شريط الأخبار

لماذا أصبح دحر الاحتلال إمكانية واقعية؟../ علي جرادات

01:36 - 15 تشرين أول / أغسطس 2014


لتفادي الغرق في تفاصيل تحجب جوهر الهدف الفعلي لحرب المجازر الصهيونية الدائرة على قطاع غزة يجدر التذكير ببديهية أن  ضرب عوامل القوة الفلسطينية، وشقها العسكري الدفاعي خصوصا، بند ثابت في أجندة سياسة إسرائيل بوسائلها "الناعمة" و"العنيفة"، لخدمة هدف صهيوني إستراتيجي ثابت المضامين متغير الأشكال، هو: تصفية القضية الفلسطينية.

والحرب الهمجية الأخيرة على قطاع غزة هي حرب لتحسين شروط تكريس الاحتلال وسلخ القدس واقتطاع معظم أراضي الضفة وفصلها عن قطاع غزة، بعدما تعذر تمرير ذلك بالمفاوضات برعاية أميركية. والشعب الفلسطيني بخبرته النضالية الغنية وذاكرته الجمعية وحسه الوطني المرهف يدرك أن مجزرة العصر في قطاع غزة تستهدف قضيته وحقوقه الوطنية برمتها، وليس ضرب فصيل فلسطيني بعينه لمصلحة تقوية غيره من الفصائل، حتى وإن بدا الأمر ظاهراً كذلك، ما يفسر التفاف هذا الشعب على اختلاف مشاربه الفكرية والسياسية وفئاته العمرية والمجتمعية وأماكن وجوده حول مقاومته التي قاتلت ببسالة أربكت حسابات العدو وكبدته خسائر بشرية واقتصادية ومعنوية وأخلاقية، وأفشلت أهداف حربه البربرية، وأولها إجهاض المقدمات المتعثرة لاستعادة الوحدة الوطنية التي حولها شلال دماء أطفال قطاع غزة إلى إنجاز واقعي على القيادات الفلسطينية بشقيها الرسمي والشعبي تطويره إلى خيار سياسي مقاوم قادر على صنع الإنجازات الوطنية وصولاً إلى دحر الاحتلال عن الضفة والقدس وقطاع غزة، كمهمة وطنية مباشرة نرى أن تحقيقها بلا شرط أو قيد، وبما لا يغلق باب مواصلة النضال لتحقيق بقية مهمات المشروع الوطني الفلسطيني، أصبح إمكانية واقعية. أما لماذا؟

"إسرائيل لا تحتمل هزيمة عسكرية واحدة" قال بن غوريون، ما اقتضى إقامة وتطوير نظام أمني صهيوني عماده بناء جيش نظامي محترف برديف احتياطي وذراع جوية متفوقة وجهاز استخباري متميز وترسانة نووية رادعة يبادر إلى شن حروب استباقية خاطفة على "أرض العدو" لتفادي حروب الاستنزاف الطويلة والمساس بجبهته الداخلية. بذلك، وبما توافر له، ولا يزال، من دعم سياسي وعسكري وتقني ومالي إمبريالي غربي، أميركي خصوصاً، غير محدود، حقق الجيش الصهيوني انتصارات عدة، أهمها انتصار العام 1967 الخاطف المبهر، لكنه تعرض لإخفاقات كثيرة أفقدته كثير من قوة الردع والحسم المتخيلة، خاصة عندما واجه انتفاضات شعبية أو قوى مقاومة مسلحة يحتضنها الشعب، ويتوافر لها ولو القليل من الدعم العسكري والمالي، وتمتلك إرادة القتال، وتتجرأ على ضرب جبهة العدو الداخلية، وتعتمد نظام السرية لإخفاء إمكاناتها عن أجهزته الاستخبارية، وتواظب على ابتكار طرائق ووسائل وتكتيكات قتالية قادرة على مفاجأته.

والحقيقة أن إخفاقات الجيش الصهيوني لم تبدأ مع فشله في تحقيق نصر واضح وحاسم في حرب المجازر الأخيرة على قطاع غزة، بل مع انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني بالتزامن مع حرب الاستنزاف البطولية على الجبهة المصرية بعد هزيمة العام 1967. فمن إقرار قادة العدو آنذاك بحقيقة أنهم "يحكمون غزة نهاراً بينما يحكمها الفدائيون ليلاً"، إلى اضطرارهم في العام 1981 إلى إبرام أول اتفاق لوقف إطلاق النار مع قيادة الثورة الفلسطينية في لبنان لتفادي إطلاق صواريخ الكاتيوشا وقذائف المدفعية على مدن الشمال، إلى اضطرارهم إلى إخراج جيشهم من وسط "عش الدبابير"، أي التجمعات السكانية الأساسية في الضفة والقطاع، بعد عجزه عن إخماد الانتفاضة الشعبية الكبرى، إلى اضطرارهم إلى إبرام اتفاق عدم التعرض للمدنيين من الطرفين مع المقاومة الوطنية اللبنانية، إلى فرار جيشهم دون قيد أو شرط من الجنوب اللبناني، إلى احجامهم عن شن اجتياح شامل كامل على قطاع غزة على غرار اجتياح الضفة بعد انتفاضة الأقصى، إلى فك الارتباط العسكري والاستيطاني الأحادي مع غزة، وصولاً إلى تعرض جيشهم، باعترافهم، إلى هزيمة مدوية على يد المقاومة الوطنية اللبنانية في العام 2006.

