شريط الأخبار

الشهيد الذي يتذكره "مفترق السرايا"

09:36 - 15 تشرين أول / سبتمبر 2014

غزة - فلسطين اليوم

هكذا هم الشهداء يغادرون ليتعبوا من جاء بعدهم يتلمس خطاهم ، يرحلون مزنرين بالموت تاركين من خلفهم آهات على فراقهم من قبل الأهل والأصحاب والأحباب ، غادروا بأجسادهم لكنهم بقوا بآثارهم ، غابوا بأرواحهم لكنهم بقوا في القلوب والغائب لا يتغير عليه الزمان ولا المكان فمكانه في قلب المحب باقي مهما طالت الأيام ، وشهيدنا غادر بجسده لكنه كما الشهداء كان مصباحاً ينير لنا عتمة أيامنا ، ينير لنا دروب الحياة لنكملها .

الشهيد محمد المبيض شرطي المرور الذي يتذكره جميع من مرّ على مفترق السرايا سواء كان سائقاً أم راكباً أو حتى سائراً على الأقدام ، لسرعة يديه المتناهية في تسيير حركة المرور ، الشهيد محمد الذي قال عنه زميله محمد الشاويش والذي صاحبه مدة سبعة أعوام من العمل لو كان يجوز لنا أن نقول عن أحد بعد الرسول أن خلقه القرآن لقلت ذلك عن محمد .

ويقول الشاويش : " كان مشهوداً له بتميزه وانضباطه في العمل ، كان يوصي زملائه على الإتقان في عملهم ، لم يسجل عليه أي مشكلة خلال فتره عمله على المفترقات ، فكثيرا ما كان يتجنب المشاكل مع السائقين وكان يأخذ بجانبه منعاً لافتعال المشاكل وحتى يترك سيرة طيبة عند الجميع ، عندما سمعت بخبر استشهاده بقيت متسمراً مدة نصف ساعة مرَّ خلالها أمام بصري شريط سبع سنوات قضيتها مع محمد رحمه الله " .

ولأن الشهادة عطاء وارتقاء كان شهيدنا محمد يعطي طمعاً بأن يكسب القلوب ورضا رب القلوب ، فيشير صديقه أمجد أنه كان يحضر معه كل صباح إلى العمل مدة عامين لم يشعر فيها بأنه صديق لمحمد بل هو أخ وقف معه في العديد من المواقف وقفة الأخ الشقيق فقد كفله لمرابحة في البنك بعد أن بقي مدة شهرين يبحث عن كفيل ، وفي ذات مرة ذهبت معه لبيع خاتم لزوجته عندما احتاج المال فقال له بالحرف الواحد "أنت ما بتستحي" وأخرج من جيبه مبلغاً من المال وأقسم ألا يعود ثانية .

ولأن الابتسامة مدخل من مداخل القلوب ومحمد دخل القلوب بابتسامته التي كانت لا تفارق محياه ، كذلك كان محمد يحب لعب الطائرة كثيراً وكثيراً ما تعرض للحجز بسببها ، مما اضطر مسئول الشفت أن يجعل دوامه صباحي دائم وعن أكثر خلق كان يتميز به الشهيد أثناء عمله هو خلق التسامح ، فكان يخالف السائقين بالكلمة الحسنة .

حمزة زميل الشهيد محمد المبيض في العمل يروي قصة استشهاده فيقول :" أنه بعد أن أخذت الحرب في التصعيد خرج محمد وعائلته من منزلهم في حي الشعف ، لكن بقيت جدته المسنة في المنزل وبعد يومين أصر محمد على أن يذهب لإحضارها فكانت طائرات الغدر الصهيونية في انتظاره تصب جام غضبها عليه ، وعلى كل من يتحرك في غزة فأطلقت عليه قذيفة أصابته في قلبه النابض بالحياة المليء بالحب للخير ، ليغادر محمد شهيداً كما كان يتمنى .

خالد جاره وزميله في العمل يقول أن محمد كان نشيطاً لا يدخر مجهوداً في مساعدة الغير كان ملتزماً في المسجد يشرف على حلقات التحفيظ ، وكان في ليلة القدر يشارك في إعداد الطعام للمتهجدين ، كما كان يحرص على أن تقام حفلات إشهار الزواج في المسجد وكان هو من يقوم بتصوير هذه الحفلات فكان متقناً لفن التصوير ، كان محمد يحضر لصلاة الفجر وهو مرتدياً زيه الشُرطي ويقوم بقراءة القرآن حتى يحين موعد العمل .

رحل الشهيد محمد ذاك الشاب الأسمر الطويل وبقيت ابتسامته المشرقة تنير دروب إخوانه من بعده ، رحل وترك أثراً في قلوب وعقول من كانوا حوله ممن عرفه ومن لم يعرف سوى صورته وهو يحرك كلتا يديه لينظم حياة قد دمرتها آلة الحرب الصهيونية ، ولكن سينظمها من بعدهم من سارا على نفس الدرب .

تركنا من بعده نقول يا شهيد أنت حي ما مضى دهر وكانا ، ذكراك الفواح يبقى فينا ما حيينا في دمانا ،أنت بدر ساطع ما غاب يوما عن سمانا .

انشر عبر