شريط الأخبار

المعارك في غزة تخفت وتبدأ الحرب على الرواية .. هآرتس

01:25 - 04 كانون أول / أغسطس 2014


بقلم: عاموس هرئيل

(المضمون: لن يضيع عدد من الساسة الاسرائيليين الفرصة ليزعموا أن تردد نتنياهو منع من أن تُهزم حماس هزيمة ساحقة. وفي مقابل ذلك سيتحدث متخذو القرارات عن انتصار لامع - المصدر).

        أوشكت المرحلة البرية من الحرب في غزة أمس أن تنتهي، مع إتمام علاج النفق الهجومي الـ 31، وهو آخر ما كُشف عنه في القطاع، والذي حاول رجال حماس اختطاف الملازم أول هدار غولدن عن طريقه في يوم الجمعة الاخير. وقد استمر الجيش الاسرائيلي أمس على مضاءلة القوات في القطاع وعلى تركيز الوحدات الباقية في عدد من الوحدات الدفاعية على التلال غربي السياج الحدودي، في داخل الارض الفلسطينية قليلا. وستؤمن القوات التي ستبقى هناك في الايام القريبة السياج المخترق.

        إن سؤال هل تنتهي بذلك الحرب كلها متعلق بسلوك حماس. فقد بقي في حوزة المنظمة كما تقدر الاستخبارات نحو من 3 آلاف قذيفة صاروخية لمدى قصير وعدد أقل من القذائف الصاروخية لمدى متوسط. واذا استمرت على اطلاق الصواريخ فيبدو أن اسرائيل سترد على ذلك بهجمات جوية اخرى. والحديث من وجهة نظر سكان وسط البلاد عن اطلاق صواريخ أساسه المضايقة بازاء نسبة الاعتراض العالية لمنظومة القبة الحديدية. لكن ذلك بالنسبة لسكان النقب أمر أشد حرجا. وتختار اسرائيل الآن انسحابا من طرف واحد لكن الطريق الى تسوية هدنة كاملة ما زال مفتوحا يمر بالقاهرة حيث يجري التفاوض غير المباشر بين الأطراف.

        في ضوء العملية البرية أشارت استطلاعات الرأي العام الى تأييد عام واسع لتوسيعها. وانضم الى الضغط ايضا وزراء ومحللون وجنرالات متقاعدون انتقلوا للسكن في منتديات التلفاز في ايام الحرب. لكن رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان بينوا أن السياسة الامنية ليست برنامجا يحاكي الواقع وأن احتلال المنطقة المأهولة في القطاع لا يخدم المصالح الامنية، وقدّر قائد كبير في هيئة القيادة العامة أمس أنه لو طُلب الى الجيش الاسرائيلي أن يحتل القطاع لاستمرت المهمة "عشرة ايام الى اسبوعين"، لكنه يحتاج بعد ذلك الى سنة اخرى ليضرب شبكات حماس ضربة حاسمة. وقال: ليست هذه هي المهمة التي أُعطيت لنا.

        طُلب الى الجيش أن يضرب حماس والجهاد الاسلامي ضربة قاسية، وأن يُبطل تهديد الانفاق وأن يضائل ضرب الجبهة الداخلية الاسرائيلية. وقد ثبت لكل تلك المهام في رأيه. وإن إتمام المهمة الرابعة وهي علاج ازدياد قوة حماس (ولا سيما منظومتها الصاروخية)، متعلق بنوع التسوية السياسية التي ستصاغ اذا ما أُحرزت. وكرروا في الجيش الاسرائيلي أمس دعوى أن اسقاط نظام حماس لو حدث لأفضى الى نشوء فوضى كالحال في الصومال، في القطاع، لا يكون هناك لاسرائيل ألبتة أي عنوان للردع أو لتسويات غير مباشرة.

        في الايام التالية ستتحرر ألسنة الساسة شيئا ما من انضباطها الذي حكموا به على أنفسهم حينما قتل الجنود في غزة، وستكون دعواهم أنه لولا احجام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والجنرالات لهُزمت حماس الى الأبد. لكن يبدو أن من يرون ذلك لا يفهمون الواقع الأمني الذي نشأ في القطاع فهما كاملا. فقد بنت حماس هناك منظومة متشعبة تحت الارض يبدو أنها ستُمكنها اذا استعملت حرب العصابات استعمالا صحيحا من أن تكلف الجيش الاسرائيلي ثمنا باهظا عن احتلال القطاع. وليست غزة وخانيونس نابلس ورام الله في ايام عملية "السور الواقي" في 2002. وليس من الصدفة أنه بعد أن عرض الجيش بطلب من نتنياهو كامل معاني احتلال القطاع كله على المجلس الوزاري المصغر، هدأ ايضا الوزراء الأكثر صقرية.

