شريط الأخبار

انهيار الفقاعة الأمنية وانكشاف الجبهة الداخلية

02:13 - 10 حزيران / سبتمبر 2014

أطلس للدراسات

الحروب الحاسمة والفاصلة التي تنتهي بالاستسلام أو الهزيمة الساحقة لأحد أطرافها تنتهي معها الكثير من مشاعر الخوف والقلق التي رافقت الحرب، وتبدأ محلها مشاعر مختلفة ليس لها علاقة بأجواء الحرب، بل بمرحلة ما بعد الحرب، تجرع مرارة الهزيمة أو قطف ثمار النصر.

بيد أن الحرب الأخيرة على القطاع لم تنتهِ بطريقة المنتصر والمستسلم، ولأنه من المسلم لدى طرفيها انها ليست آخر الحروب، بل جولة من جولات قد تكون كثيرة؛ فإنها في تقدير الجميع حملت نتائج مباشرة وأخرى غير مباشرة؛ النتائج المباشرة تتعلق أساساً بالخسائر والانجازات المادية والسياسية، وبحكم حجم الخسائر الكبير لدينا مقارنة بخسائرهم وضآلة الانجاز السياسي فإننا الأكثر شعوراً ومعايشتا بالنتائج المباشرة

للحرب، أما النتائج غير المباشرة فهي كل النتائج التي يتم استخلاصها أو تؤثر في اللاوعي لاحقاً، ويتوزع تأثيرها على المستويات الأمنية والسياسية والمجتمعية "الجبهة الداخلية".

ويهمنا اليوم أن نتناول تلك النتائج غير المباشرة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، أو ما يعرف بكي الوعي، وبطريقة أخرى هي مجمل الحسابات الشخصية والمجتمعية وعملية استخلاص العبر التي يجريها الفرد والمجتمع، بناءً على تجربته الشخصية وانطباعاته التي كونها، وما تغلغل في لاوعيه أثناء الحرب ولقراءته الشخصية للمخاطر التي قد تحدق به على كافة المستويات في جولات الحرب القادمة، في ظل قناعة تترسخ أن هذه الجولات باتت حتمية، وستكون أكثر عمقاً وقسوة، سواء من الجبهة الجنوبية أو الشمالية أو الشرقية، والجبهات كثيرة ومخاطر اشتعالها تزداد ولا تخبو.

الجبهة الداخلية الاسرائيلية كانت تعيش داخل فقاعة أمنية كبيرة وسميكة، ساهم في كبيرها وسمكها التراث العسكري الاسرائيلي ومسيرة الانتصارات الطويلة والتفوق العسكري وضعف الأعداء، وكل الضخ الإعلامي من قبل المؤسسة الأمنية والسياسية والتعبئة ان دولة اسرائيل هي الجزيرة الأكثر تحصناً ومناعة واستقراراً وازدهاراً؛ فجاءت حرب تموز 2006 فبدأت الفقاعة بالتصدع، وازداد هذا التصدع مع الحراك السياسي، وما يعرف بمسيرة المقاطعة والنبذ ونزع الشرعية، ووجهت حرب تموز 2014 الضربة القاضية للفقاعة الأمنية.

عاش المجتمع الاسرائيلي وازدهر ونمى وتطور تحت فقاعة الأمن التي منحته الكثير من الثقة بدولته وقدراتها، ولعب الاعلام دوراً ترويجياً وتسويقياً كبيراً، فحولها في نظر الاسرائيليين ويهود العالم الى الدولة الأكثر أمناً ورفاهية وتقنية، ليس فقط توفر الأمن لمواطنيها، بل وتصدره إلى العالم عبر تصدير الخدمات الأمنية، باعتبارها الدولة الأكثر خبرة ومهنية ومعرفة بمكافحة الارهاب وتفعيل منظومات الحماية الأمنية، ما جعل اليهود وغير اليهود يتقاطرون للهجرة إليها.

