شريط الأخبار

حرب “صراع الرهانات” في غزة- محمد الشعيد إدريس

02:16 - 06 كانون أول / أغسطس 2014


 

أعتقد أننا جميعاً، أبناء الأمة العربية، بكافة انتماءاتنا القطرية والسياسية والدينية بل والطائفية نشعر بثقل المسؤولية لعجزنا عن إنقاذ شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة من حرب إبادة لم تعد أهدافها خافية، فهذه الحرب القذرة، التي لم تبدأ من فراغ بل جاءت في أعقاب فشل جولة مفاوضات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، واستباقاً لحدوث تراكم نضالي في الضفة الغربية فجرته ممارسات إجرامية صهيونية، خشية أن يؤدي هذا التراكم النضالي إلى اندلاع انتفاضة شعبية فلسطينية ثالثة قد تكون سبباً في إعادة تثوير قضية الشعب الفلسطيني، وإعادة بعث الصراع العربي الصهيوني إلى قاعدته ومفاهيمه الحقيقية غير المزيفة: صراع وجود عربي ضد استعمار استيطاني صهيوني، ووضع نهاية لمسار مفاوضات التسوية ومفاعيلها التي بدأت بمعاهدات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو ومن ثم إقرار مبدأ تبادل الأراضي للحفاظ الشكلي على ما يسمى ب "حل الدولتين" الذي نجحت حكومة اليمين الصهيونية في تفريغه من كل مضامينه بالتوسع في سياسة الاستيطان والتهويد .

وإذا كانت هذه هي البدايات والمقدمات للعدوان الإجرامي الصهيوني الحالي ضد قطاع غزة، فحتماً لن تكون الخواتيم والنتائج التي يخطط لها قادة العدو ويأملون تحقيقها بعيدة عنها، فهم لا يهدفون فقط إلى التخلص من سلاح المقاومة وخاصة الصواريخ وتدمير ما يسمونه ب "الأنفاق الهجومية" ولكنهم يخططون لفرض واقع سياسي جديد ومعادلة سياسية جديدة لوضع نهاية للصراع العربي الصهيوني بفرض مشروع حل الدولة الواحدة وليس حل الدولتين، وحل الدولة الواحدة الذي يريدونه هو أن تكون فلسطين، كل فلسطين دولة واحدة لشعب واحد هو "الشعب اليهودي"، ولعل هذا ما يفسر إصرار بنيامين نتنياهو رئيس حكومة العدو منذ أكثر من شهرين على فرض خيار "الدولة اليهودية" ليس فقط على الشعب الفلسطيني بل وعلى كل الشعب العربي .

انطلق قادة الكيان في تخطيطهم لهذا العدوان من قراءة دقيقة للواقع العربي والإقليمي الراهن، ووصلوا إلى يقين بأن هذا الواقع لا يقل سوءاً عن حقيقة الواقع النضالي الفلسطيني . فتنافس حركتي "فتح" و"حماس" على السلطة في فلسطين الذي تحول إلى صراع سلطة بعيداً عن كل اعتبارات ما كان "مقاومة" وعرقل كل محاولات المصالحة وجردها من مقوماتها، لا يختلف كثيراً عن صراعات السلطة في معظم الدول العربية ابتداء من العراق مروراً بسوريا واليمن ولبنان، وامتداداً إلى مصر والسودان وليبيا وتونس، صراعات أدت وتؤدي ليس إلى تدمير الجيوش بل إلى تدمير مقومات بقاء الدولة وإطلاق فتنة التقسيم في بعض هذه الدول .

الصراعات في وطننا العربي لم تعد صراعاً بين العرب وبين الكيان الصهيوني ولكنها أضحت تنافساً بين الدول العربية وتحولت إلى صراعات داخل الدول العربية، وامتدت إلى تنافس بين القوى الإقليمية في إقليم الشرق الأوسط، وباتت "إسرائيل" بمنأى عن كل هذه الصراعات، وكان عليها أن تندفع نحو قطاع غزة لتدمر وتقتل من أجل فرض مشروع التسوية الذي تريده، وهي على قناعة بأنه ليس من بين العرب من في مقدوره أن يعلن راية التحدي، خاصة في ظل الصراعات الدامية التي تحدث الآن داخل كل من العراق وسوريا التي من شأنها منع أي من الدولتين من مجرد التفكير في ردع العدوان "الإسرائيلي"، وخاصة في ظل الإدراك "الإسرائيلي" للواقع الأليم الذي تعيشه مصر الآن في حربها ضد الإرهاب "الإخواني" و"التكفيري" والذي بسببه وجدت نفسها في حاجة إلى الحصول على موافقات "إسرائيلية" تتجاوز نصوص معاهدة السلام لإدخال قوات وأسلحة مصرية لمقاتلة الإرهابيين الذين يقاتلون الجيش وقوات الأمن المصرية على أرض شبه جزيرة سيناء .

