شريط الأخبار

ماذا حصل في "يوم الجمعة الاسود" لرفح .. هآرتس

02:07 - 08 تشرين أول / أغسطس 2014

 

بقلم: عاموس هرئيل وغيلي كوهين

(المضمون: تفاصيل الاحداث التي وقعت يوم الجمعة في محيط الموعد الذي دخل فيه وقف النار الانساني حيز التنفيذ وسرعان ما تدهور الى معركة شديدة وضحايا كثيرة بين المدنيين في رفح - المصدر).

أحداث 1 آب في رفح، والتي حظيت منذ الان بلقب "يوم الجمعة الاسود" ستقبع في مركز الاهتمام الدولي وفي قلب أحد التحقيقات المركزية للجيش الاسرائيلي عن الحرب في قطاع غزة. فقضية اختطاف ضابط جفعاتي الملازم هدار غولدن والجهد الحثيث للجيش لاحباط عملية حماس تتعلق بعدة جوانب: السؤال من خرق وقف النار الانساني بين الطرفين والذي اعلن في ذاك الصباح وانهار في أعقاب الحادثة في رفح، العدد الكبير للقتلى الفلسطينيين (التقديرات تتراوح بين 130 – 150 قتيلا، معظمهم مدنيون)، شجاعة الضباط والمقاتلين تحت النار – والى جانبهم الجدال الداخلي للجيش الاسرائيلي حول استخدام نظام "هنيبال"، الذي يسمح بالمخاطرة بحياة المخطوف بهدف احباط الاختطاف نفسه.

المعلومات التي لدى "هآرتس" عن المجريات جزئية، وتستند في هذا التقرير الى مصادر من الجانب الاسرائيلي فقط. الجيش الاسرائيلي، الذي يشخص منذ الان اهتماما متزايدا في الساحة الدولية لما جرى في رفح وعلى علم بامكانية أن تكون هنا ثغرة لاجراءات قضائية، لا يسارع الى التبرع بالمعلومات الكاملة على الاحداث هناك. فالتحقيق العملياتي للاحداث بالكاد بدأ. ومن يتحدثون حاليا عن الحادثة، بالغالب بشكل عمومي فقط، هم ضباط كبار وكذا عدة ضباط خدموا في القيادات في الجبهة. كما أن هذه الاحاديث جرت لغير الاقتباس. فالضباط والجنود الذين كانوا مشاركين في المعركة لم يتحدثوا حتى الان في وسائل الاعلام، باستثناء المقابلات التي نشرت امس مع الملازم ايتان، الضابط الذي أدار المطاردة في النفق في إثر الخاطفين.

كان يفترض بالهدنة الانسانية بين الطرفين، وهي محاولة اخرى لتحقيق الهدوء في القطاع من خلال الامم المتحدة والولايات المتحدة، ان تدخل حيز التنفيذ في الساعة 8:00 من يوم الجمعة. وقد فسرت اسرائيل التفاهمات كإذن لمواصلة العمل ضد الانفاق داخل المنطقة التي سيطرت عليها، حتى تحقيق وقف نار أوسع في إطاره تخلي المنطقة (مثلما حصل أخيرا في يوم الثلاثاء، 5 آب، بعد تقلبات كثيرة). قبل ليلة من ذلك تبين أنه لا يزال يتبقى نفق هجومي لم يعالج في أطراف شمال شرق رفح. قوة من دورية جفعاتي، بقيادة قائد سرية الدورية الرائد بنيا شرال، تلقت الاذن بالتقدم الى مسافة بضع مئات الامتار في محاولة للعثور على فتحة النفق. وعلى حد قول ضابط كبير، فقد أنهت القوة اعادة انتشارها "في آخر الظلام"، أي حوالي 5:00 فجرا، قبل ثلاث ساعات من وقف النار.

شرع الجنود بتمشيطات في المنطقة، التي هي زراعية في أساسها بما في ذلك البيوت والدفيئات. بعد الساعة 8:00 لاحظ الرائد شرال حركة مشبوهة في أحد المباني في المنطقة. وشك شرال على ما يبدو بان هذا رجل حماس يجري مراقبة للقوات. فتشاور في جهاز الاتصال مع قادته وحسب احدى الروايات، التي لم تحصل على تأكيد رسمي، سمح له بفحص المبنى، ولكن الاذن حصر باستخدام النار قبل الدخول بسبب وقف النار. في الايام السابقة، على خلفية حوادث عديدة فتحت فيها النار على جنود من داخل المنازل، استخدم الجيش الاسرائيلي نظام دخول اكثر هجومية الى اهداف مشبوهة – تضمنت نار مدفعية أو قذائف دبابات قبل التمشيطات.

