شريط الأخبار

قصة اليسار الحزينة -هآرتس

12:02 - 23 تموز / سبتمبر 2014

قصة اليسار الحزينة -هآرتس

بقلم: آري شبيط

(المضمون: يجب على اليسار الاسرائيلي أن يعترف بخطئه في السنين الماضية التي حاول فيها الاتيان بسلام مقطوعا عن الواقع - المصدر).

إن قصة اليسار الاسرائيلي قصة حزينة. كان اليسار الصهيوني عند نقطة البدء في صيف 1967 على حق، فقد أدرك في اليوم السابع من حرب الايام الستة أن الاحتلال مفسد وأن الاستيطان لا بقاء له. وناضل بشجاعة رفض غولدا مئير ومسيحانية غوش ايمونيم وصقرية الليكود العبثية، لكن كان أكبر خطأ لليسار أنه طور ايمانا سحريا بأنه يمكن انهاء الاحتلال بوعد "سلام الآن" الميتافيزيقي.

إن الايمان الاحتفالي (الذي يكاد يكون دينيا) بسلام عام وحقيقي وفوري اصبح ضعيفا جدا في أواخر القرن العشرين، لكنه اصبح بلا اساس يقوم عليه في القرن الواحد والعشرين. ورفض

اليسار أن يستدخل الى نفسه هذه الحقيقة الواضحة المرة. فلم يوجد في تصور ماضيه مكان حقيقي لرفض ياسر عرفات ومحمود عباس وازدياد قوة حماس الدائم، ولا يوجد في تصور حاضره مكان حقيقي للاصولية الاسلامية والفوضى العربية والتطرف الفلسطيني. فقد فقدت الحركة السياسية الصهيونية العقلانية الاخلاقية لستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فقدت هويتها واضاعت طريقها وانفصلت عن الواقع.

الغاية التي يسعى اليسار الاسرائيلي اليها في الـ 47 سنة الاخيرة هي الغاية الصحيحة وهي حل الدولتين. لأننا اذا لم نقسم البلاد فلن تبقى دولة اسرائيل يهودية أو لن تبقى ديمقراطية أو لن تبقى. واذا لم نقض على وباء الاستيطان فان وباء الاستيطان سيفنينا جميعا ولهذا يجب على اسرائيل أن تبحث عن السلام وأن تجرب السلام لكن اذا لم يوجد السلام فعليها أن تعمل في تصميم ودأب وحكمة كي تنهي الاحتلال.

لكن معسكر السلام وهو يسعى الى الغاية الصحيحة تجاهل حقيقة أن الانسحابات من اجل السلام جاءت بالحافلات المتفجرة الى ميدان ديزنغوف وبالمخربين المنتحرين الى الدولفناريوم وبالقذائف الصاروخية حتى الخضيرة. ولم تواجه حركات السلام حقيقة أن الفلسطينيين رفضوا بالفعل مبادرات سلام بيل كلينتون واهود باراك واهود اولمرت. فنخبة السلام تصرفت في الماضي وتتصرف في الحاضر وكأنها لا تلاحظ أن ايران تحاول الحصول على القدرة الذرية، وأن الدولة القومية العربية تنهار وأن تنظيم الدولة الاسلامية يقطع الرؤوس. وبقي عالم مفاهيم الناس الذين يفترض أن يكونوا الاكثر اطلاعا على الجديد والاكثر انفتاحا والاكثر نقدا، بقي عالم مفاهيم جامدة وقديمة ومتحجرة. ولا يتناول تصورهم للواقع سوى نصف الواقع في حين يتجاهل كل ما حدث في البلاد في العشرين سنة الاخيرة وكل ما يحدث حول هذه البلاد في السنتين الاخيرتين.

حدث الانفجار الكبير في سنة 2000 فقد أفضى أسخى اقتراح سلام اسرائيلي قبل 14 سنة بالضبط الى أشد هجوم ارهاب على اسرائيل. وكانت صدمة انتفاضة ثانية بعد كامب ديفيد مزعزعة وكان الوسم الذي وسمت الوعي الاسرائيلي به عميقا. ولذلك كان يجب على ناس اليسار

الصهيوني أن يتمهلوا قبل 13 سنة وأن يحاسبوا انفسهم ويفكروا. وكان علينا أن ندرك أن شيئا ما قد اختل وأن فروضنا الاساسية لا تلائم الواقع وأنه يجب علينا أن نعيد تعريف انفسنا.

