة من اكثر من بلدة لأن الشبان يستخدمونها في إعاقة حركة الجيش،والمواطن هاني سرور في جبل المكبر،يملك بيت عظم بالقرب من مستوطنة "ارمون هنتسيف" استخدمه الجيش من أجل مراقبة شبان الحجارة،فقام بوضع حماية عليه لمنعهم من استخدامه،فحضرت البلدية والشرطة وقالت له بأن امام البيت أتربة واوساخ عليه ان يزيلها والإ سيدفع غرامة(4000) شيكل،ولترتفع مع كل تأخير الى عشرة ألآلاف شيكل،وغيرها عشرات الحوادث المشابهة.

ومع تصاعد عمليات الإقتحام من قبل القيادات الاسرائيلية والجمعيات الإستيطانية والمستوطنين،كانت عملية الشهيد ابراهيم العكاري،والتي استتبعها الإحتلال بحملة تصعيد ضد المقدسيين،حيث المكعبات الإسمنية وضعت على مداخل العيساوية والمكبر وغيرها من اجل إغلاقها ومحاصرتها.

الإحتلال فقد صوابه ووصل مرحلة الجنون والإفلاس،وهو لن يتورع عن إستخدام كل الوسائل وإجراءات القمع من اجل إستعادة السيطرة على الوضع وإخضاع المقدسيين،فهو يعتقد بأن الظرف مؤات لتنفيذ مخططاته،والقدس يجب ان تتهيأ للسيناريوهات الأسوأ.

انشر عبر