شريط الأخبار

حتى لا يحجب حجم التضحيات الرؤية الوطنية والانجازات .. بقلم/ د.جميل يوسف

11:15 - 02 تشرين أول / سبتمبر 2014

من البديهي إلا تقاس نتائج الحرب بما تقع عليه حواس الناس من دمار وأرقام الشهداء والجرحى, على الرغم من الأهمية القصوى لهذه الأمور, لكن بمقدار ما يترتب عليها من نتائج وآثار تخدم المشروع الوطني الفلسطيني وتحدث تغييرات في موازين القوى. كما ان حجم الفاتورة والألم الذي دفعه الفلسطينيون يؤكد ان هذه المعركة ليست تكتيكية أو  لتحسن فرص الفلسطينيين في التسوية مع هذا العدو.

إن العقل ألتجزيئي "التشتيتي" هو الذي ينظر للأحداث كمتفرقات لا رابط بينها مع العلم أن أبجديات العمل السياسي يؤكد أن اليوم هو ابن أصيل للأمس وأب شرعي للغد.  إن قوى المقاومة تدرك أن هذه المعركة البنيان المرصوص ملتصقة بكسر الصمت والسماء الزرقاء وكل المعارك التي سبقتها وان الخط البياني الصاعد للحالة المقاومة والجهاد يؤكد على هذا الارتباط اللصيق بين الأمس واليوم والغد.

إن معركة البنيان المرصوص كانت حلقة مهمة جدا ومنعطفا ضروريا لاستمرار قوة الدفع الايجابي للمشروع الوطني الفلسطيني والوصول إلى كامل الحق الفلسطيني وهو الهدف الرئيس والوحيد لكافة المعارك التي تخوضها حركات المقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني.

نعم من حق الناس أن تقف طويلا أمام فتح المعابر والعمق البحري والإعمار والميناء والمطار لكن هذه الأمور سهلة جدا ويمكن للسلطة أن تحققها لو تنازلنا عن مشروعنا وحقوقنا الوطنية. كما انه ضرب من الجنون التفكير ان  المقاومة تريد الوصول إلى النقطة التي كانت أوسلو قد وصلت إليها سابقا من فتح المعابر والمطار والميناء!!.

في ظل تباين الرؤى حول نتائج معركة البنيان المرصوص, يجمع الكل الفلسطيني والعربي وصولا إلى الإسلامي إن أداء المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها سرايا القدس وكتائب القسام أذهلت الجميع وأحدثت انقلابا كبيرا في الوعي الصهيوني أنهم باتوا غير قادرين على النيل من قوى الجهاد والمقاومة وإخضاعها بل واكثر ان زعماءهم وجيشهم اعجز من يحقق لهم الأمن.

* إن هذه المعركة التي أكدت للجميع ان المقاومة بأبسط المعدات والأسلحة تستطيع دحر العدو  وتحطيم كل مخططاته وهذا هو الذي قصده رئيس وزراء العدو  نتنياهو عندما أكد أنه أعاد قواته خلف الخطوط الفاصلة حتى لا يتعرضوا للمزيد من  القتل وبالتالي افقد التهديد الصهيوني بالاجتياح البري أهميته وبدل ان يكون هذا الاجتياح فرصة للعدو بات تهديدا خطيرا تستفيد منه المقاومة.

* إن النظرية الأمنية الصهيونية التي تعتمد على عدة مرتكزات قد تم قلبها رأسا على عقب فلم يعد سلاح الجو قادرا على حسم المعركة بعد أكثر من 20 ألف طن من المتفجرات, كما أن الحرب الخاطفة امتدت إلى واحد وخمسين يوما ولم يستطع العدو إجبار الفلسطيني على التراجع شبرا واحدا بل العكس فقد نجحت المقاومة في القيام بهجمات خلف خطوط العدو وباتت مظاهر العجز والفشل الذي ظهر به الجندي الصهيوني  وهو يصرخ كطفل رضيع. كما أن النظرية الأمنية التي تعتمد على نقل ساحة المعركة لأرض الخصم قد حدث عكسها فقد كانت كل فلسطين المغتصبة من ديمونا حتى حيفا ساحة المعركة ومرتكز آخر للعقيدة الأمنية الصهيونية وهو عدم السماح بوجود سلاح تهديد استراتيجي على الحدود, بات أمرا واقعا. وبناء على ما سبق وغيره فقد منيت العقيدة الأمنية الصهيونية بفشل كبير.

* كان واضحا مع مرور المعركة إن النسيج السياسي والاجتماعي والنفسي الصهيوني يزداد تفككا وصراعات بدءا من التهديدات بحل حكومة الوحدة إلى هجوم نتنياهو على أعضاء حكومته والأحزاب المتحالفة معها كذلك المطالبة باستقالة نتنياهو وتشكيل لجنة تحقيق له, كذلك هجوم المستوطنين على الجيش وقيادته وعدم الثقة بهم والهجرة الغير مسبوقة لسكان ما يسمى بغلاف غزة وبدعم من الحكومة ....الخ كل ذلك يؤكد أن هذه المعركة قد زادت من التفكك المتعدد الجوانب الذي يعاني منه العدو.