توجه شرال لفحص المكان على رأس خلية صغيرة – هو، قائد الطاقم الملازم هدار غولدن ورجل الاتصال الشخصي لقائد السرية العريف أول ليئال جدعوني. باقي القوة، بقيادة نائب قائد السرية الملازم ايتان، بقيت على مسافة بضع عشرات الامتار من هناك، من خلف مبنى في زاوية الشارع. خلية رأس الحربة اصيبت بنار رجال حماس الذين كمنوا لها وشرال، غولدن وجدعوني قتلوا في المكان. في المعركة قتل ايضا احد المسلحين الفلسطينيين، الذي كان يرتدي بزة (حسب احدى الروايات، بزة الجيش الاسرائيلي).

بسبب النار، مر وقت الى أن وصل الجنود والقادة من الخلف الى ساحة الحادثة ووجدوا فيها ثلاثة قتلى، ومرت دقائق اخرى قبل أن يتبين بان احدهم هو رجل حماس وان باقي رجال الخلية جروا معهم الملازم غولدن. في ذاك الوقت لم يكن واضحا اذا كان غولدن اختطف وهو جريح أم قتيل. الجنود في المكان لاحظوا أيضا فتحة النفق التي عبرها اختطف غولدن.

في مقابلة مع "يديعوت احرونوت" نشرت خلاصتها أمس، روى الملازم ايتان بانه قرر النزول الى فتحة النفق كي يعثر على رفيقه غولدن، ولكن في البداية لم يتلقَ الاذن من قادته. من اقر الدخول كان قائد لواء جفعاتي العقيد عوفر فنتر ، الذي قال لايتان ان يلقي بقنبلة يدوية قبل أن يدخل الى الفتحة. وحسب ايتان، قراره – خلافا للانظمة العملياتية التي تبلورت في الجيش الاسرائيلي على خلفية الخوف من التفخيخات في الانفاق – لم يكن نتيجة تهور. "اتخذت قرارا عاقلا. عرفت أن النفق هو أمر لا يتم الدخول اليه، عرفت ما هو الخطر وفهمته – ولكني قررت العمل".

ايتان، يرافقه مقاتلان آخران، نزلوا الى النفق ومشطوه في ظلام شبه تام على طول مئات الامتار. وفي ختام التمشيط، تبين بان هذا التفرع للنفق، الذي جزء منه حفر حتى الحدود مع اسرائيل، ينتهي في مسجد. لن يعثر على الملازم غولدن، ولكن ايتان وجد في النفق عنصرا عسكريا يخصه ساعد في وقت لاحق في الاعلان عن المفقود كشهيد، لانه يمكن التعرف منه على شدة اصابته.

لاحقا، دخلت الى النفق قوة اخرى، ضمت ضباط ومقاتلين من وحدة "سييرت متكال" الخاصة. هذه القوة هي التي عثرت في النفق على عنصر آخر، ادى لاحقا الى استكمال الصورة والقرار النهائي بان غولدن قتل وانه يمكن دفنه استنادا الى ما جمع.

حسب تقارير الجيش الاسرائيلي، فان النار على قوة الرائد شرال وقعت في الساعة 9:16 صباحا، اي نحو ساعة وربع بعد دخول وقف النار حيز التنفيذ. بداية بلغ الجيش بان القوة تعرضت للهجوم من خلية لحماس ضمت مخربا انتحاريا. بعد يومين تراجع، وبعد فحص الادلة أعلن بان هذا كان حادثة نار. وطرح صحفيون امريكيون ادعاء وكأن اسرائيل تكذب بالنسبة لساعة الحادثة وان هذه وقعت نحو نصف ساعة قبل وقف النار. وقد اعتمدوا على تغريدات من حسابات التويتر المتماثلة مع حماس ممن بلغوا في ذاك الوقت عن هجوم للمنظمة على قوة للجيش الاسرائيلي شرقي رفح.

وحسب فحصنا، مع بعض الجهات المختلفة، فان رواية الجيش الاسرائيلي عن ساعة الحادثة مصداقة. والتقرير يظهر في المنظومات العملياتية المحوسبة والتقطت في الزمن الحقيقي في عدد كثير من غرف العمليات.

استنادا الى تجربة الماضي، من الصعب تزييف توقيت مثل هذه الحادثة – وان كان بسبب تواجد رجال احتياط كثيرين في الغرف الحربية. في مثل هذه الظروف، من الصعب جدا التصديق بان احدا كان سيخاطر بتضليل على هذا القدر بالنسبة للساعة، دون أن ينكشف الامر في الاعلام. والجدال على التوقيت هام لان الهجوم والاختطاف خرقا وقف النار الانساني وادى الى انهياره في غضون ساعات، في كل ارجاء القطاع. ووقفت الولايات  المتحدة الى جانب اسرائيل، بل ان الناطق بلسان البيت الابيض شجب حماس على "الخرق البربري" لوقف النار.

