شريط الأخبار

فجوات في التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية لمخططات حماس قبل الحرب

12:21 - 05 تموز / سبتمبر 2014

وكالات - فلسطين اليوم

تناول المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، اليوم الجمعة، الفجوة القائمة بين تقديرات الاستخبارات العسكرية (أمان) وبين تقديرات "الشاباك" بشأن مخططات حركة حماس قبل اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة.

وبينما يتركز التقرير أساسا على الخلاف في التقديرات يشير الكاتب إلى مصطلح استخدمه ضابط كبير في الجيش بشأن استكمال الاستعداد المسبق لـ"حرب تموز"، كما يلفت الكاتب إلى أن العجز الاستخباري في قطاع غزة القريبة والواقعة تحت المجهر الإسرائيلي يشير إلى عجز أكبر في متابعة قضايا تحصل في مواقع أبعد، مثل البرنامج النووي الإيراني.

ويتمحور الخلاف بين الهيئات الاستخبارية الإسرائيلية بشأن الحرب حول السؤال بشأن ما خططت له حركة حماس قبل بدء المواجهات العسكرية، وما إذا كان نشوب الحرب قد نجم عن خطوة محسوبة من قبل حماس، أم أن ما حصل كان نتيجة غير محسوبة.

ويدعي الشاباك أن خطوات حركة حماس كانت مدروسة، كهجوم مخطط قاده الجناح العسكري كتائب القسام، في حين تقول الاستخبارات العسكرية إن ما حصل هو نتيجة "دينامية التصعيد" والذي كانت تتوقع القيادة في غزة أن يتوقف، ولم تتوقع نتائجه.

ويضيف هرئيل أن هناك قضية واحدة ليست محط خلاف بين "أمان" و"الشاباك"، ويجمع عليها كل المستويات القيادية الميدانية، وهي أن القوات كانت تتلقى أثناء القتال معلومات استخبارية عملانية بمستوى عال من النوعية، الأمر الذي سهل ضرب أهداف وإنقاذ حياة جنود إسرائيليين. وأن التعاون بين "أمان" و"الشاباك" والهيئات الاستخبارية الأخرى كان يجري بصورة جيدة وسريعة.

وبحسب المحلل العسكري فإن الخلافات الاستخبارية، والتي أدت إلى توترات شخصية بين كبار المسؤولين في الجهازين، تتصل بثلاثة مجالات مركزية؛ الأول نوعية المعلومات الاستخبارية التي كانت لدى إسرائيل بشأن المشروع الضخم لحركة حماس في مجال الأنفاق الهجومية، والثاني تحليل نوايا حركة حماس في الخروج للحرب، والثالث التقديرات بشأن مدى تصميم حماس على مواصلة القتال مدة 50 يوما.

ويتابع أنه في الأسبوع الأول من الحرب لم تتم الإشارة إلى خطر الأنفاق الهجومية بتاتا في إسرائيل. وتركز الإعلام حول إطلاق الصواريخ من قطاع غزة. وفي 15 تموز(يوليو) وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار الذي اقترحته مصر، رغم علمها بوجود أكثر من 30 نفقا هجوميا، ثلثها أو نصفها حفرت من تحت السياج الحدودي إلى داخل إسرائيل. ورفضت حماس الاقتراح المصري، وبعد يومين خرج 13 مقاتلا من الوحدات الخاصة في كتائب القسام عن طريق نفق هجوم قرب "كيبوتس صوفا"، وتم استهدافهم من الجو، وعندها بدأ إدراك الخطر الكامن في الأنفاق. وفي مساء اليوم نفسه صادر المستوى السياسي على الهجوم البري على قطاع غزة، بهدف تدمير 32 نفقا هجوميا في مدى 3 كيلومترات من السياج الحدودي. ووجه الدخول البري بمقاومة فلسطينية عنيفة، بحسب الكاتب، قتل فيها 65 جنديا وضابطا إسرائيليا. وفي عدة حالات خرج مقاتلو حماس من الأنفاق بينما كان الجنود يبحثون عن فتحات الأنفاق في الجانب الغزي من السياج الحدودي، وقتل فيها 11 جنديا في ثلاث عمليات.

ويتابع الكاتب أنه كان لدى "أمان" و"الشاباك" معلومات كثيرة ومفصلة بشأن الأنفاق. وفي مطلع العام 2013 تسلم رئيس الحكومة ووزير الأمن وقادة الأجهزة الأمنية تقريرا شهريا واسعا يستعرض الأنفاق الهجومية المعروفة، ومسار كل نفق. وعندما بدأت الحرب، كان الجيش يعرف بتفاصيل نسبية الأنفاق التي سعى لتدميرها.  كما طرح موضوع الأنفاق في عدة جلسات مع رئيس الحكومة، وفي حينه قام بتعيين طاقم برئاسة مستشاره للأمن القومي، يعكوف عميدرور، لمعالجتها، بيد أنه لم ينجز شيء يذكر.

