شريط الأخبار

العلاقات الأميركية الإسرائيلية بين التدهور والمراوحة ..حلمي موسى

01:45 - 03 حزيران / نوفمبر 2014

ظاهريا تراجعت حدة الأزمة في العلاقات بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية بعد تبادل الاتهامات والألقاب. ووصل إلى العاصمة الأميركية وفد إسرائيلي رفيع المستوى برئاسة مستشار الأمن القومي يوسي كوهين للبحث مع كبار المسؤولين في البيت الأبيض شؤون العلاقات بين الدولتين والمشروع النووي الإيراني. وضم الوفد الإسرائيلي بشكل خاص عددا من كبار المسؤولين في الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية ولجنة الطاقة النووية ووزارة الخارجية. وواضح أنه رغم مظاهر سوء العلاقات السياسية بين الحكومتين إلا أن العلاقات الأمنية والعسكرية لم تتأثر على الأقل حتى الآن.

ويعرف الجميع أن المسؤول عن التعامل مع الوفد الإسرائيلي، من الجانب الأميركي، ليس سوى مجلس الأمن القومي الذي يتهمونه في إسرائيل بالوقوف خلف التعابير المهينة التي وجهت لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو واتهمته بالجبن في كل ما يتعلق بتهديداته لإيران. ولذلك فإن الاجتماعات الجارية حاليا في واشنطن تعتبر فائقة الأهمية ليس فقط على الصعيد النظري والإعلامي وإنما أيضا على الصعيد العملي. فالاتهامات لنتنياهو، حتى وإن تم التنصل منها رسميا في أميركا، هي اتهامات يعرف كثيرون أنها متداولة على نطاق واسع في البيت الأبيض عموما وفي مجلس الأمن القومي خصوصا. وواضح أن منطق المجاملة الذي كان ساد حتى اليوم وكنس الخلافات تحت الطاولة ولى وأن الأمور بلغت حد المكاشفة الجدية.

وبديهي أن في الأمر أبعادا مختلفة، لكن عوامل الخلاف الجوهرية تكمن في ثلاث: رؤية إسرائيل لأميركا ودورها في العالم، والموقف من المشروع النووي الإيراني والتسوية مع الفلسطينيين. ومن الجائز أن هناك خلافا جديا حتى في ترتيب هذه العوامل وأولوياتها. وكان ملموسا ضجر الإدارة الأميركية من السلوك الإسرائيلي تجاهها سواء في ما يتعلق بالسياسة الخارجية أو حتى في التدخلات من جانب بنيامين نتنياهو في السياسة الداخلية الأميركية. إذ لا أحد ينسى موقف نتنياهو العلني من تنافس ميت رومني ضد باراك أوباما على الولاية الثانية. كما يتحدث كثير من الأميركيين بقرف عن العلاقة الوثيقة التي تجمع نتنياهو بالملياردير اليهودي الأميركي المتطرف يمينيا، شلدون أدلسون الذي يعتبر أوباما وانتخابه كارثة على الأمة الأميركية.

وينظر كثير من الإسرائيليين باستغراب لواقع أن نتنياهو يتصادم مع الرئيس أوباما ليس بسبب عداء الأخير لإسرائيل وإنما لأسباب أخرى قد لا تكون إسرائيل في صلبها. فلم يسبق لرئيس أميركي أن نال الثناء على مساعداته القيمة لإسرائيل، سياسيا وعسكريا، أكثر من أوباما الذي فتح آفاقا جديدة للعلاقات بين الدولتين وتجنب غالبا ممارسة أي ضغط على إسرائيل. لكن منطلقات نتنياهو اليمينية دفعته على الدوام لاعتبار نفسه جزءا من الجماعة اليمينية الأميركية. وهذا ما أغضب بشكل واسع أوساطا متزايدة في إسرائيل يصعب عليها تصديق أن أوباما، وبعد أن قدم كل ما قدم، يمكن اعتباره عدوا للدولة العبرية. فأوباما لم يمارس، حتى الآن على الاقل، أية ضغوط سياسية على حكومة نتنياهو في الشأن الفلسطيني. كما لم تحاول الإدارة الأميركية أن تتنكر لإسرائيل في محادثاتها النووية مع إيران.

ولكن يبدو الآن وبعد أن انفجر الموقف أن إدارة أوباما التي لم تعد ملزمة بشيء والتي بقي لها عامان في الولاية الثانية، يمكنها أن تتصرف من دون أي خوف من انتخابات مقبلة. وإذا أفلح أوباما والديمقراطيون في تخييب آمال الجمهوريين واليمين الإسرائيلي في الانتخابات النصفية في الأيام القريبة فإن إرادة الإدارة في مواجهتها مع إسرائيل سوف تتعزز. وطبيعي أن في الذهن العوامل السابقة التي هناك إشارات عديدة على وصول بعضها مرحلة الحسم.

فالاتفاق النووي مع إيران الذي يستند أصلا إلى إقرار بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ولو بأقل الدرجات، يعتبر في إسرائيل اتفاقا لا يمكن التعايش معه. ويعتقد كثيرون أن إبرام أي اتفاق مع إيران سوف يعرض الإدارة الأميركية لحملة دعائية شديدة من جانب إسرائيل وأنصارها في أميركا رغم أن المقربين من أوباما يعتبرون الاتفاق مهمة تاريخية من الدرجة الأولى.

وإلى جانب ذلك ورغم أحاديث عن قرب تخلي أوباما عن خدمات وزير الخارجية جون كيري بعد الانتخابات النصفية، فإن محاولة تسوية المسألة الفلسطينية تعتبر مهمة لا تقل تاريخية. وهناك أحاديث عن أن قرب توجه الفلسطينيين إلى مجلس الأمن في مطلع العام المقبل لنيل الحق في دولة على حدود 67 يدفع الأميركيين من الآن للبحث عن مخرج ولو على شكل تسوية مرحلية لمنع الصدام الوشيك. لكن من الواضح أن حكومة نتنياهو التي صارت تزداد ميلا نحو اليمين المتطرف تتجه وجهة أخرى مضادة. ففي إسرائيل تزداد القناعة بوجوب الحيلولة دون الدولة الفلسطينية وقيامها ولذلك فإن الليكود صار ينظر بعداء للسلطة الفلسطينية ورئيسها. ولا يهم في هذا الجانب إن كان نتنياهو لا يزال يتحدث عن الرغبة في إنشاء تحالفات وسلام مع الدول العربية المعتدلة ويقول بأن هذا يشكل مدخلا للسلام مع الفلسطينيين.

لكن نتنياهو كما كان لا يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام وهو كثيرا ما يتحدث عن «السلام مقابل السلام» و«الأمن مقابل الأمن»، في إيحاء إلى أنه لا يقبل أي تنازل عما تسيطر عليه إسرائيل اليوم.

لذلك، ظاهريا، التهدئة في العلاقات بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو واردة، لكنها تهدئة موقتة ربما يعقبها انفجار عنيف. كثيرون يؤمنون أن مكانة إسرائيل تتراجع بشكل جوهري في أوساط الرأي العام الأميركي.

انشر عبر