        وفي خلال ذلك بدأت مرحلة التلخيصات ومعها المعركة على الرواية. سيعرض رئيس الوزراء ووزير الدفاع بوغي يعلون وكبار قادة الجيش الاسرائيلي جبهة موحدة ترى أنه أُحرز هنا نصر لامع. فالقبة الحديدية صدت أكثر أضرار القذائف الصاروخية، وقُضي على أنفاق الارهاب (مع خسارة حياة 64 ضابطا وجنديا في الحقيقة)، وستُردع حماس عن تجديد العنف زمنا طويلا، وهذا ايضا هو شعور قادة الألوية التي عملت في الميدان في جبهات ضيقة نسبيا لكنها تغلبت على العدو في كل مكان لاقته فيه وأتمت مهامها. ومن غير أن نستهين بانجازات الضباط نقول إنه ينتظرهم لقاء غير سهل مع الجمهور الاسرائيلي، الذي يشك كثيرون منه في نتائج الحرب. وقد يتضح في هذه المرة ايضا أنه في حرب غير متكافئة مع منظمة ارهابية تعمل من بين سكان مدنيين، يمكن الانتصار في كل معركة مع عدم حسم الحرب مع كل ذلك.

        إن صورة أداء الجيش الاسرائيلي في القتال ستوجب اشتغالا اعلاميا واسعا جدا في الايام التالية، لكن يكفي الآن أن نذكر نقطة واحدة. تقول "أمان" إنها كانت تعرف من قبل بوجود الكثرة المطلقة من الانفاق الهجومية، وتقول قيادة المنطقة الجنوبية إنها استعدت بحسب تقديرات الاستخبارات لـ "حرب تموز" التي خططت فيها حماس لهجوم على اسرائيل. فاذا كان الامر كذلك فلماذا لم تُعد خطة عمليات لعلاج كامل للانفاق قبل ذلك، ولماذا صيغت خطة عمل تحصر الاهتمام في الانفاق (بدل خطة لضرب أعمق لحماس كما في عملية "الرصاص المصبوب") قبل أن تبدأ العملية البرية بأيام معدودة فقط.

        صورة الحرب

        يعمل قائد لواء جفعاتي، العقيد عوفر فنتر، الآن بصفته الوجه الأعرف في هذه الحرب. وقد حارب لواء فنتر جيدا في منطقة خانيونس ورفح وأدى مهامه بخسائر قليلة. ويعرف فنتر، وهو أحد أبرز قادة العمليات في الجيش الاسرائيلي، يعرف القطاع جيدا من الفترة التي عمل فيها قائدا لكتيبة دورية جفعاتي في ايام الانتفاضة الثانية.

        على إثر الواقعة التي قُتل فيها ضابط وجندي في رفح وأُسر الملازم أول هدار غولدن، استعمل قائد لواء جفعاتي كل الجهود الممكنة لاحباط الاختطاف. وامتدح زملاؤه في الجيش الاسرائيلي العملية السريعة الحازمة التي أخذ بها، وقالوا إن فنتر أدرك الضرر الاستراتيجي الذي ينطوي عليه اختطاف آخر ولا سيما في أواخر عملية عسكرية؛ وهكذا بالضبط كان يجب العمل. ولن يكون من المبالغة أن نقول إنه حينما أُبلغ عن أمر الاختطاف، توقفت قلوب مئات آلاف الاسرائيليين عن الخفق. وبدا برغم الخسائر في القتال أن التفكير في جندي آخر في أسر حماس يثير على نحو ما خوفا خاصا.

        بعد خطف جلعاد شليط، مع الافراج بالجملة عن السجناء على إثره، أصبح الجيش الاسرائيلي ينظر الى خطر الاختطافات في تشدد زائد. وفي اختطاف غولدن وفقدان جندي جولاني أورون شاؤول في معركة الشجاعية قبل اسبوعين جهد الجيش فورا جهدا مضاعفا ليسلب حماس وسيلة ضغط على اسرائيل. وتم الجهد الاول في الميدان في استعمال اجراء "هنيبال" – وهو عملية عنيفة جدا غايتها عزل منطقة الواقعة ومنع خروج الخاطفين من المنطقة. والثاني هو الاعلان السريع أكثر مما اعتيد في الماضي بأن المخطوف قتيل بعد أن اجتمع ما يكفي من الأدلة على أنه قُتل.

