شريط الأخبار

ظنوا أن نُكسر فكسرناهم.. اسرائيل اليوم

02:03 - 08 حزيران / أغسطس 2014

بقلم: شلومو تسيزنا

(المضمون: أعلنت اسرائيل في ثقة أنها انتصرت في عملية "الجرف الصامد" بعد أن ضربت حماس ضربة قاسية. وأصبحت مستعدة الآن للنضال السياسي والقانوني في الساحة الدولية. وأثبتت الجبهة الداخلية في اسرائيل قدرتها وحظيت بحماية شبه كاملة. فلماذا يوجد مع كل ذلك لدى الجمهور شعور باضاعة الفرصة ومعه تساؤلات كثيرة - المصدر).

الآن بعد أن خرجت القوات من قطاع غزة وأصبحوا يتباحثون في القاهرة في خطة التسوية، يتجه المستوى السياسي في القدس الى سؤال الخلاصة وهو من الذي انتصر في هذه العملية؟ والجواب، بحسب رأي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعلون على الأقل قاطع لا لبس فيه وهو ايجابي، نحن انتصرنا. ويُبين المستوى السياسي ايضا الانجازات: فقد كانت الضربة لحماس قاسية في مستوى العمليات أولا لأن حماس بذلت جهدا كبيرا في منظومة هجومية استراتيجية – اطلاق القذائف الصاروخية وحفر أنفاق من ارضها الى داخل ارض اسرائيل – وقد أصيب مُركبا هذه المنظومة اصابة واضحة.

في العقد الاخير، منذ أن انسحبت اسرائيل من قطاع غزة، تسلحت حماس بصواريخ من ايران، والحديث عن مقدار ضخم بلغ 10 آلاف قذيفة صاروخية يقدر بضع مئات منها على وصول مدى بعيد وتغطي اسرائيل كلها. وأصيبت منظومة القذائف الصاروخية لمدى بعيد كليا تقريبا، وأصيب ثلث ما بقي من الاحتياطي لأنه في كل مرة أطلقت فيها حماس الصواريخ قصفت فيها قواعد الاطلاق ودمرت.

وأُضر ايضا بطرق التهريب، فقد أفضى تبدل النظام في مصر الى اغلاقها حينما دمرت مئات الانفاق في ظل حكم الرئيس الجديد الفريق عبد الفتاح السيسي. وقد عزز الحراسة على الحدود وكف عن التغاضي في المعابر، وتسيطر قواته على سيناء مع التعاون مع اسرائيل التي تسيطر على المنفذ البحري. وسيصعب على حماس أن تجدد احتياطي السلاح. وتضررت منظومة صنع الصواريخ الذاتي بسبب الدمار وقتل نشطائها.

ستطلب اسرائيل في اللقاءات في القاهرة مراقبة كل ما يدخل الى قطاع غزة. والغاية من ذلك هي أن تخصص مواد البناء مثلا لتعمير المدارس لا لتبطين الانفاق بالاسمنت؛ وأن يخصص الحديد لانشاء مستشفيات أصيبت في العملية لأنها استخدمت قاعدة لاطلاق القذائف الصاروخية – لا لمخارط صنع صواريخ. والغاية هي أن تتم الرقابة من قبل الامم المتحدة التي سيُطلب اليها أن تتولى مسؤولية حقيقية عن تعمير غزة.

فوجئت حماس بنجاعة منظومة اسرائيل الدفاعية الجوية – فقد عملت القبة الحديدية مع درجات نجاح كاملة (كانت اصابة الصاروخ لبيت في يهود نتيجة خطأ بشري لأن المنظومة لم تُستعمل). وأفضى هذا النجاح الى خيبة أمل عند قادة حماس ومقاتليها الذين وعدوا بأن "يدمروا تل ابيب". وتبين أن أهم وسيلة عند المنظمة وهي القذائف الصاروخية غير ناجعة ولهذا فالحديث عن اخفاق من جهتها. وزيدوا على ذلك حقيقة أن تهديدا جديدا – الانفاق – وهي ثمرة عمل خمس سنوات، دمرها الجيش الاسرائيلي في اسبوعين. وسيصعب الآن على حماس، وقد ظهر هذا التدبير الخفي فوق الارض، أن تجدد حفرها. وأصيبت حماس ايضا في مستوى الدعاية بالكشف عن الانفاق، فقد تبين للعالم أن المساعدة الاقتصادية خدمت الارهاب بدل تطوير غزة.