عرض الناطقون بلسان حماس في الساعات الاولى بعد الحادثة روايات متضاربة. في البداية تباهى الذراع السياسي باختطاف جندي، ولكن في وقت لاحق تنكر له، على خلفية الخوف من الضرر السياسي الذي سيلحق بالمنظمة. وفي سياق اليوم اعلن مسؤولو حماس بانهم لا يعرفون ما الذي حصل بالضبط في رفح وقدروا بان الخلية المخطوف قتلوا في القصف الاسرائيلي. في نظرة الى الوراء يقدرون في الجيش الاسرائيلي بان عملية الخطف كانت مبادرة محلية، للواء رفح في حماس او لقيادة عملياتية اكثر تدنيا في المنظمة. فعندما لوحظ دخول الخلية المتقدمة بقيادة الرائد شرال الى المكان، فتح المسلحون نحوها النار وبعد ذلك فروا مع جثة غولدن، مثلما حاولت المنظمة عمله مرات عديدة في حوادث اخرى على طول القتال.

الى جانب التفتيشات في النفق، والتي لم تؤدي الى العثور على غولدن، تم بالتوازي استخدام "نظام هنيبال" للعثور على المخطوف. وقد اتخذ القرار في الميدان، في قيادة لواء جفعاتي التي عملت على مقربة من رفح، ولكنها حصلت في الزمن الحقيقي على الاذن من فرقة غزة ومن قيادة المنطقة الجنوبية. وقالت مصادر عسكرية لـ "هآرتس" ان هذا كان "نظام هنيبال" الاكثر عدوانية الذثي يمارسه الجيش الاسرائيلي على الاطلاق. فالى جانب الوحدات الخاصة وتمشيطات قوات جفعاتي، دخل طابور من كتيبة المدرعات الى عمق نحو كيلو متر في الارض المبنية في رفح، في حركة سريعة. ومشط المسجد الملاصق للنفق واستخدام ملاصق لحماس واستخدمت النار لمنع اخراج الضابط الاسير من المنطقة.

يسمح نظام هنيبال باتخاذ سلسلة من الوسائل لاحباط الاختطاف. كما أنه يسمح بتعريض حياة المخطوف للخطر لمنع الاختطاف، ولكن هذه مخاطرة محسوبة. وأوضح ضباط كبار في هيئة الاركان هذا الاسبوع بان النظام لا يسمح بالقتل المتعمد للمخطوف بهدف منع الاختطاف. ولكن يوجد فارق بين النظام المكتوب والعقيدة الشفوية كما يفهمها بعض من القيادات في المستويات الصغرى والجنود. في نظر بعضهم، فان قتل المخطوف أفضل من نجاح الاختطاف.

الهدف الاول لاستخدام النظام هو عزل المنطقة التي وقع فيها الاختطاف ومنع خروج الخاطفين منها. وفي هذا الاطار تستخدم نار مكثفة. غير انه في معظم المناطق في القطاع قاتل الجيش الاسرائيلي بعد أن دعا السكان الفلسطينيين الى مغادرة الاحياء. معظمهم استجابوا – والمعارك دارت مع خلايا حماس التي كمنت في أماكن اختباء، دون تواجد مدنيين تقريبا.

أما في رفح فحصل شيء آخر: فقد تقدمت القوات الى المنطقة التي لم يتم منها اخلاء المدنيين وعندها استخدمت نار ثقيلة لعزل المكان. كما أن اضطرت الى مساعدة جوية كثيفة اكثر من المعتاد، لانها عملت في منطقة مهددة لم تمشط مسبقا وتصدت لعدو انتشر في مسافات قصيرة. وعلق المدنيون في الوسط بينهما. ويبدو أن هذا هو احد الاسباب لمعدل المصابين العالي – بين 130 – 150 قتيلا فلسطينيا ومئات الجرحى، حسب مصادر في  رفح. والان ايضا، ليس واضحا كم من القتلى والجرحى كانوا نشطاء من حماس.

في اطار النار استخدمت طائرات كثيرة من سلاح الجو، نار مدفعية وقذائف دبابات. الهجمات الجوية واستخدام الجرافت دمرت عشرات المنازل في المنطقة. وبلغت مصادر فلسطينية بان كل سيارة خرجت من المنطقة تعرضت للهجوم وانه قصفت ايضا سيارات اقتربت من المستشفى في المدينة. ومع ذلك، فان الطواقم التلفزيونية التي كانت في المستشقى نفت تقريرا آخر وكأن اسرائيل أطلقت النار على سيارات الاسعاف والطواقم الطبية في المكان.