بعد تلك الهزيمة تبجح قادة العدو بالقول: "سنعيد إعداد الجيش بحيث يكون نصره في الحرب القادمة نصراً واضحاً لا لبس فيه". وظناً منهم بأن قطاع غزة المثقل بالحصار وعدوانين سابقين، (2008 و2012)، هو "مكسر العصا" الذي يمكن بشن حرب ثالثة عليه استعادة قوة ردعهم المتآكلة. فماذا كانت النتيجة الميدانية؟ ثبت أن قطاع غزة بشعبه المكافح الصبور، وبمقاومته الباسلة، قد سبقهم إلى استخلاص الدروس من العدوانين السابقين، سواء لناحية تطوير وابتكار أساليب وتكتيكات قتالية لم تخطر ببال أحد، أو لناحية بناء قدرات قتالية نوعية فوق الأرض وتحت الأرض فاجأت بسريتها أجهزة أمن الاحتلال وعملاءه ووسائل مراقبته بأشكالها وتقنياتها فائقة التطور، أو لناحية بناء الكادر المقاتل الشجاع المستعد لتنفيذ عمليات فدائية على خطوط المواجهة الأولى وخلف خطوط العدو أيضاً. بفضل ذلك، وأساساً بفضل توحد شعب فلسطين في المعركة، وصموده الأسطوري، ومخزونه الكفاحي الهائل، واستعداده منقطع النظير لتقديم التضحيات وتحمل عذابات حياة النزوح والتشريد، خاب ظن قادة العدو، وفشلت حربهم فشلا ذريعاً، هو بحسابات اختلال ميزان القوى هزيمة ميدانية مدوية لجيشهم الذي يحتل مرتبة الجيش الأول في المنطقة، ويعد أحد أقوى خمسة جيوش في العالم، وقيل عنه يوماً إنه "الجيش الذي لا يُقهر".

إخفاقات الجيش الصهيوني الميدانية المتلاحقة، وآخرها في قطاع غزة هي، ورغم أنها لم تتحول حتى الآن، لأسباب سياسية دولية وعربية معروفة، إلى هزائم تجبر قادة الكيان الصهيوني على التخلي عن نظامهم السياسي العنصري العدواني التوسعي الرافض للتسويات السياسية للصراع، إلا أنها كشفت مواطن ضعف نظامهم الأمني وتآكل قدرة جيشهم على الردع وحسم جولات المواجهة، خاصة مع قوى المقاومة الشعبية، ما دفعهم إلى رفع منسوب عنصريتهم إلى حدود الفاشية، حيث صارت كل حروبهم حروب مجازر ومحارق ومذابح وإبادة جماعية للمدنيين، وللأطفال والنساء والمسنين منهم خصوصاً، ظناً منهم بقدرة ذلك على استعادة قوة ردعهم المتآكلة، متناسين أن هذا لن يزيد الشعب الفلسطيني إلا التفافا حول قواه المقاومة أيا كانت مشاربها الفكرية والسياسية، وأن ارتكابات وفظاعات مجازر الإبادة الجماعية لن تفلح  في ثني هذا الشعب عن مواصلة كفاحه الوطني الممتد على مدار قرن من الزمان، تماماً مثلما لم تفلح، (مثلاً)، مجازر الجيش الأميركي في ثني الشعب  الفيتنامي العملاق الذي قدم مليون ونصف المليون شهيد، عدا تدمير عشرات المدن والقرى، عن مواصلة كفاحه الوطني حتى دحر أقوى جيوش العالم، وهربه ذليلاً دون قيد أو شرط، ولا في ثني الشعب الجزائري البطل عن مواصلة كفاحه الوطني ضد المحتلين الفرنسيين حتى طردهم بكلفة مليون ونصف المليون شهيد أيضاً. ماذا يعني هذا الكلام؟

لئن كان الجيش الصهيوني نشأ أصلا على ارتكاب جرائم التطهير العرقي المخطط، فإن فشل نظامه الأمني في ردع الانتفاضات وقوى المقاومة الفلسطينية والعربية الشعبية، قد نزع عنه ما تبقى له من صفات الجيش المقاتل، وحوله بالتمام والكمال إلى جيش قاتل للمدنيين حيث تجاوزت مجازره ومذابحه كل حدود المعقول، ما يوجب الإصرار على تقديم قادته السياسيين والعسكريين إلى محكمة الجنايات الدولية، لينالوا عقابهم كمجرمي حرب. وحتى يكون ذلك، وتمهيداً له، وإلى جانب واجب تطوير خيار الوحدة والمقاومة المعمد بشلالات دماء أطفال قطاع غزة إلى خيار سياسي وطني لا رجعة عنه، فإن هنالك حاجة إلى عمل سياسي ودبلوماسي وقانوني وإعلامي فلسطيني موحد جاد ومثابر لتطوير وتعميم الخطوة الشجاعة للرئيس البوليفي، موراليس، الذي أصاب كبد الحقيقة حين وضع إسرائيل على لائحة الدول الإرهابية، ومثلها الولايات المتحدة الراعية لكل جرائم برابرة العصر الصهاينة، وآخرها ما ارتكبوه من جرائم حرب موصوفة وإبادة جماعية ممنهجة بحق أطفال قطاع غزة ونسائه وشيوخه وأطبائه وممرضيه ومدارسه ومؤسساته ومساجده وكنائسه ومنازله ومستشفياته ومقابره ومحطات مياهه ووقوده وكهربائه من بيت حانون شمالاً إلى رفح جنوباً.      

انشر عبر