شريط الأخبار

«إجراء هانيبعل» كثافة نارية لإنقاذ الجندي الأسير أو قتله

10:25 - 13 حزيران / أغسطس 2014

حلمي موسى - كتب

استخدمت القوات الإسرائيلية «إجراء هانيبعل» مرات عدّة في حربها الأخيرة على قطاع غزة.
ويقوم هذا الإجراء على فكرة أن وقوع أي جندي أو ضابط أسيرا في يد منظمات المقاومة هو أشد أثرا وأكثر خسارة على إسرائيل من سقوطه قتيلا. لذلك، وإذا لم يكن بالوسع تخليص الأسير الإسرائيلي من آسريه، فمن الأفضل قصف الأسير وآسريه بدلا من تركهم يفرون بغنيمتهم.
ورغم أن هذا إجراء معروف في الجيش الإسرائيلي منذ ثلاثة عقود، إلا أن السجال بشأنه احتدم فقط في الحرب الأخيرة. فالخوف من وقوع جندي أسيرا بيد المقاومة كان شديدا، لدرجة أن التركيز على منع هكذا حدث احتل مكانة مركزية في توجيهات الجيش وتدابيره الاحترازية.

وقد انتهجت إسرائيل «إجراء هانيبعل» منذ أواسط الثمانينيات في القرن الماضي، وبلورت من أجله جملة تدابير أصبحت جزءا من نظرية القتال الإسرائيلية. وكانت كلمة «هانيبعل» هي كلمة السر في حالة اختطاف جندي أو وقوعه في الأسر، من أجل اتخاذ تدابير مشددة في المنطقة التي يعلن فيها هذا الإجراء. وحسب أدبيات الجيش الإسرائيلي، فإنه في حال الإعلان عن «إجراء هانيبعل» فإن على القوات في المنطقة المعنية استخدام كل وسيلة ممكنة لإحباط الاختطاف، بما في ذلك إطلاق النار باتجاه الخاطفين.

وعلى مر السنوات أثير جدال حول أخلاقية هذا الإجراء، لكن الجدال ظل قاصرا على أوساط معينة. وفي العام 2011 أعلن رئيس الأركان الحالي الجنرال بني غانتس أن «إجراء هانيبعل» لا يسمح بإطلاق نار بقصد قتل الجندي المخطوف، كما أن البروفيسور آسا كيشر، واضع اللائحة «الأخلاقية» للجيش الإسرائيلي، يقول إن «إجراء هانيبعل» محظور العمل به في حال وجود احتمال عال بأن يقتل الجندي. وهو يقتبس عن نص الإجراء القول إن «قيمة حياة الجندي تفوق قيمة إحباط الاختطاف». ويفضل كيشر الجندي أسيرا على أن يكون ميتا، لذلك فإن «إجراء هانيبعل» يرمي أساسا إلى التسهيل على المستوى السياسي في المفاوضات اللاحقة.

وأمس كتب العقيد احتياط طيار أوري عراد، الذي سبق ووقع في الأسر في حرب تشرين العام 1973، مقالة في موقع «يديعوت احرونوت» الإلكتروني، يعتبر فيها هذا الإجراء «مصدر الشر» وعملا غير أخلاقي. ويشدد عراد على أن الأوامر العسكرية بخصوص هذا الإجراء تقضي بأن القتل أفضل من الوقوع في الأسر.

واختلف الحاخامات في إسرائيل من الناحية التوراتية حول «إجراء هانيبعل»، إذ رفض الحاخام أليعزر غولدشتاين كل فعل يهدف إلى المساس بالجندي المخطوف، لكنه سمح بكل عمل من أجل إطلاق سراح المخطوف، وضرب الخاطفين، حتى لو انطوى ذلك على خطر على حياة المخطوف.
وتشير المعطيات إلى أن أمر «هانيبعل» صدر في البداية شفهيا، وهو يقضي ببذل كل جهد ممكن، والمحاولة بكل ثمن، لمنع الاختطاف. وقد تبلور الأمر، للمرة الأولى، في قيادة الجبهة الشمالية في العام 1986 بأمر من رئيس غرفة العمليات في قيادة الجبهة العقيد غابي أشكينازي وقائد الاستخبارات في القيادة العقيد يعقوب عاميدرور.

