شريط الأخبار

ثلاثة خطابات وثلاثة انقلابات سياسية

03:04 - 01 تموز / أكتوبر 2014

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

شهدت القاعة الرئيسية للأمم المتحدة في الأسبوع المنصرم كعادتها السنوية من كل سبتمبر خطابات رئاسية، ثلاثة منها تهمنا، خطاب أوباما وعباس ونتنياهو، وقد كان المشترك بينها التغيير والانقلاب على ما ساد من مفاهيم واستراتيجيات سياسية، وكأنها تؤذن بنهاية مرحلة وبداية أخرى مختلفة عن سابقتها.

بعد العدوان الكبير والتصعيد العسكري على القطاع؛ نقف على أعتاب مرحلة صدام سياسي مسلح بالاستيطان والحصار السياسي وتحريض دعائي مركز على الرئيس عباس، فهل نحن حقاً مستعدون؟ ثلاثة خطابات هامة في الأمم المتحدة، مرحلة سابقة وأذنت بالدخول في مرحلة جديدة.

مرحلة تتميز على المستوى الرسمي الفلسطيني بسقوط خيار المفاوضات كغاية لمسيرة سياسية منقطعة عن الواقع بآلياتها ورعايتها الحالية، وتعمق القناعات الرسمية بعبثية أية مفاوضات لا تستند إلى مرجعيات وأهداف واضحة ورعاية دولية وسقف زمني، وعلى المستوى الأمريكي فإن ما قاله أوباما في خطابه بالأمم المتحدة يعتبر انقلاباً رسمياً خطيراً على مفهوم سياسي أمريكي تقليدي، وتبنٍ لموقف طالما رددته إسرائيل؛ ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ليس السبب في المشاكل السياسية للشرق الأوسط، وحيث قال أوباما "الوضع في العراق وسوريا وليبيا يجب أن يشفي الجميع من وهم أن هذا الصراع (الاسرائيلي الفلسطيني) هو مصدر المشكلات في المنطقة"، وأضاف "العنف في المنطقة جعل إسرائيليين كثيرين ييأسون من حل الدولتين"، وهدد قولاً وفعلاً انه لن يسمح بتقصير طريق الآلام التي يسير الشعب الفلسطيني لنيل حريته، رافضاً إدخال الأمم المتحدة ومجلس الأمن كأطراف لحسم الصراع، ومشدداً على ان السبيل الوحيد المسموح به للحل هو التفاوض المباشر، لم يكن ينقص أوباما ليصبح ليكوديا محسوباً على معسكر الصقور إلا ان يصرح ان الاستيطان ليس عقبة في طريق السلام، وقد كان واضحاً ومحدداً في التزامه بأمن إسرائيل، ومذكراً العالم بمعاناة اليهود وعبقرية دولتهم التي تثير إعجابه والتي "توجد دول عديدة تهدد وجودها".

أوباما حدد أولويات الفترة المتبقية من ولايته؛ حيث تغيب عنها القضية الفلسطينية، وكشف بشكل وقح جداً عن جوهر الانحياز الأمريكي لصالح المشروع الصهيوني، مقدماً دعماً واسناداً كبيراً لإسرائيل في جرائم الحرب والاحتلال، وإظهار قوة ساحقة على الضعفاء.

خطاب أوباما منح نتنياهو ريح اسناد قوية جداً ليقدم خطاباً نارياً ومتشدداً في غاية التبجح والغرور، خطاب مليء بالأكاذيب والعنجهية والتضليل وقلب الحقائق وتوظيف الحالة العربية وحالة الاسلام فوبيا والتخويف من إيران النووية، وقد نجح نتنياهو كخطيب مفوه وممثل مسرحي من الدرجة الأولى ان يصيغ كل ذلك في قالب خطابي، انه متين وناري ومركز الهجوم، وبرع في صياغة سياقات الهجوم بشكل يبدو مقنعاً للأذن الغربية إذا لم يكن لديها فهم لحقيقة سياسات نتنياهو ومعرفة بحقيقة اختلاف حماس عن داعش، حيث وظف الحرب على داعش والفوبيا من الاسلام بشكل جيد ومترابط.

كان مباهياً ومفاخراً بأخلاقيات جيشه وانجازاته الجرمية الدموية، لكنه خبأ جيداً انجازات مشاريعه الاستيطانية، فلم يباهِ بها، وحتى لم يذكرها بكلمة واحدة.