في الجيش الاسرائيلي  اعترفوا بانه ستكون حاجة الى التحقيق التفصيلي للاحداث في رفح، في الساعات الطويلة ما بعد الاختطاف. يخيل أن جذر الامر – الذي أدى على ما يبدو الى الاستخدام المتطرف لـ "هنيبال" والاصابة الشديدة للمدنيين – هو في الموقف الذي تبلور في اسرائيل في العقد الاخير من قضايا اختطاف الجنود. فعلى خلفية الهزة الجماهيرية الشديدة بعد اختطاف الجنود وفي ضوء صفقات الاسرى الكثيرة التي تحرر فيها مئات المخربين، في ظل تنازلات كبيرة – مخطوفي هار دوف، جنديي الاحتياط غولدفاسر وريغف وبالاساس قضية جلعاد شاليط – نشأ احساس ان اختطاف جندي اخطر من قتل جندي وانه يجب منع الاختطاف بكل ثمن تقريبا. في الحروب السابقة، كان السقوط في الاسر جزءاً من ثمن الحرب، في ظل العلم انه في موعد لاحق يجري تبادل للاسرى. ولكن في المواجهات مع حماس وحزب الله، فان التكتيكي (الاختطاف) يصبح استراتيجيا ويملي النهج الاكثر هجومية للجيش لاحباط الاختطاف.

حتى ساعات ما بعد الظهر من يوم الجمعة استمرت العملية في رفح، دون أن تؤدي الى العثور على الملازم غولدن. في هذه الاثناء، نقل بلاغ الى عائلته بان ابنها اختطف وحالته غير واضحة. واستمرت الدراسا الى داخل السبت. حتى ساعات ما بعد الظهر المتقدمة في السبت توصل الجيش الاسرائيلي الى الاستنتاج، استنادا الى العناصر التي جمعت في النفق، وان غولدن قتل في الحادثة. وبعد التشاور مع اطباء، حاخامين وخبراء في التشخيص الجنائي، قرر الحاخام العسكري الرئيس العميد رافي بيرتس الاعلان عن الضابط من جفعاتي كشهيد.

عائلة غولدن تحافظ على السبت. وفور خروج السبت، نزل كل ابناء العائلة من تحت بيتهم في كفار سابا للحديث مع الصحفيين. وقد بثت الاقوال بالبث الحي والمباشر في كل شبكات التلفزيون. الابوان والاخوان قالوا انهم مقتنعون بان غولدن على قيد الحياة وانه محظور على الجيش الاسرائيلي الخروج من القطاع قبل العثور على ابنهم وتخليصه من هناك. وذكروا مساهمتهم للجيش وللمجتمع الاسرائيلي وطالبوا بانقاذ ابنهم باسم قيم الجيش.

واضيف الى الامر بغير قصد معنى سياسي. في تلك الساعات ترددوا في القيادة السياسية والعسكرية العليا اذا كانوا سيستكملون الانسحاب من القطاع والخروج منه حتى دون الملازم غولدن. ولكن في الوقت الذي عرف فيه الجيش بانه قتيل، لم يعرف ابناء العائلة هذه المعلومات بكاملها وخرجوا من نقطة انطلاق ان ابنهم على قيد الحياة. وأصبحت المأساة الشخصية للعائلة جزءا من الجدال السياسي. فقد أصدر الوزير اوري ارئيل بيانا يدعو الى نقل النقاش عن استمرار العملية الى الحكومة بدلا من المجلس الوزاري ووقف خروج القوات.

بسبب تصريحات العائلة، اضطر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الى تأجيل المؤتمر الصحفي الذي خطط له لنصف ساعة. وعندما خرج أخيرا الى وسائل الاعلام أعرب عن تفهمه لالم العائلة ولكنه شرح ايضا بان "حياة كل جندي وجندي عزيزة عليه".  وقد فهم الامر كتلميح بان في نيته الانسحاب من القطاع رغم احتجاج العائلة.

من ساعد في تهدئة الخواطر كان وزير الدفاع موشيه بوغي يعلون الذي هو قريب من عائلة الاب سمحا غولدن، وعرف هدار منذ ولد. في منتهى السبت، بعد منتصف الليل، جاء يعلون الى منزل العائلة مع الحاخام الرئيس ووفد من كبار الضابط وعرض على الابوبة والاخوة كل الادلة التي جمعت في رفح. وفي ختام الحديث اخذت العائلة بموقف الجيش واعلن عن غولدن شهيدا. في يوم الاحد بعد الظهر شيع الى مثواه الاخير في المقبرة العسكرية في كفار سابا. بعد اقل من يومين أنهت قوات الجيش انسحابها من القطاع.

انشر عبر