        في حالة الملازم أول غولدن بدا الأمر وكأن خمس سنوات قضية شليط قُلصت الى خمس ساعات، بيد أن النهاية كانت مختلفة: فبعد خروج السبت فورا برز أبناء عائلة الضابط الى وسائل الاعلام وطلبوا الاستمرار على العملية البرية في غزة حتى اعادة الابن حياً من الأسر. وفي ساعة متأخرة من الليل عرض الجيش الاسرائيلي على العائلة أدلة موته. وأمس بعد الظهر أُقيمت جنازته التي شارك فيها كثيرون والتي أصبحت مظاهرة تأييد مدهشة للعائلة وللجيش الاسرائيلي.

        وفي الميدان في رفح استعملت القوات قوة ضخمة لاحباط الاختطاف: فقد أطلقت المدافع قذائف على بيوت، وسحقت الجرافات بيوتا اخرى، وهاجم سلاح الجو سيارات (يزعم الفلسطينيون أنه هاجم ايضا سيارات اسعاف نقلت جرحى الى مستشفى)، ودخلت كتيبة دبابات عميقا في المنطقة المأهولة. وقُتل في العملية بين 130 الى 150 فلسطينيا، كثير منهم مدنيون. وقد سلبت العملية حماس انجازا لكنها لم تستطع أن تخلص الضابط في قيد الحياة. وزعمت حماس أنها أفضت ايضا الى قطع الصلة بالخلية وأن غولدن قُتل مع خاطفيه. ويقولون في الجيش الاسرائيلي إن الضابط قُتل حينما هاجمت الخلية القوة من دورية جفعاتي. ومن حسن حظ اسرائيل أن رئيس الولايات المتحدة براك اوباما، مثل سلفه جورج بوش قبل أكثر من عقد، تقلقه حقيقة أن الفلسطينيين كذبوا عليه (نقضت حماس الهدنة بالاختطاف وحاولت أن تضلل في شأن ظروف الحادثة)، أكثر من قتل المدنيين.

        حينما انحصر القتال في هجمات من الجو، حرصت اسرائيل على تحذير المدنيين الفلسطينيين قبل قصف بيوتهم، وأتاحت وقتا لاخلاء أحياء قبل أن تهاجَم وجهدت في الحفاظ على التناسب في الوسائل التي استعملتها. وأفضى القتال القاسي كما كان متوقعا مسبقا الى موت مئات المدنيين الفلسطينيين. وأصبحوا في الجيش الاسرائيلي يدركون أنه قد مُهدت الطريق بذلك للجنة غولدستون جديدة.

        المشكلة هي أن الجيش لا يحمي ضباطه دائما في الجبهة الاعلامية من ضرر غير مباشر قد يسببونه لأنفسهم. قبل دخول القطاع نشر قائد لواء جفعاتي ورقة قتالية بين مقاتليه اشتملت على اقتباسات دينية كثيرة وأثارت انتقاد اليسار الذي اتهم فنتر بالقيام بحرب دينية. وقال في مقابلات صحفية للقناة العاشرة ولـ "يديعوت احرونوت" في اثناء القتال: "حينما نقاتل يهرب المخربون". أما في مقابلة صحفية مفاجئة شيئا ما مع الصحيفة الاسبوعية الحريدية "مشبحة" (عائلة) فبين أنه طلب الى كبار العلماء بالتوراة أن يُصلوا من اجل سلامة مقاتليه واتهم قائلا: "من هاجمني لا يعرف ما هي الحرب".

        بعد "الرصاص المصبوب"، حرر نشطاء من يسار اسرائيليون وأجانب قوائم صيد ضباط كبار في الجيش الاسرائيلي أُعلموا على أنهم مجرمو حرب، بل حاولوا أن يقودوا عددا من الدعاوى القضائية عليهم في الخارج. وبنت لجنة غولدستون بنية منطقية داحضة، قرنت أقوال قائد منطقة الشمال آنذاك غادي آيزنكوت، و"مبدأ الضاحية" الذي صاغه بالتدمير الذي خلفته عمليات الجيش الاسرائيلي في غزة. إن مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان الذي عين لجنة غولدستون هو جسم عجيب. فقد طلب في الاسبوع الماضي الى اسرائيل والولايات المتحدة أن تمدا الفلسطينيين في غزة بمنظومة القبة الحديدية لحمايتهم من هجمات سلاح الجو على حماس، لا أقل من ذلك. ويبدو أن المجلس وجهات مشابهة ستشتغل في هذه المرة ايضا وقتا طويلا بعدُ بأحداث الحرب في غزة.

انشر عبر