بيد أن أخطر ما جاء في خطاب نتنياهو لم يتعلق بإيران ولا بحماس أو داعش أو حزب الله؛ بل بالمسار السياسي، وكان قد أخذ إلهاماً من خطاب أوباما الذي انقلب فيه على المفاهيم، فأراد ان يتنافس مع أوباما في جرأة الانقلاب على المفاهيم، متشجعاً من استمرار الصمت العربي والدولي على جرائمه في القطاع، حيث اعتبر ان الأولوية هي لصنع السلام مع العرب أولاً لمواجهة "العدو الأكبر" إيران والارهاب الإسلامي، في تجاهل وقح واستفزازي لاعتبار فلسطين أرضاً وشعباً قضية العرب الأولى، وما كان له ان يتجرأ على ذلك، ومن قبل ان يفضح علاقة العرب السرية مع إسرائيل، كاشفاً عن نظرة ما يسميهم بالعرب المعتدلين تجاه اسرائيل باعتبارها جزءاً من الحل للتهديدات الأمنية في المنطقة، لولا انه سمع في السر الكثير من الحديث المشجع.

الأمر الخطير الثاني، الذي قاله نتنياهو بكلمات مباشرة وفصيحة وحادة الوضوح، يندرج تحت عنوان إعلان قرار إسرائيل بالتخلص السياسي من الرئيس عباس، وما قام به نتنياهو يدخل في إطار الترويج للقرار أممياً من أهم منبر دولي، حيث اتهم عباس برعاية مجرمي الحرب، ووصفه بالمتنكر للكارثة وباللاسامية، وكانوا قد اتهموه سابقاً بممارسة الارهاب السياسي، وكان ليبرمان قد طالب سابقاً بالتخلص منه ووصفه، أول أمس، بأنه غير ذي صلة، نعم إسرائيل تكرر ما فعلته سابقاً مع الرئيس عرفات.

 

صدام سياسي

مسار التطورات السياسية بات يتجه حتماً نحو الصدام الفلسطيني من جهة مع (الاسرائيلي – الأمريكي) من جهة أخرى، هذا الصدام الذي حاولت، ولا زالت، أطراف محلية وإقليمية ودولية تجنبه واحتواءه عبر التحايل والاحتواء والوعود، وأحياناً كثيرة عبر التهديد، وعلى الرغم من استنفاذ كل تلك الأطراف لجهودها، لكنها لم تستسلم بعد.

الصدام بات حتمياً لأن القيادة الفلسطينية لم يعد بوسعها أن تسير خلف الأوهام متجاهلة الحقائق على الأرض، حقيقة وجوهر سياسات إسرائيل المتمثلة في التملص من مفاوضات جدية، وتسريع البناء في المستوطنات ومصادرة الأراضي، وتهويد القدس في سباق مع الزمن لفرض الأمر الواقع، الذي يخنق ويقتل عملياً مشروع دولة الـ 67، لينتهي الأمر لاحقاً في البحث عن حلول انسانية ومعيشية لسكان الضفة، كما لم يعد بوسعها أن تتجاهل قناعاتها حول عبثية المفاوضات التي شكلت غطاءً للاستيطان في ظل آلياتها ورعايتها السابقة، فحدد الرئيس آليات وشروط جديده لأية مفاوضات مستقبلية، لا نعتقد أنها ستكون ممكنة في المستقبل القريب، وهو بذلك أطلق رصاصة تأكيد القتل المستحقة على مسيرة أوسلو وأدواتها وآلياتها التفاوضية، الصدام بات واقعاً أيضاً لأن القيادة لا تستطيع ان تتجاهل المطلب الشعبي الكبير بتوقيع ميثاق روما لفتح باب محاكمة مجرمي الحرب، والصدام بات حتمياً لأن إسرائيل وأمريكا سيقومان بمعاقبة السلطة الفلسطينية وتدفيعها ثمن تجرؤها على الخروج من بيت الطاعة.

إن الاجراءات الامريكية والاسرائيلية التصعيدية تجاه الخطوات الفلسطينية ستكون مرهونة بثلاثة عوامل؛ الأول له علاقة بطبيعة التوجه ذاته، والثاني يتعلق بمدي الدعم العربي والدولي الذي سيحظى به هذا التوجه، فكلما كان الدعم كبيراً وواسعاً كانت الاجراءات محدودة، والعكس صحيح، والثالث ان أي إجراء يجب ان يراعي استمرار قدرة السلطة على القيام بواجباتها الدنيا.

انشر عبر