شريط الأخبار

ميراث الحسين- معاريف الاسبوع

12:48 - 02 آب / نوفمبر 2014

بقلم: يوسي ملمان

(المضمون: قبل قيام الدولة بثلاثة عقود جمعت بين اسرائيل والاردن علاقات وتنسيقات سرية، ورغم ان اتفاقية السلام لم تنجح باحداث سلام حقيقي بين الدولتين، الا ان هذه العلاقات السرية قد بقيت واستمرت حتى اليوم، وهذا يؤكد حقيقة ان الدولتين مرتبطتان استراتيجيا ببعضهما البعض - المصدر).

في بداية الاسبوع ظهر وزير الدفاع موشيه يعلون في مركز رابين في الذكرى السنوية العشرين للتوقيع على اتفاق السلام مع الاردن. وقد تحدث عن "التحالف الاستراتيجي" بين الدولتين وأشار الى ايلول 1970 كنقطة تحول لهذا التحالف.

في ذلك الشهر (ايلول 1970) أعلن الملك حسين الحرب على المنظمات الفلسطينية التابعة لـ م.ت.ف برئاسة ياسر عرفات، الذين أقاموا دولة داخل دولة منذ حرب الايام الستة، وعلى مدى ثلاث سنوات فعلوا ما شاءوا في المملكة الهاشمية. كتيبة مدرعات للجيش السوري، وبأمر من الرئيس حافظ الاسد، دخلت الى شمال الاردن لمساعدة الفلسطينيين وهددت باسقاط نظام الملك.

بناءً على شهادة مستشار الامن القومي للولايات المتحدة، هنري كيسنجر، فقد استجابت اسرائيل لمساعدة جارتها في الشرق، وقامت في وضح النهار بتركيز قوات جيش الدفاع في غور بيسان، وقامت الطائرات بالتحليق فوق المناطق الحدودية لتحذير سوريا، وفي نهاية المطاف هاجم سلاح الجو الاردني السوريين وكبح جماحهم لأنه عرف أن له تغطية جوية وبرية. هذه لم تكن المرة الاولى التي تنقذ فيها اسرائيل حياة الملك ونظامه، فقد حدث هذا قبل ذلك في عدة مناسبات.

على المستوى الشخصي أتذكر بداية التحالف الاستراتيجي في صيف 1970، قال يعلون. "في حينه كنت مظليا شابا. وانتظرنا في غور بيسان لاجل التوجه شرقا لمنع دخول القوات السورية الى الاردن بأمر من الاسد ليساعد منظمة التحرير على اسقاط نظام الملك حسين. هذا الاستعداد لجيش الدفاع منع الهجوم السوري ووضع الاساس للتحالف الاستراتيجي بين الاردن واسرائيل". بالمناسبة كاتب هذه السطور كان جنديا في ذلك الحين وتم ارساله ايضا الى غور بيسان.

وفي سياق الحديث أشار وزير الدفاع الى أنه "على مدى سنوات كانت هذه علاقة سرية بين الملك الاردني الحكيم والشجاع، الذي استطاع قراءة الحقائق، وبين زعماء اسرائيل الذين فهموا أهمية الاردن ومكانتها المركزية في الشرق الاوسط والخصوصية في العلاقة معه، هذه العلاقة التي عادت بالفائدة الاستراتيجية على الدولتين، وأنقذت حياة الكثير من أبنائنا وبناتنا في الطرفين".

لكن يعلون لم يفصل جوهر هذا التحالف السري الذي كان تعاونا أمنيا ومعلوماتيا متواصلا، حسب مصادر اجنبية. وفي عدة مناسبات تم تبادل المعلومات والنشاطات ضد من هم أعداءً مشتركين – لا سيما المنظمات الارهابية الفلسطينية وحزب الله.

اتصالات مصطنعة

لقد تم الكشف عن الكثير من العلاقات السرية التي سادت قبل توقيع اتفاق السلام بين الدولتين، وكان بعضه من مصادر اسرائيلية. كل رؤساء الحكومات في اسرائيل باستثناء مناحيم بيغن بدءً من غولدا مئير الى بنيامين نتنياهو قاموا بالالتقاء سرا مع الملك حسين.