في مقابل فشل حماس كان تفوق الجيش الاسرائيلي في كل ميادين القتال واضحا. فقد فشلت كل محاولة من حماس لتنفيذ عملية وعولجت علاجا محددا. وكُشف عن الانفاق الى داخل البلدات ودُمرت؛ وصُدت التسللات عن طريق البحر والشواطيء في الجنوب وقُضي على المخربين؛ ولم تُؤت العمليات من الجو بواسطة طائرات بلا طيارين ثمارا.

بشروطنا

كان لعملية الجرف الصامد ثلاثة اهداف: اثنان حُددا من البداية وواحد وُلد في خلالها. كان الهدف الاول احراز هدوء مدة طويلة. وكان الهدف الثاني ضربة قوية لحماس. وكان الهدف الثالث الذي ولد في اثناء العملية مشتقا من الأولين وهو إبطال عمل الانفاق. وقد أرادت اسرائيل من جهة سياسية وقف اطلاق الصواريخ عليها وأن تدخل بعد ذلك فورا في خطة تسوية مصرية. ورفضت اسرائيل الخطة القطرية أو التركية التي اقترحت في واقع الامر وثيقة كانت تقوم على مطالب قائد حماس الكبير خالد مشعل. فسجلت اسرائيل انجازات في كل واحد من الاهداف التي ذُكرت.

وواجهت اسرائيل جيدا ايضا استراتيجية حماس السياسية التي أرادت أن تحد من رد اسرائيل بالعمليات وأن تضيق خطواتها في الساحة الدولية بالقتال من بين السكان المدنيين. واعتُبر هذا الاستغلال المستخف القاسي استغلالا مشروعا للموارد الميدانية في نظر حماس على الأقل، لكنها فوجئت هنا ايضا. فقد كانت ردود اسرائيل على اطلاق النار دقيقة. وقد استعملت الحذر الشديد، لكنها ردت ايضا على مواقع للامم المتحدة وأصابت مدنيين كانوا دروعا بشرية للمخربين بحيث لم ينجح المخطط الذي اعتمدت عليه حماس إلا قرب انتهاء العملية فقط. وقد دفعت اسرائيل في الحقيقة عن ذلك انخفاض التأييد الدولي لها، لكن ذلك جاء كما قلنا آنفا بعد أن أصيبت قوة حماس فقط.

لا تأتي حماس الى محادثات التسوية في القاهرة بالشروط التي أرادتها، ومن المنطق أن نفرض أن قادتها يسألون أنفسهم لماذا لم يقبلوا العرض المصري قبل ثلاثة اسابيع. فقد كلفتهم هذه المدة القضاء على الانفاق ونحوا من 1500 قتيل. "دخلت حماس الآن التفاوض دون شروط مسبقة، مضروبة ومُجرحة"، بيّن هذا الاسبوع موظف رفيع في المستوى السياسي في القدس وأضاف قائلا: "حتى لو بقي في النهاية مخرب واحد فقط فسيخرج من بين الانقاض بعلامة النصر ويقول: انتصرنا".

توشك حماس في واقع الامر أن تواجه مطالب اسرائيل وفي مقدمتها نزع سلاح القطاع مقابل تعميره. ولا تكشف اسرائيل في هذه المرحلة عن الامكانات العملية لذلك على الارض. وبقيت مسألة الرقابة على نزع القذائف الصاروخية من حماس بلا جواب الى الآن لأنه ليس واضحا هل الرقابة الدولية عملية (وهل ستشمل السلطة الفلسطينية).

اسرائيل معنية بأن تعود اجهزة أمن السلطة الفلسطينية الى قطاع غزة، وتذكر التنسيق الناجح مع الجيش الاسرائيلي في يهودا والسامرة. ويُذكرون في القدس اولئك الذين يشكون في امكانية تطبيق نزع السلاح بأن ذلك الشك سُمع ايضا في شأن منع التهريب الى داخل القطاع بعد عملية "عمود السحاب". وقد انقطع الان مع مصر الجديدة طوفان التهريب وتوجد رقابة على ذلك.

