شريط الأخبار

سقوط اليمين الإسرائيلي على صخرة غزة

01:22 - 27 حزيران / أغسطس 2014

اطلس للدراسات

يسود الصمت وتسود الوجوه وتكاد قلوبهم تكاد تميز من الغيظ ولا يجدون تسرية عن ألمهم وعارهم إلا القول أنهم لم يوافقوا على الميناء والمطار، وأنهم قتلوا ألفين ودمروا الأبراج، وحطموا قلوب الغزيين بإجرامهم، يحضرني المثل القائل على لسان المهزوم "أوجعتهم ضرباً وأودوا بالابل"، منذ أكثر من عقد واليمين المتطرف في اسرائيل يهيئ الظروف لإنهاء مشروع الدولة الفلسطينية، كان آخرها التنكر لكل استحقاق في مسار التسوية، وفيما نضجت له الظروف من الناحية السياسية كي يقطف ثمار حصار غزة بتركيع الفلسطيني والتحكم في كل تفاصيل نظامه السياسي وانهاء المقاومة، وجد ان هناك مشروعاً كان يعد في غزة ليركم ما أنفقه اليمين المتطرف ويلقى به ومشروعه الى خارج المشهد السياسي الإسرائيلي.

 

مشروع اليمين الاسرائيلي تجاه غزة

اليمين الحاكم في إسرائيل بدأ مشروعه بالنسبة للقطاع منذ العام 2005؛ الانسحاب الأحادي الجانب الذي ابتكره وحدد مساره ونفذه شارون، والذي كان يهدف، وما زال، الى التخلص من قطاع غزة وإخراجه نهائياً من دائرة الصراع، وفي هذا الإطار جاءت كل جولات التصعيد، جولة وراء أخرى لتشكل وعياً فلسطينياً وعربياً؛ يتقبل هذه الفكرة ويمهد لها من خلال كل تهدئة تعقب تصعيداً، وتأتي بتفاهمات صغيرة لتتراكم وتشكل الفكرة الكاملة "ان القطاع كيان منفصل وقائم بذاته"، بل أكثر من ذلك بأن تصبح فلسطين في الوعي العربي والاسلامي والدولي هي "قطاع غزة"، وفي هذه الفترة والعالم منشغل بجولات التصعيد والتهدئة، يكون الاحتلال قد قضى بالاستيطان وتهويد القدس على فكرة حل الدولتين.

هذا الموقف الاسرائيلي تحول الى أيديولوجيا الائتلاف الحاكم، والذي أصبح يرى في القضية الفلسطينية قضية لا حل لها، وانما يجب التعامل معها وإدارة صراعها بوجود الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وان تطلعات أبو مازن في تمثيل الكل الفلسطيني والتوصل الى اتفاق نهائي للصراع انما يشكل مشكلة حقيقية لدولة إسرائيل، لأنه لا يوجد هناك احتمال لأي حل يكون مقبولاً على الفلسطينيين والاسرائيليين معاً، وانما الحل الوحيد هو الحفاظ على الوضع الراهن مع استمرار تحسينه للصالح الاسرائيلي بخلق وقائع على الأرض تقنع المجتمع الدولي بعدم إمكانية تحقيق مشروعه بإقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل، ومن هنا لم يعد لدى اليمين مفكر سياسي ولا صانع أيديولوجيا تخترق هذا السياق الأيديولوجي والاجماع اليميني، والذي ترتب عليه اعتبار أبو مازن جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل، جزء من المشكلة الفلسطينية التي يجب إدارتها وعدم اعتباره جزءاً من حل للقضية الفلسطينية.

 

غرور نتنياهو والورقة المصرية

منذ الثلاثين من يونيو 2013 وسقوط نظام الاخوان في مصر؛ وجد اليمين الاسرائيلي فرصته في التحالف مع النظام المصري الجديد، والذي وجد فيه ضالته في محاصرة حركة حماس في غزة، وإغلاق الأنفاق ومنع تهريب السلاح الى قطاع غزة، وكذلك منع إدخال المال؛ لكن كان المشروع المصري في هذا المجال يهدف الى مسار محدد وواضح لم تدركه الحكومة الإسرائيلية، وهو انهاء سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، ولكن في نفس الوقت إعادة سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية و"م. ت. ف" على القطاع كقناعة من النظام المصري بإنهاء حكم الاسلام السياسي.

أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية غررت باليمين الحاكم بأن حليفه الوحيد لخنق حركة حماس فقط هو النظام المصري الجديد – قد يكون هناك تقاطع في المصالح بين اسرائيل والنظام الجديد في مصر فيما يتعلق بالموقف من حماس – ولكن في الاستراتيجية والأمن القومي المصري تجاه إسرائيل فإن هذا التقاطع ليس استراتيجياً في التعامل مع البديل لحركة حماس، فما ان بدأ القتال في عملية "الجرف الصامد" وتورط الاسرائيليون في المعركة ووجدوا ان المجتمع الدولي، وبالذات الأمريكان الذين يدركون عدم قدرة أبو مازن والسلطة الفلسطينية على العودة الى قطاع غزة، اكتشف نتنياهو ان المجتمع الدولي يؤيد رفع الحصار عن غزة، وإعطاء حركة حماس انجازاً لتستطيع إيقاف القتال الذي بدأته، وانه لا يوجد أحد يؤيده في عدم تقديم انجاز لحماس سوى النظام المصري، والذي قد يشكل معه سوياً كماشة الاغلاق على حركة حماس، وأصر على عدم القبول بأي وساطة قد تسمح بتقديم انجاز سياسي لحركة حماس نتيجة قيامها "بالاعتداء" على دولة إسرائيل، وخوفا من محيط معادٍ من أن يكتشف ضعف هذه الدولة، وانها قد تخضع للمعتدين عليها ويثلم قوتها الردعية.

لقد خاصم نتنياهو حلفاؤه الاستراتيجيين من العالم الغربي، والولايات المتحدة، وربط مصير انهاء العمليات بالورقة المصرية، ولم يدرك انه دخل مأزقاً أغراه إليه موقف النظام المصري من حماس وتناسى مسألتين:

أولاهما ان الاستراتيجية المصرية تهدف الى استبدال حماس بالسلطة الفلسطينية، وتدعم عودة حكومة التوافق، وتربط كل الترتيبات السياسية اللاحقة للترتيب الامني بالسلطة الفلسطينية، وان الإدارة المصرية لن تقبل إلا بأن تحتوي ورقة بداية المفاوضات عودة السلطة الى غزة، و دفع غزة شمالاً، وعدم قبول الحديث عن معبر رفح كمخرج لتخفيف الحصار، وأصرت على ادراج الممر الآمن بين الضفة وغزة، وهذا الأمر يشكل نسفاً جذرياً لمشروع اليمين بفصل الضفة عن غزة، لأنه سيضطره لاحقاً لتقديم ثمن سياسي من خلال العودة للمسيرة السياسية ودفع مستحقات ذلك.

الأمر الثاني الذي تناساه نتنياهو هو ان طول مدة بقائه في الحكم كرئيس وزراء إنما ساعده في ذلك قدرته على الجمود وعدم اتخاذ خطوات كبيرة وتردده الدائم في كل خطوة يقوم بها، فهو ليس بالقائد المفكر الذي يستطيع ان يقدم مشروعاً يتجاوز فيه مشروع شارون بفصل الضفة عن غزة، وبالتالي يلتقي مع المشروع المصري الذي يعيد أبو مازن لغزة، ولا القائد الواثق الذي يستطيع ان يقدم باسم الجيش تقديراً عسكرياً يوجب الذهاب للترتيبات السياسية كما فعل باراك في "عامود السحاب"، ولا التشبه بالقائد المغامر شارون الذي فكك حزبه وأنشأ حزباً وانسحب من غزة، فيكمل ما قام به شارون في غزة وانسحاب الاحتلال نهائيا عن غزة أو على الأقل يقوم بما يقترحه عليه ليبرمان ويقوم بتسليم غزة للأمم المتحدة.

 

الخروج الفلسطيني

في مقال الأستاذ علي الجرباوي بعنوان "احذروا تجزئة التسويات" كتب يقول: "الاهتمام الإسرائيلي بمستقبل الضفة الغربية يفوق بكثير ذلك الاهتمام بمستقبل غزة، ويمكن الجزم بأن رحى المعركة التفاوضية بين القوى السياسية داخل إسرائيل تتركز على تحديد مستقبل الضفة الغربية، وبالتالي فإن العملية التفاوضية مع الطرف الفلسطيني تتعلق بالأساس حول تحديد هذا المستقبل".