ويقول هرئيل إنه في قضية الأنفاق هناك مسألتان، الأولى تتصل بترجمة المعلومات الاستخبارية إلى خطة فعالة، علما أن وزير الأمن موشي يعالون، ورئيس أركان الجيش بني غنتس، والقائد العسكري لمنطقة الجنوب سامي ترجمان، وكبار المسؤولين في "أمان" حذروا من خطر الأنفاق، كما التقطت صور لبعضهم وهم بجوار فتحة نفق تم اكتشافها في داخل إسرائيل، ولكن لم يكن هناك أية خطة عملانية شاملة وجدية لتدمير الأنفاق.

ويضيف أنه عندما دخلت القوات البرية إلى قطاع غزة، تبينت الفجوات في العتاد والتدريب والعقيدة القتالية لمعالجة الأنفاق. فاضطر الجيش إلى الاستعانة بشركات مدنية، وتدمير الأنفاق بطرق مرتجلة، ومن هنا كانت التوقعات التى جرى تفنيدها لوزير الأمن بشأن الحاجة إلى يومين أو ثلاثة أيام لتدمير الأنفاق، بينما استغرق ذلك عمليات أسبوعين ونصف.

أما النقطة الثانية فهي تتصل بالعلاقة بين الأجهزة الاستخبارية وبين المستوى السياسي، حيث أنه بدون شك كان نتانياهو ويعالون على اطلاع على كل التفاصيل، ولكن وزراء في المجلس الوزاري لم يكونوا كذلك، وفوجئوا بوجود نحو 30 نفقا هجوميا قرب السياج الحدودي.

ويدعي هرئيل أن حماس، وبينما كانت تحفر الأنفاق، واجهت مشكلة في العلاقة مع النظام المصري الجديد، إضافة إلى فرض المزيد من القيود على معبر رفح، بحيث بات سكان القطاع تحت حصار اقتصادي خانق، إضافة إلى عدم دفع رواتب نحو 43 ألف موظف حكومي في قطاع غزة. وفي الوقت نفسه واصلت الحركة تطوير الخيار العسكري.

ويشير الكاتب إلى أنه في نيسان (أبريل) من العام الحالي أصدر "الشاباك" وثيقة تحذيرية للمستوى السياسي والهيئات الاستخبارية، يحذر فيها من أن حركة حماس تنوي تنفيذ عملية واسعة النطاق في إسرائيل، ومن المرجح أنها قد تكون ضد مستوطنات ومواقع للجيش في منطقة "كيبوتس كيرم شالوم". وبحسب تقديرات الشاباك فإن حماس ستحاول اختطاف جنود ومدنيين، بهدف إلزام إسرائيل ومصر على مناقشة تغيير الوضع وتخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة. وكان التحذير مبنيا على أساس تحليل وضع حركة حماس، إضافة إلى معلومتين مهمتين، الأولى دلائل على نشاط مكثف في اللواء الجنوبي لكتائب القسام في محيط نفق في منطقة رفح، والثانية الحديث في داخل حماس عن شهر تموز (يوليو) (رمضان) كنقطة تحول محتملة.

وفي نهاية أيار (مايو) أكد "الشاباك" تقديراته مرة أخرى، وعندها قام الجيش بعملية متابعة عن كثب حول ما يحصل في رفح، وأعلن رئيس أركان الجيش عن الأول من تموز كتاريخ لرفع الجاهزية لجولة عنف أخرى في قطاع غزة (تأجل لاحقا إلى الخامس عشر من تموز). وفي حينه لم يحذر الجيش المجلس الوزاري بشأن الأهمية العاجلة والخاصة حول قطاع غزة عامة، ونفق كرم أبو سالم بوجه خاص.

ويتابع الكاتب أن أكثر ما يقلق هو ما حصل في الضفة الغربية، حيث اختطف ثلاثة مستوطنين في الثاني عشر من حزيران، وقام الجيش باستنفار أفضل وحدات المشاة لديه، والذين قاموا بالبحث مدة 3 أسابيع حتى العثور على جثثهم، بدلا من أجراء التدريبات لما قد يحصل في قطاع غزة، وترك هذه المهمة لوحدات أخرى أصغر. كما أنه يعترف الآن غالبية المسؤولين في الأجهزة الاستخبارية أن قيام الجيش باعتقال 60 أسيرا من الأسرى الذين أطلق سراحهم في صفقة التبادل دفعت حركة حماس إلى المواجهة مع إسرائيل، ولكن هذه الإمكانية لم تكن على طاولة البحث خلال الجلسات، بينما اعتبر نتانياهو ويعالون أن حملة الاعتقالات تعزز فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتمس باحتمالات المصالحة بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية، بينما لم يحذر الشاباك أو الجيش من أن حملة الاعتقالات هذه قد "تشعل النار في أجواء مليئة بأبخرة الوقود".