ايضا اسحق شمير الذي كان رئيس الحكومة في 1987 والذي قام بافشال الاتفاق الذي عقده نائبه شمعون بيرس مع الملك (في لقاء لندن)، التقى مع الملك سرا، وكان ذلك في كانون الثاني 1991 بعد غزو الكويت من قبل العراق، والاستعدادات الامريكية لدخول منطقة الخليج.

حاول شمير الحصول على موافقة الملك السماح لطائرات سلاح الجو الاسرائيلي بالمرور من فوق الاردن اذا اضطرت اسرائيل لضرب العراق. لكن الملك رفض ذلك، وتعهد في نفس الوقت بعدم السماح لطائرات صدام حسين بالمرور من فوق الاردن لضرب اسرائيل. الاستثناء الوحيد كان مناحيم بيغن، الذي وقع اتفاق سلام مع الرئيس المصري أنور السادات في العام 1979، ولكنه رفض اقتراحات اللقاء مع ملك الاردن.

لقاءات مشابهة بين زعماء وسياسيين اسرائيليين تمت وتتم مع إبن الحسين، الملك عبد الله الثاني، وهي بشكل علني في معظمها.

منذ 1967 يعتبر الموساد هو المسؤول الوحيد عن العلاقات بين الدولتين، وقد تم اعتبار العلاقات مع الملك على مدى السنين أمرا هاما وضروريا. ويعتبر افرايم هليفي، رئيس الموساد، الشخصية الاكثر تميزا في العلاقة بين الموساد والملك.

وبحذر ما يمكن القول أنه كانت للملك حسين 200 ساعة من المكالمات أو المحادثات مع الزعماء الاسرائيليين. رؤساء الموساد أحبوا الالتقاء مع الملك منذ حرب الايام الستة وكانت اللقاءات تتم في مقر الموساد على مفترق غليلوت وفي قصر الملك في عمان، وعلى القارب الملكي في ميناء العقبة وفي منازل خاصة في لندن وباريس.

خطة التقسيم

اللقاء الاول تم في 1963 بين الملك حسين ويعقوب هرتسوغ، الذي كان آنذاك نائب مدير مكتب رئيس الحكومة، وقد تم اللقاء في منزل الدكتور هربرت عمانوئيل في الحي الفخم لسانت جونس وورد في لندن. الدكتور عمانوئيل هو يهودي الأصل، وكان طبيبا بريطانيا وصاحب عيادة (ليس بعيدا عن هارلي ستريت – شارع الاطباء)، ومن زبائنه الأغنياء السيد ماركوس زيف الذي كان صهيونيا متحمسا، ومن أصحاب شركة "ماركس آند سبنسر"، وهو مقرب من المؤسسة الحكومية في اسرائيل، ولا سيما الى وزير الخارجية آبا ايبان. زبون آخر مهم هو الملك حسين. وكطبيب عرف كيف يكون محافظا على الأسرار. د. بيتر كوليير – شريكه في العيادة – حدثني في 1987 عن الصداقة التي جمعت د. عمانوئيل وزبونه الاردني وعن وساطته في العلاقات بين هذا الزبون وبين اسرائيل.

كان هدف اللقاء بين حسين وهرتسوغ هو تنسيق المواقف وفحص امكانية وجود تعاون سري، على خلفية التأييد الكبير في العالم العربي للزعيم المصري جمال عبد الناصر، وكان اسقاط النظام الملكي الاردني من ضمن اولويات مصر.

في لقائه بلندن جدد الملك حسين وبتأخير 16 عاما العلاقة التي كانت بين جده الملك عبدالله الاول مع الصهيونية، أقام عبدالله الاول هذه العلاقات في الثلاثينيات من القرن العشرين.

كانت غولدا مئير في حينه من زعماء القسم السياسي للوكالة اليهودية، وأرادت الاستفسار اذا كان الملك يريد الدخول الى أرض اسرائيل في حال تمتد المصالحة على قرار التقسيم، ويعلن اليهود عن دولة خاصة بهم. "انا أوافق على قرار التقسيم بشرط ان لا يحرجوني"، قال الملك واقترح حكم ذاتي يهودي في مملكته.وأراد الملك ان يعرف رد اليهود في حال سيطر على الجانب العربي في ارض اسرائيل. لم يتوصل الاطراف الى تفاهمات مكتوبة، ولكن هذا لم يمنع وجود تفاهمات شفوية، تعمقت أكثر في اللقاء الثاني بتاريخ 11-5-1948 وقبل اعلان الاستقلال من قبل بن غوريون بأربعة أيام.