وفيما يتعلق بالقطاع يضيف: "يأتي الإمعان الإسرائيلي المنهجي في تدعيم فصل الضفة عن القطاع وتكريسه في موقفين: الأول تكتيكي؛ ويتلخص بمحاولة إسرائيلية لكسب الوقت وتأجيل اتخاذ قرار بشأن مستقبل المنطقتين حتى يتم التوصل إلى أكبر درجة إجماع داخل إسرائيل حول هذا الموضوع. والثاني استراتيجي؛ ويتمثل بقيام إسرائيل ووفق سياسة تراكم الخطوة خطوة، بالتحضيرات الضرورية لفتح المجال أمام فرض حلين مختلفين ومنفصلين جوهرياً، ولكن مع إبقاء ارتباطهما ببعض وظيفياً".

هذا التكامل الوظيفي تمثل في إدراك إسرائيل والولايات المتحدة أن السلطة الفلسطينية لم يعد لديها تنظيم سياسي يشكل لها الدعم الأيديولوجي والسياسي، وحتى البشري، ولذا فهي تتراجع أمام صعود قوة حماس في هذه المستويات، وأدركت ان حماس برصيدها الأيديولوجي والسياسي والعسكري والتنظيمي والبشري هي القادرة والوحيدة على ضبط غزة عسكرياً، وحسب افتراضات إسرائيلية بأن حماس يمكن ان تقبل بهذا الدور إذا حصلت على انجاز سياسي يتمثل في الاعتراف بسلطتها في غزة.

وبناءً على الافتراض السابق؛ فإن إسرائيل يمكن أن تكون مترددة في تقدير الانجازات التي قد توافق عليها لحماس، خاصة عندما يرتبط الانجاز بالمقاومة، في ظل محيط يرى في ذلك خضوعاً اسرائيلياً.

لا شك ان اليمين أمام هذا المأزق قد يتشكل لديه إدراك جديد، وهو ان حماس لم يعد يمكن احتمالها في غزة، فلم تعد كما كانوا يعتبرونها شوكة في الخاصرة، بل تهديد استراتيجي ضد دولة اسرائيل لا يمكن التعامل معه، وفي المقابل فإن أبو مازن، وبعد هذه الحرب، سيكون غير محتمل بالنسبة لليمين، فإن الذي استفاد من انتصار المقاومة في "عامود السحاب" 2012 فحقق انتصاراً على صعيد الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة فلسطين، هو اليوم يعد نفسه لتحقيق الدولة على الأرض ولتحقيق انتصارات في المحكمة الدولية.

ينهي الأستاذ الجرباوي مقاله بالإشارة الى المفاوضات الجارية بشكل متقطع بين الفلسطينيين واسرائيل بوساطة مصرية "يجب الإصرار على رفع هذا الحصار بالكامل، جملة وتفصيلاً، بما يشمله ذلك من إعادة تشغيل المطار والميناء، ولكن ما يجب الانتباه له والتأكيد عليه أن ذلك يجب أن يكون مترافقاً ومتزامناً مع ضرورة إيجاد رابط بري حرّ وآمن بين الضفة والقطاع، فدون هذا الرابط ستبتلع إسرائيل الضفة بشكل كامل ونهائي، كما القدس، أي أن رفع الحصار عن القطاع يجب أن يضمن إعادة اتصاله وتواصله مع الضفة، وإلا ذهب كل منهما باتجاه، وضاعت وحدة الهدف الفلسطيني العام.

يجب ألا ننغر كثيراً برفض إسرائيل للمطلب الفلسطيني الحالي إعادة تشغيل المطار والميناء، وكأن السبب في ذلك أنها تريد الاحتفاظ بغزة، فهي لا تريد ذلك، ولو كان الأمر كذلك لما وافقت أصلاً في السابق على وجود مطار وميناء.

لا شك ان الاحتلال دخل الحرب وأدارها وخرج منها كما أرادت المقاومة، وان يعلون صاحب فكرة "كي الوعي" دخل المعركة وهو يدرك ان دخول غزة أشبه بضرب الجدار بقدم مريضة ولكنه كان مسيراً لما تريد المقاومة.

اليوم يدرك اليمين الذي يعتبر الصخرة في حماية المشروع الصهيوني انه بدأ مشروعاً للالتفاف على طاقة الشعب الفلسطيني بالانسحاب من غزة وحصارها ان المقاومة اعادته الى غزه لتكسر مشروعه هناك على حدودها ثم تعيده يلعق الجراح.

انشر عبر