الآن، في اليوم الذي يلي العملية، تستعد اسرائيل للمعركة القانونية. لأن منظمات مؤيدة للفلسطينيين ستعمل في الامم المتحدة وبروكسل وفي كل ساحة سياسية موجودة. وستعرض عدد القتلى غير المشاركين في الارهاب (ولا سيما النساء والاولاد) واصابة منشآت الامم المتحدة والمدارس والمستشفيات باعتبارها جريمة حرب وجريمة على البشر. وستريد تجاهل السبب الحقيقي للقتل والدمار وهو اطلاق الصواريخ على اسرائيل وعلى قوات الجيش الاسرائيلي في الميدان والذي تم من داخل أحياء مأهولة ومنشآت مدنية.

ويُبينون في القدس أن الجيش الاسرائيلي قد استدخل وعي وجود حرب اخلاقية. ومن الواضح أنه لم يوجد ضرب متعمد للمدنيين وأن العمل على الارض مؤيد دائما بمساعدة قانونية، فكل قائد لواء يلازمه مستشار قانوني. ولم يكن التفكير في اليوم التالي من جهة سياسية في ميدان القانون الدولي ملحقا بالعملية بل كان جزءا من أمر العملية نفسها.

أصبحت اسرائيل تستعد لأن تعرض في كل فرصة – في الساحة السياسية مع الزعماء وفي ساحة الدعاية على الجمهور في أنحاء العالم – أنها فعلت كل شيء لمنع معركة وأن حماس هي التي رفضت مرة بعد اخرى اقتراحات وقف اطلاق النار. وسيُعرض الى ذلك نشاط حماس الارهابي من بين السكان المدنيين الذي هو في واقع الامر الجريمة المركزية في دعاوى اسرائيل الدفاعية.

تركة الانجاز العسكري

هل نشأ وضع افضل على الارض للسكان في الجنوب؟ يقولون في مكتب رئيس الوزراء نعم. فقد تم ابطال عمل الانفاق أولا، وزيدت الحراسة في البلدات واصبحت الحكومة تدفع قدما بحلول تقنية لابطال عمل انفاق في المستقبل. واستقر رأي الحكومة منذ أول لحظة على تحويل مخصصات مالية ضخمة الى مناطق المواجهة العسكرية والى الجنوب كله. واصبح فريق تنفيذي يرأسه المدير العام لمكتب رئيس الوزراء، هرئيل لوكر، أصبح عنوانا لكل توجه في هذا الشأن المركب الحساس.

فهل انتصرنا اذا حقا؟ يجيب شخص سياسي رفيع المستوى عن ذلك بقوله: "نعم. انتصر شعب اسرائيل. وظهرت روح اسرائيل مرة اخرى في المعركة: فقد قاتل افضل أبنائه وانتصروا واظهروا الشجاعة، وكانت المنعة القومية في الجبهة الداخلية ايضا فوق المتوقع. ومنعت الاستجابة لتعليمات قيادة الجبهة الداخلية، الخسائر".

ويشارك قائد كبير من جهاز الامن المستوى السياسي في هذا الشعور. وهو يقول إن الضربة التي اصابت حماس قاسية وهي نحو من ألف قتيل (برتب مختلفة ومن اجهزة مختلفة، من مقاتلين الى عاملين في مؤسسات). ودمرت بنى انتاج تحتية وأصيبت مؤسسات حكم ودمرت بيوت قادة. وتضررت المنظومة الصاروخية. فلم يكونوا يؤمنون بأن الجيش الاسرائيلي سيضرب من الجو بهذه القوة. ولم يكونوا يؤمنون بأن الجيش الاسرائيلي سيدخل الى الداخل. ولم يؤمنوا ايضا بأن يكون الجمهور الاسرائيلي على هذه الصلابة برغم خطف الفتيان ومحاولة خطف جثتي جنديين في اثناء العملية. "ظنوا أننا سنُكسر لكننا كسرناهم"، قال القائد الامني الكبير مُلخصا.

في القدس يوجزون سلوك نتنياهو والمجلس الوزاري المصغر بأنه حسن. عملنا على نحو واعٍ واستعملنا تقدير الامور، وأظهرنا الاعتدال وأخذنا في الحسبان الصورة كلها، وكل ذلك بعد نقاش عميق وفي ضوء توقعات جهاز الامن والجيش. ورُفض احتلال القطاع لأنه لو حدث لجر اسرائيل الى بقاء طويل في غزة.