قادة الكيان توصلوا إلى قناعة بأنه ليس هناك من بين العرب من في مقدوره أو في تفكيره أن يرد العدوان، كما أنهم وصلوا إلى قناعة بأن العرب يعيشون الآن حالة حرب باردة عربية عربية جديدة، وحرب عربية إقليمية جديدة، على الأقل سياسياً وإعلامياً من خلال المحاور المتصارعة الآن والتي ليس على أجندتها ما له علاقة بالصراع مع "إسرائيل"، بل إنهم تنبأوا بأن عدوانهم الإجرامي على قطاع غزة من شأنه أن يفجر حرب تصفية حسابات عربية عربية، وأن تكون مواقف العرب من هذا العدوان ليس أكثر من الوجه الآخر القبيح لحرب تصفية الحسابات هذه .

محصلة هذا كله كان قرار الحرب "الإسرائيلية" الإجرامية على غزة، لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الجميع الآن: "الإسرائيليون" والفلسطينيون وكل من يعنيهم الأمر من العرب والقوتين الإقليميتين: إيران وتركيا هو: هل في مقدور "إسرائيل" تحقيق أهدافها من العدوان؟ وبتحديد أكثر هل في مقدور "إسرائيل" توظيف كل هذا الواقع الفلسطيني والعربي والإقليمي لوضع نهاية لما كان يعرف ب "الصراع العربي "الإسرائيلي"" وفرض خيار "دولة واحدة لشعب واحد"؟ وهل في مقدور العرب وإيران وتركيا إفشال هذا المخطط الإجرامي؟

السؤال مهم، لكن الإجابة صعبة لأن الأهداف متناقضة بين من يحكمون العرب ومن يحكمون إيران وتركيا أيضاً، وقبلهم بين السلطة الفلسطينية والمقاومة الباسلة في قطاع غزة، ولذلك يبقى الرهان الشعبي هو الممكن والمرجح، رهاناً شعبياً يبدأ من الضفة الغربية لفرض ما تحسب له الصهاينة بجعل العدوان الإجرامي على قطاع غزة سبباً بتفجير انتفاضة شعبية يكون في مقدورها إنقاذ غزة أولاً من مخطط الإبادة الصهيوني، ويكون في مقدورها أن تقلب أوضاع مشروع التسوية الاستسلامية رأساً على عقب، وأن تعيد وضع الصراع في فلسطين مجدداً إلى حقيقته: صراع حول الوجود وليس صراعاً على حدود .

إذا تفجرت الانتفاضة في الضفة الغربية بدافع من دماء وأرواح الشهداء وصرخات الثكالى والمصابين، وبوعي من أهمية وحتمية هذا الخيار فسوف يكون لها مردودها الحتمي على مستوى السلطة ومنظمات المقاومة في الضفة وقطاع غزة، وسوف يمتد صداها إلى العمق العربي والإقليمي وسيغير كل المعادلات، وسيعري كل من يتعاملون خفية مع الكيان الصهيوني وستتحول هذه الانتفاضة الفلسطينية إلى انتفاضة عربية قادرة على إحياء خيار المقاومة وتجديد الثقة الشعبية به، مقاومة بمفهومها الواسع تبدأ بالعودة إلى النضال السياسي العربي من أجل فلسطين، وإعادة تثوير ميادين الكفاح العربية من أجل فلسطين، وإعادة سياسات المقاطعة للكيان وتجريم كل من يدعمونه ويساعدونه ويقدمون له الحماية ابتداء من إدارة باراك أوباما والكونغرس الأمريكي الذي تفوق على الكنيست "الإسرائيلي" في عدائه للشعب الفلسطيني ودفاعه عن المشروع الصهيوني، وامتداداً إلى أنصار "إسرائيل" في أوروبا وحلفائهم داخل الدول العربية من رجال أعمال وإعلاميين يلعبون دور "اللوبي" الداعم للسياسات "الإسرائيلية" العدوانية عندما يتحقق ذلك سيتجدد الأمل ثانية في عودة فلسطين قضية عربية مركزية بامتياز بعد أن أضحت عبئاً ثقيلاً على كاهل كثير من أنظمة الحكم العربية، وسيتجدد الأمل في إفشال رهانات قادة الكيان على جعل عدوانهم الإجرامي على قطاع غزة مدخلاً لفرض مشروعهم السياسي لتصفية القضية الفلسطينية .

 

انشر عبر