كان يفترض أن يجدد حزب العمل وميرتس وحركات السلام اليسار الصهيوني في بداية الالفية الثالثة كما جدد بيل كلينتون الحزب الديمقراطي في 1992 وكما جدد طوني بلير حزب العمال في 1997. ولو أننا كنا جديين – ساسة جديين ومثقفين جديين وقادة رأي جديين – لعرضنا على الشعب في اسرائيل طريقا ثالثا في منتصف العقد الماضي لكننا لم نفعل ذلك. وفشلنا فشلا ذريعا لأننا لم نفعل ذلك. ومن نتيجة هذا الفشل المتواصل أننا نسير من عثرة الى عثرة ومن بكاء الى بكاء ومن عويل الى عويل. ونحن نخدم اليمين بأيدينا ونؤبد حكم نتنياهو. ونحن نمنع بتقصيرنا تقسيم البلاد ونبني المستوطنات. وبدل أن نسلك سلوك قيادة بديلة وبالغة ومسؤولة يستطيع الجمهور الاسرائيلي أن يثق بها نسلك سلوك مجموعة من المراهقين الشاعرين بالمرارة الذين يشتمون وينبزون ويطاردون كل واحد من القطيع يتجرأ على الخروج منه وعلى أن يقول له الحقيقة.

وهاكم الحقيقة وهي أ الملك عارٍ. وأقول لاجل الحقيقة إن الملك قد مات والصحيح الى الآن أن محاولة احياء السلام القديم تشبه محاولة حسيديي حفاد احياء الحاخام ميلوفوفيتش. فمن يثق اليوم بخطة سياسية صيغت حينما كان بطرس غالي مصر وفيصل الحسيني فلسطين ودان مريدور الليكود؟ ومن يشتري اليوم على ثقة رؤيا سلام من سنة 1990؟ لا يفعل ذلك إلا مسيحانيون. وأناس تجعلهم اعتقادات سامية ومُثل سامية عميانا تماما عن الواقع الذي أخذ ينشأ حولهم. لكن لما كان اكثر الاسرائيليين ليسوا مسيحانيين فانهم لا يشترون ذلك وبرغم أنهم يدركون أن الاحتلال اشكالي والمستوطنات خطيرة لا يثقون باولئك الاشخاص من اليسار القديم الذين ما زالوا يعرضون عليهم انهاء الاحتلال بسلام في حين لا يوجد أي سلام في الأفق. ويفضلون في الاختيار بين مسيحانيي اليمين ومسيحانيي اليسار، يفضلون مسيحانيي اليمين، فهم غير مستعدين للسير وراء من اخطأوا مرة بعد اخرى ولم يعترفوا قط بخطئهم.

لن أجادل عكيفا الدار وداني كرفان فأنا أحترم جدا عمل أحدهما الصحفي وابداع الآخر الفني. وحينما كتبت هنا قبل اسبوعين عن اليسار الهاذي لم أقصد اليسار الصهيوني الذي يعتبر

ذانك الاثنان فيه بل اليسار المعادي للصهيونية الذي يرجم اسرائيل بالحجارة دون توقف ودون رحمة ودون حكمة تاريخية. لكن يبدو أنه يوجد من تحترق القبعة على رأسه، ويوجد من لا يفهم الى الآن ثورة كوبرنيكوس وما زال يؤمن بأن شمس الشرق الاوسط الملتهبة تدور حول الكرة الارضية للسلام.

ولن أراشق على غير العادة زملائي بل أنتهز هذه الفرصة الخاصة كي أمد يدي اليهم وأعرض عليهم التكاتف. أفما زلتم تؤمنون بأن السلام التقليدي في متناول اليد؟ ممتاز، وأنا معكم. جيئوني بتوقيع محمود عباس على مسودة الاتفاق الدائم لاهود اولمرت. وأتوني بتنازل الجامعة العربية عن طلب العودة الذي ينطوي عليه القرار 194 الذي صدر عن الامم المتحدة، فاذا فعلتم ذلك فسأنضم اليكم وسأحاول أن أقنع كل اسرائيلي وكل اسرائيلية بمنح السلام أملا. لكن اذا لم تنجحوا في هذه المرة ايضا واذا فشلتم للمرة الثالثة والرابعة فاعترفوا آخر الامر بأن المحاولة الحرجة لن تنجح وبأن النظرية المتفائلة قد دحضت. وقد نستطيع آنذاك أن نوحد القوى ونحدد الافكار ونأتي العالم بفكرة سلام جديدة لا تقوم على أهواء قلبية بل على حقائق متينة.

واذا فعلنا ذلك استطعنا أن نقنع آخر الامر الكثرة الاسرائيلية بأن أهم مشروع قومي يواجهنا هو مشروع تقسيم البلاد. واذا كففنا فقط عن التورط في الاوهام وبيع الاوهام فسنستطيع أن ننقذ الدولة اليهودية الديمقراطية وأن نجدد الصهيونية بصفتها حركة ليبرالية واخلاقية تثير الالهام.

انشر عبر