لو كان ذلك الوضع لثبت في القطاع قوات عسكرية لا يستهان بها ولأفضى الى إضرار غير قليل بالجهاز الاقتصادي، ولاستنزف السكان ومنعة الجبهة الداخلية. ولا يقل عن ذلك اهمية أنه كان سيغضب المجتمع الدولي ويضر بقدرة السياسة الاسرائيلية على أن تحصر عنايتها في منع التهديد الذري الايراني اذا كان أحد ما قد نسي وجوده.

جربت اسرائيل في السنوات الخمس الاخيرة ثلاث جولات قتال وهي عملية "الرصاص المصبوب" في 2009، وعملية "عمود السحاب" في 2012 وعملية "الجرف الصامد" في 2014. فمتى ستكون الجولة التالية؟ عرّف الوزير يعقوب بيري من يوجد مستقبل ذلك على النحو التالي: "ستُختبر الجولة الحالية بحسب الانجاز السياسي الذي ستخلفه".

من المعلوم أنه لا قيمة للحرب دون أن يدير الساسة انجازات عسكرية. إن الهدف الاسرائيلي الآن في القاهرة هو ضمان هدنة طويلة ومنع حماس انجازا يمكن أن تلوح به. وأن تضع يدها على وسائل انتاج حماس – نزع السلاح – وأن تمنع الزيادة في قوة حماس بمنع التهريب ودخول السلاح والصواريخ الى غزة.

ينتظرون تسوية

دخلت حماس العملية وهي في درك أسفل سياسي دولي وداخلي قاسٍ. وقد احتجت لبواعثها بما يلي: حصار غزة وعدم دفع الرواتب الى عامليها بحيث وجهت اصبع الاتهام في هذا السبب الثاني الى السلطة الفلسطينية. وفيما يتعلق بالحصار، اسرائيل مستعدة للتوصل الى تسوية ولتطوير القطاع اقتصاديا. فالحصار الوحيد الذي تضربه اسرائيل أمني لمنع دخول سفن سلاح الى القطاع.

إن ترتيبات فتح معبر رفح هي شأن حماس مع السلطة المصرية. ودفع الرواتب الى رجال حماس وتطوير المنظمة مقرونان الآن بسيطرة رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن. وهم في اسرائيل معنيون بأن تعود السلطة التي تعارض الارهاب لتحكم غزة بدل حماس.

وبرغم أن اسرائيل لا يتوقع أن تتزحزح عن الشروط التي اشترطتها، فان اعلان النصر المشترك من مكتب رئيس الوزراء ووزارة الدفاع والجيش يلقى شعورا باضاعة الفرصة من كثيرين من الجمهور. وبقيت طائفة من الاسئلة الصعبة للمستوى السياسي أثارتها العملية، بقيت في أكثرها بلا جواب مباشر مثل: لماذا لم يُقضَ على قادة حماس؟ ولماذا لم تكن الضربة الابتدائية العسكرية ساحقة؟ ولماذا كانت العملية البرية محدودة؟ ولماذا لم يقطعوا اوصال القطاع كي يُحدثوا تلذيعا لوعي حماس أعمق؟ ولماذا امتنعوا عن استعمال وسائل مشروعة لحسم المعركة سريعا كقطع الكهرباء أو اغلاق المعابر الحدودية التي أدخلت السلع؟ ولماذا لم يكن اجراء الخروج العسكري والسياسي مخططا له؟.

إنتهت الحرب وقتل فيها 64 جنديا و3 مدنيين وهم درور حنين، وعودة الوبج وعامل اجنبي تايلندي. وكانت تلك معركة واجه فيها العدو أقوى جيش في الشرق الاوسط مدة شهر، ومعنى ذلك أن لحماس ميزة، فقد أطلقت النار على مدن اسرائيل دون توقف ورفضت هدناً ودفعت اسرائيل عن ذلك.

بازاء كل ذلك لم يحرز حسم عسكري – على علم، لكن نتنياهو لا يُبين لماذا استقر رأيه على ألا يسقط سلطة حماس. يبدو أن اسرائيل دخلت الى المعادلة الجديدة – من الحسم العسكري الى الردع ومن هناك الى العقاب آملة أن يُحدث ذلك الحسم العسكري المطلوب. والخلاصة هي أن المعركة العامة ستحسمها النتائج في المعركة السياسية التي بدأت فقط.

انشر عبر