إلى ذلك، يتابع هرئيل أنه في نهاية تموز (يوليو) صرح ضابط كبير في "كتيبة عزة" أن قيادة الجنوب في الجيش الإسرائيلي قد "استعدت مسبقا لحرب تموز" مع حركة حماس. ويتضح من هذه التصريحات أن الضابط لا يتحدث عن التاريخ الذي وضعه رئيس الأركان غنتس، وإنما عن تفاهمات مسبقة تبلورت في الجيش تعني أن حماس تتجه إلى الحرب في هذا الشهر.

في المقابل، ترفض الاستخبارات العسكرية (أمان)، السماع بوجود هذا المصطلح "حرب تموز". ويقول الكاتب إن الاستخبارات الإسرائيلية وأيضا حماس لم يستخدموا هذا المصطلح تجاه الحرب، بينما يتحدث الشاباك عن المصطلح بحرية تامة. وتقول مصادر في الشاباك إن تقدياتها اعتمدت على الضائقة الإستراتيجية التي وقعت فيها حماس، وعلى الاستعدادات بالقرب من نفق رفح، وبالتالي فإن تموز هو الموعد المفضل، خاصة وأنه تزامن مع حلول شهر رمضان.

ويتابع الكاتب أن هذه المسألة كانت حساسة لدرجة أنها أثارت نقاشا عاصفا بين رئيس "أمان"، أفيف كوخافي، وبين رئيس "الشاباك"، يورام كوهين، في إحدى جلسات المجلس الوزاري المصغر الأخيرة. حيث أن الوزراء لم يسمعوا بمصطلح "حرب تموز" مسبقا، وفوجئ بعضهم بوجوده.

ومع ذلك، يتابع المحلل العسكري، أن الأحداث بدأت تتوالى في تموز، حيث عثر على جثث المستوطنين الثلاثة في الضفة الغربية، وبدأت عملية مطاردة منفذي العملية، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم. وفي القدس المحتلة قام مستوطنون بإعدام الفتى محمد أبو خضير حرقا، في حين بدأ يتصاعد التوتر على الحدود مع قطاع غزة. وفي حينه سادت تقديرات في إسرائيل أن حركة حماس قد تستخدم النفق الهجومي قرب كرم أبو سالم. وأنه في الجانب الفلسطيني كان بالإمكان معاينة وسائل الرصد وأعمال البحث الإسرائيلية عن فتحات الأنفاق. وفي الوقت نفسه بدأ إطلاق الصواريخ من قطاع غزة باتجاه إسرائيل.

ويدعي الشاباك، أن إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون هو محاولة متعمدة لدهورة الوضع من قبل الجانب الفلسطيني، وأنه بحسب هذا المنطق، فإن حماس أعدت لعملية من خلال النفق الهجومي في كرم أبو سالم، وكانت بحاجة لمصداقية لتنفيذها، بمعنى أن التصعيد العسكري على الأرض يشرعن تنفيذ الهجوم. ويضيف الشاباك أن حماس كانت بحاجة للهجوم على كرم أبو سالم لاقتحام الحصار المفروض على القطاع، إضافة إلى إعادة اعتقال الأسرى الذين أطلق سراحهم في صفقة تبادل الأسرى.

ويشير الكاتب في هذا السياق إلى أن مطلب إطلاق سراح الأسرى كان المطلب الأول الذي طرحته حركة حماس في المحادثات لوقف إطلاق النار في المرة الأولى بعد أسبوع من نشوب القتال. وبحسب تقديرات الشاباك فإن حماس لم تتوقع بداية أن تصل الأمور إلى حد الحرب الشاملة، بينما كانت "أمان" مترددة بشأن ما إذا كانت حماس تستعد لتنفيذ العملية عن طريق النفق في الوقت المناسب، أم ستقوم بذلك في أقرب وقت.