*  إن صورة المجرم والقاتل الإسرائيلي باتت تشكل سمة العدو الصهيوني والتي تمثلت بعمليات الإبادة الجماعية في الشجاعية وخانيونس ورفح وبيت حانون وتدمير الأبراج على رؤوس ساكنيها وغيرها الكثير أمام  العالم, ومشاهد المظاهرات المنددة بإسرائيل يضاف إليه الخوف الصهيوني من محاكم الجنايات الدولية, إضافة إلى قناعة الغرب وأمريكا بأن إسرائيل أصبحت عاجزة وغير قادرة على القيام يدورها كرأس حربة للمشروع الغربي في المنطقة.

إن التصدعات والتشققات التي تعصف بالمشروع الصهيوني في فلسطين والتي باتت أوضح في هذه المعركة لن تقف عند هذا الزمان بل ستتسع وتتعمق مع مرور الوقت وستتحول إلى مسامير في نعش هذا المشروع لكن ذلك يتطلب من المشروع الفلسطيني الكثير جدا مما يجب القيام به ومن هذه اللحظة لأن الصدام مع هذا المشروع يحسب بالثواني.

إن التفاتة متأنية وعميقة على المجتمع الفلسطيني بشكل عام وفي غزة على وجه الخصوص يدرك الفرق الشاسع بينه وبين خصمه الصهيوني على مستوى النسيج الاجتماعي والنفسي والى حد ما السياسي, وليس مستغربا ما نسمعه الآن في المجالس والتجمعات الفلسطينية إن المعركة القادمة ستكون معركة تحرير أجزاء من فلسطين 48 , وهذه ليست أحلام بل مستندة الى نتائج معركة البنيان المرصوص والمعارك التي سبقتها.

لقد انهارت كل المحاولات الدولية الخبيثة لوضع الملف الفلسطيني في متاحف التاريخ وجعله من الماضي واجب النسيان, واثبتت الحرب أن القضية الفلسطينية والعدو الصهيوني هي جوهر الأمن والسلم العالمي والإقليمي. إن كل القضايا التي حاولوا تنصيبها لتكون على رأس سلم الاهتمام الدولي في المنطقة مثل القتال الذي يدور في أكثر من مكان في المنطقة العربية قد تراجعت أمام أهمية القضية الفلسطينية. إن الأحداث التي حصلت وتحصل في المنطقة لم يكتب لها النجاح لأنها لم ترتبط بالقضية الفلسطينية ومحاربة العدو الصهيوني وكانت نتائج هذه الأحداث مأساوية.

إن ضعف تعاطي الشارع العربي مع المحرقة الصهيونية بحق شعب غزة والشعب الفلسطيني كان فقط بسبب الانشغال الشعبي العربي بالأحداث القطرية الجارية لكنه احتفظ بفلسطين في القلب والذاكرة وكما شكلت غزة رافعة لانتفاضة ثالثة في الضفة الغربية وأربكت الحسابات الصهيونية , حتما ستشكل مدخلا لتصويب المسيرة العربية  بدل الاقتتال الداخلي وتحديد جديد للأهداف والحلفاء والأدوات. كما أن شعوب المنطقة تدرك الآن إن "مجموعات الفوضى الخلاقة" التي تنتقل من منطقة لأخرى على امتداد الوطن العربي لم ولن تكون هي الخيار المنشود وسيلفظها الشارع العربي وسيعود للتحديق صوب فلسطين 

إن مسألة تحرير جزء من فلسطين المغتصبة عام 48 باتت أمرا ضروريا جدا في المعارك القادمة لأنه سيعجل باستعادة كل الحقوق الفلسطينية وسيعمل على ترتيب المنطقة بما يخدم المصالح العربية وسيسحب البساط من تحت أقدام كل العابثين بالمنطقة من "مجموعات الفوضى الخلاقة" , ونعتقد جازمين ان تحرير أجزاء من فلسطين المغتصبة ليس مستحيلا بل أصبح واجبا الآن أكثر من أي وقت مضى. كذلك فإن التركيز على خلق الظروف الأمنية والحياتية لهروب المستوطنين المتواجدين في الضفة الغربية بات أمرا استراتيجيا في المرحلة المقبلة, وإن نجاح الانتفاضة الثالثة في الضفة الغربية, التي اشتدت بعد جريمة حرق الشاب محمد أبو خضير حيا في القدس" سوف يشكل مدخلا مهما لتسارع وتيرة انهيار المشروع الصهيوني وبالتالي القضاء على كل مبررات المشروع الصهيوني في المنطقة.

إن الفلسطينيين أمام فرصة مهمة, للتقدم صوب تحقيق أهدافهم الوطنية, لم تكن موجودة من قبل وان لدى الفلسطينيين طاقات هائلة يجب استغلالها حزمة واحدة فكل شخص وكل تجمع سياسي أو خدماتي له دور لا يمكن الاستغناء عنه. إن عملية غزو الشارع الغربي بالإعلام المؤيد للحق الفلسطيني لا يقل أهمية وطنية عن مواجهة العدو في فلسطين, وهذا الأمر في متناول اليد فقط عند استحضار النوايا والإرادة.

التحديات كبيرة جدا والأعداء كثر لكننا عملنا دوما في مثل هذه الظروف ولم نستسلم أو نيأس والله معنا ولن يترنا أعمالنا. 

انشر عبر