سافرت غولدا مئير مرة اخرى للقاء الملك، في عمان، على أمل منع دخول الاردنيين، ولكنها لم تنجح بالمهمة ودخل الجيش الاردني لارض اسرائيل، ولكن في اللقائين اتفق الطرفان على وجود مصلحة مشتركة واحدة: منع اقامة دولة عربية اخرى (فلسطينية) بين الدولتين.

وكانت النتيجة أن الجيش الاردني المنظم والذي كان بقيادة بريطانية، استطاع كبح نفسه وعدم التسبب بالمشاكل، باستثناء بعض المواجهات في غوش عتصيون والبلدة القديمة في القدس واللطرون، وامتنع الطرفين عن توسيع المواجهات العسكرية فيما بينهم.

عام 1936 قال الملك عبدالله الاول في حوار مع موشيه شرتوك (من حزب شريت): "دائما وضعي صعب وعليكم ايها اليهود تذكر ذلك". وبذلك استطاع ان يلخص العلاقات المميزة والخاصة بين الدولتين، فهذا التعريف يصلح ايضا اليوم. والمشكلة انه في اسرائيل لا يتذكرون ذلك دائما.

المشاكل التي يعانيها عبدالله

بعد اتفاقية السلام توقع الملك حسين وحاشيته ان يروا نتائج وثمار السلام وان يتحسن الاقتصاد الاردني. وهناك صفقات اقتصادية قليلة وبالذات في مجال النسيج (بشاكير عراد قامت بنقل مصنعها للاردن) ولكن في نهاية المطاف لم يحقق اتفاق السلام رفاه اقتصادي للاردن.

والادهى من ذلك، انه وبعد مرور ثلاثة أعوام على اتفاقية السلام قرر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد داني ياتوم، القيام بعملية اغتيال فوق الاراضي الاردنية. من الناحية التنفيذية كان الامر سهلا، اما من الناحية السياسية فانه خطر جدا. وقامت اسرائيل بارسال افرايم هليفي الذي كان قد أنهى عمله في الموساد قبل سنوات، أرسلته الى الاردن وبشكل سريع من أجل تقليل الخسائر والاضرار السياسية. وقال هليفي

ان الملك هدد بارسال قوة عسكرية لاقتحام السفارة الاسرائيلية في عمان لاخراج الفاعلين رجال الموساد وبقطع العلاقات الدبلوماسية مع القدس.

دفعت اسرائيل ثمنا كبيرا كي تحافظ على العلاقات مع الاردن، حيث ارسلت المصل الذي أنقد حياة خالد مشعل واطلقت سراح الشيخ احمد ياسين من السجن.

حدثت منذ ذلك الحين بعض الاحداث التي أثرت على العلاقات ولكن ليس بنفس القدر، وغياب عملية السلام مع الفلسطينيين والاحداث في القدس. كل ذلك يصعب الامر على الملك عبدالله الذي يواجه ضغوطا داخلية كبيرة من قبل الاخوان المسلمين والمتطرفين الاسلاميين الذين يطالبون بقطع العلاقات مع اسرائيل. على هذه الخلفية جاءت تصريحاته في الاسبوع الماضي حيث شبه داعش والتطرف الاسلامي بالتطرف اليهودي في اسرائيل.

بعد تحطم الحلم عن سلام حقيقي ومثمر، تبقى العلاقات السرية لاجهزة الامن والاستخبارات لكلا الدولتين والتي كانت موجود اصلا. رغم كل ذلك فان الدولتين وبالذات الاردن هما نتاج الجيواستراتيجيا الخاصة بهم. القيادة الاردنية تعرف انه لكي تحافظ على بقائها واستقرارها هي بحاجة لاسرائيل، هذا الامر يتعزز اكثر على خلفية وجود داعش والخطر الذي تمثله هذه المنظمة. كانت اسرائيل دائما السند الاستراتيجي للمملكة الهاشمية. الى متى؟ هذا الامر متعلق باسرائيل.

انشر عبر