إن المعنى الحقيقي لمفهوم ان للحرب على غزة ما بعدها يكمن في التداعيات غير المباشرة لها على الجبهة الداخلية الإسرائيلية؛ هذه التداعيات ربما لم تكتمل بعد ولم تتبلور نهائياً، فهي لا زالت في مرحلة التبلور واستخلاص العبر، حيث ان من طبيعة هذه التداعيات انها تستغرق وقتاً، فهي تتغلغل ببطء وتعشعش بصمت قبل أن تتحول إلى وعي وثقافة عامة وتسود كظاهرة مجتمعية.

ربما ثمة من يقول وما الجديد هنا؟ فقد عاشت إسرائيل منذ نشأتها في حروب واستندت الى القوة، ولخصت ذلك مقولة صهيونية لا زال يرددها زعماء الحركات الصهيونية اليمينية؛ مقولة "كتب علينا أن نعيش على حرابنا"، لكن ما كان صحيحاً في الماضي ليس صحيحاً اليوم، لا سيما في ظل التغير الكبير في البنية المجتمعية والثقافية والعقيدية للمجتمع الإسرائيلي، وفي ظل التغير على المحيط المعادي لها وتغير امكانياته ووسائله القتالية، والتغير الاقليمي والدولي، وعولمة ثقافة الحريات وكرامة البشر وحقوقهم، وانكشاف العنصرية الاسرائيلية وتمسكها بالسياسات الاحتلالية والاستيطانية.

فمركبات المجتمع الاسرائيلي على اختلافها وتعددها شهدت تغيرات عميقة جداً؛ فغاب مفهوم الطلائعي المقاتل والمزارع، حتى ان دوافع الهجرة الى إسرائيل والاستقرار فيها تغيرت، وتحول المجتمع بمعظمه الى مجتمع يعظم قيم المجتمع الرأسمالي، يعظم القيم المادية ودافعه الأساسي البحث عن الرفاهية، وبات ينظر باستغراب لمفاهيم الولاء للصهيونية، ولم تعد اسرائيل جغرافياً تحتكر مفهوم الوطن لدى البعض منهم، حيث يتعمق لديهم الوعي بأن الوطن هو المكان الذي يوفر لهم الأمن الحاضر والمستقبلي والاستقرار والازدهار.

سقوط ثقة الاسرائيليين بمنظوماتهم الأمنية تفاوت جغرافياً واجتماعياً؛ فكان قوياً لدى البلدات والمدن المحيطة بالقطاع، وكان قوياً أيضاً لدي الفئات الشابة الليبرالية، عن أزمة المستوطنات المحيطة بالقطاع يعبر سكرتير كيبوتس "ناحل عوز" بقوله "يعيش على حدود القطاع اثنى عشر كيبوتساً؛ وكلها كانت تعاني اقتصادياً وأمنياً، ولم تولينا الحكومة أي اهتمام، ولم توجه إلينا أي دعم، حيث ركزت اهتمامها ودعمها لمستوطنات الضفة، كنا نسعى جاهدين لاستقطاب سكان جدد، اليوم ليس ان أحداً لن يفكر بالسكن لدينا، بل ان عدداً من سكان الكيبوتسات يفكرون بالانتقال إلى مدن أخرى، ربما ستتحول هذه الكيبوتسات مستقبلاً الى بلدات أشباح وقواعد للجيش".

وعلى مستوى فئة الشباب؛ فإن استطلاعاً أخيراً أظهر ان 36% يفكرون جدياً بالهجرة، وأن المجتمع الاسرائيلي لم يعد ينظر للهجرة باعتبارها خيانة.

لا نبالغ إن قلنا ان المجتمع الإسرائيلي، الذي لا زال يضمد جراحه المعنوية، يعيش تحت وطأة الصدمة والذهول، ولم يعد بحاجة لمن يفتح عيونه على المخاطر الكبيرة المحدقة بمستقبله، ولن يفلح، لا نتنياهو ولا يعلون ولا كل الاستراتيجيين، في تهدئة روعه وإعادة ثقته بمنظوماتهم الأمنية.

انشر عبر