وبحسب هرئيل، فإنه في السادس من تموز قام الطيران الإسرائيلي بقصف نفق كرم أبو سالم في الجانب الفلسطيني، ما أدى إلى مقتل 7 من قوات النخبة في كتائب القسام. وعندها ردت حماس بتوسيع نطاق الصواريخ باتجاه مدن الجنوب. وفي السابع من تموز صادقت الحكومة في جلسة خاصة على "الحملة العسكرية على قطاع غزة والتي أطلق عليها الجرف الصامد". وخلال ساعات توسع نطاق الغارات الجوية في قطاع غزة، وفي الغداة أطلقت الصواريخ باتجاه تل أبيب والقدس. وفي هذا السياق تقول الاستخبارات العسكرية (أمان) إنه كان لدى حماس جاهزية عملانية عالية لتنفيذ هجوم عن طريق نفق كرم أبو سالم، ولم يكن لدى الحركة رغبة إستراتيجية في الحرب، وأنها كإسرائيل انجرت إلى الحرب بسبب دينامية التصعيد.

ويشير الكاتب إلى أن وزير الأمن، موشي يعالون، يميل إلى تبني موقف الشاباك. وبحسب يعالون فإن حماس خططت لهجمة محدودة عن طريق النفق للخروج من الحصار، باعتبار أن الهجوم الناجح وتنفيذ عملية اختطاف يوفر لها وسائل لممارسة ضغوط سياسية على إسرائيل. ويضيف أنه عندما أدركت حماس أن إسرائيل على وشك الكشف عن النفق سارعت إلى الاستعداد لتفعيله، وعندها تم قصفه بواسطة سلاح الجو، وهو ما أدى إلى تدهور الأوضاع.

إلى ذلك، وفي سياق ذي صلة، يشير الكاتب إلى أن النقاشات في داخل الهيئات الاستخبارية الإسرائيلية وصلت إلى مواضيع مفاجئة، منها عن دور محمد الضيف، القائد العام لكتائب القسام، حيث يصفه بالشاباك بأنه الرجل الذي يقرر كل شيء، وأنه كان على تنسيق تام مع قادة الجناح السياسي، خالد مشعل في قطر، وإسماعيل هنية في غزة، وأن القرارات كانت تؤخذ بشكل مشترك، كما أن هنية كان على اطلاع على عمليات الجناح العسكري.

في المقابل، تصف الاستخبارات العسكرية (أمان) مشروع حفر الأنفاق على أنه تطور، وليس بالضرورة نتيجة إستراتيجية متقدمة. كما تقلل "أمان" من أهمية محمد الضيف، وأن هنية ومشعل لم يكونا معنيين بصدام واسع، وأن حركة حماس ظلت حتى لحظة الإعلان عن "الحملة العسكرية الجرف الصامد" تعتقد أن الحديث عن "جولة عنف" محدود.

أما بشأن مواقف حركة حماس أثناء القتال، فيقول الكاتب إن المجلس الوزاري الإسرائيلي اجتمع المرة تلو المرة لمناقشة اقتراحات مصرية لوقف إطلاق النار، والتي وافقت على غالبيتها، بينما كانت حماس تجدد إطلاق النار، الأمر الذي دفع الوزراء في المجلس الوزاري إلى الاعتقاد بأن الأجهزة الاستخبارية تبالغ في تقييم الأضرار التي تلقتها حماس، وتقلل من مدى تصميم الحركة على القتال.

ويضيف أن الوزراء في المجلس الوزاري كانوا يفاجأون في كل مرة من طول أمد القتال، حيث أن المقاومة في قطاع غزة صمدت أكثر بـ 16 يوما مقارنة مع حزب الله في لبنان. وأشار في هذا السياق إلى تصريح ضابط كبير في الاستخبارات العسكرية للصحافين، جاء فيه "لقد فوجئنا من أمر واحد، إذا لم نتوقع أن يستمر القتال 50 يوما".

وفي نهاية المقال، يقول هرئيل إن الخلافات بين "أمان" و"الشاباك" ليست أمرا جديدا. فمع اندلاع الانتفاضة الثانية كانت الاستخبارات العسكرية (أمان) تقول إن "عرفات يخطط لمؤامرة كبيرة"، بينما كان يقول الشاباك إن الانتفاضة اندلعت بشكل عفوي.

ويصل الكاتب إلى ما مفاده أن تحليل الحرب يشير إلى صعوبة في تحليل نوايا حماس قبل الحرب وعدم تقدير مدى تصميم الحركة على القتال، وذلك في ساحة (الإشارة إلى قطاع غزة) تقع تحت يد الاستخبارات الإسرائيلية، وعلى بعد كيلومترات معدودة عن الحدود، ومقابل عدو ضعيف نسبيا، يثير علامات استفهام بشأن قدرة الاستخبارات على إدراك ما يحصل بالضبط في مواقع بعيدة، مثل البرنامج النووي الإيراني، وهجوم "تنظيم الدولة الإسلامية - داعش" في العراق وسورية.

انشر عبر