وكان الهدف آنذاك الحيلولة دون وقوع أسرى بأيدي المقاومة الفلسطينية واللبنانية في الجنوب اللبناني، بعد تكرار محاولات أسر الجنود. وفي حينه أثير جدل واسع، بعد أن كشف البعض عن وجود هذا الإجراء، وقالوا إنه إجراء غير قانوني بشكل مفضوح. وللدلالة قالوا بأن استخدام اسم «هانيبعل» في هذا الإجراء ليس صدفة، لأن هانيبعل، القائد العسكري، اختار أن يتجرع السم حتى لا يقع في أيدي أعدائه.

وقد استخدمت إسرائيل «إجراء هانيبعل» بشكل مؤكد في السابع من تشرين الأول العام 2000، حين هاجم «حزب الله» دورية إسرائيلية على الحدود، واختطف ثلاثة جنود تبين لاحقا أنهم قتلى. وحاول الجيش الإسرائيلي منع فرار الخاطفين من تلك المنطقة بأن شرع بإطلاق نيران المدافع والدبابات، فضلا عن تحليق الطوافات والطائرات الحربية. وتكرر الأمر ذاته في 12 تموز العام 2006، عندما اختطفت قوة من «حزب الله» جنديين إسرائيليين، تبين لاحقا أيضا أنهما في عداد القتلى، وقادت تلك العملية إلى بدء عدوان تموز الذي أسمي بـ«حرب لبنان الثانية».

وكانت إسرائيل مارست أيضا «إجراء هانيبعل» في 25 حزيران العام 2006، بعد اختطاف مقاتلين من «كتائب القسام» الجندي جلعاد شاليت، الذي كان الوحيد في كل الحالات السابقة الذي بقي على قيد الحياة. وأشار خبراء إلى أن «إجراء هانيبعل» استخدم في حالة شاليت بعد مرور أكثر من ساعة على أسره، ما قلص نجاعة الإجراء، رغم الدمار الكبير الذي أحدثه الجيش الإسرائيلي في غزة.

وأمس توجهت «رابطة حقوق المواطن» بالْتِماسٍ إلى المستشار القضائي للحكومة يهودا فاينشتاين للتحقيق في استخدام «إجراء هانيبعل» أثناء حرب «الجرف الصامد». ويشدد كثير من الحقوقيين في إسرائيل على أن الإجراء غير قانوني بشكل فاضح. ولذلك فإن الرابطة طلبت من فاينشتاين التحقيق أساسا في ما جرى بعد اختطاف الضابط هدار غولدن، والأمر بوقف العمل في هذا الإجراء، خصوصا في المناطق المأهولة.

ومن الجلي حتى اليوم أن أشد تعابير «إجراء هانيبعل» بشاعة هو ما حدث في الأول من آب الحالي، حين شن مقاتلو «كتائب القسام» هجوما على قوة إسرائيلية، وأسروا الضابط هدار غولدن الذي أعلنت إسرائيل مقتله، وسيرت له جنازة رغم عدم العثور على جثته. ويعتبر «يوم الجمعة الأسود» أشد الأيام دموية في حرب «الجرف الصامد» أساسا، بسبب السلوك الإسرائيلي بعد أسر غولدن في شرق رفح.

وكتبت «هآرتس» تقريرا مطولا عن «يوم الجمعة الأسود» بقلم مراسلها العسكري عاموس هارئيل وغيلي كوهين. ويوضح التقرير أن «أحداث الأول من آب في رفح التي حظيت منذ الآن بلقب يوم الجمعة الأسود، ستقع في مركز الاهتمام الدولي وفي قلب أحد التحقيقات المركزية للجيش الإسرائيلي عن الحرب في قطاع غزة. فقضية اختطاف ضابط قوات جفعاتي الملازم هدار غولدن، والجهد الحثيث للجيش لإحباط عملية حماس، أثارتا الجدال الداخلي للجيش الإسرائيلي حول استخدام نظام هانيبعل، الذي يسمح بالمخاطرة بحياة المخطوف بهدف إحباط الاختطاف نفسه».

ويعترف التقرير بأن «إجراء هانيبعل» الذي استخدم في ذلك اليوم في رفح كان «الأشد عدوانية» الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي أبدا، «فإلى جانب الوحدات الخاصة وتمشيطات قوات جفعاتي، دخل طابور من كتيبة المدرعات إلى عمق نحو كيلومتر في الأرض المبنية في رفح، في حركة سريعة. ومشط المسجد الملاصق للنفق واستخدمت النار لمنع إخراج الضابط الأسير من المنطقة». وكانت محصلة «إجراء هانيبعل» ليس أقل من 130 شهيدا فلسطينيا في رفح ومئات الجرحى وتدمير مئات البيوت.

انشر عبر