شريط الأخبار

عن البربرية.. هارتس

01:10 - 03 حزيران / أغسطس 2014

بقلم: جدعون ليفي

 

          (المضمون: تجاوزت البربرية الاسرائيلية كل حد في حربها في غزة، في حرب لا تظهر لها نهاية في الأفق - المصدر).

          صباح أمس هاتفوا من وزارة الصحة الفلسطينية ع. من رفح وطلبوا إليه أن يفتح مخزن تبريده الذي يُستعمل لحفظ الخضار، وأن يخلي مكانا لعشرات الجثث التي تراكمت في مستشفى المدينة الصغير، الذي انقد لكثرة الموتى. وامتلأ مخزن تبريد ع. سريعا بالجثث ومنها جثث أولاد كثير. فقد أحصوا في رفح في صباح أمس 120 قتيلا ونحوا من 500 جريح في ليلة واحدة من عمل الجيش الاسرائيلي في البحث عن الملازم هدار غولدن. وفي منتصف الليلة بين الجمعة والسبت هاتفني ي. أخو ع. وتحدث بصوت مختنق مهتاج صار الى البكاء وبلغة عبرية طليقة: "ما حدث اليوم في رفح مذبحة بكل معنى الكلمة". وقد فر ي. ماشيا من بيته مع عائلته نحو البحر في الوقت الذي كانت القذائف تسقط فيه على حيّه. "كل طائرات إف16 وكل طائرات اسرائيل الصغيرة بلا طيارين أصبحت الآن في سماء رفح"، قال ذلك الرجل الذي قضى 33 من سني حياته يعمل في اسرائيل. "نحن بعد رفح، كما أردتِ يا تال!"، غنى اريك لافي في أغنية متبجحة في حرب اخرى، لكننا لسنا بعد هذه المرة، ويا للهول، لسنا بعد رفح التي هي المدينة الأكثر ضربا والأكثر خرابا منذ سنوات في القطاع والتي ظلت جثثها أمس ايضا تتجمع وتتراكم.

          حينما صرخ ي. من رفح قائلا: "مذبحة"، نشر متحدث البيت الابيض في واشنطن اعلانا عرّف فيه أسر الضابط الاسرائيلي وقتل رفيقيه أنهما "نقض بربري للهدنة". وقد استعمل المتحدث الامريكي المتزن كلمة "بربري" لأول مرة في هذه الحرب. ولم تُفض القذيفة الاسرائيلية التي سقطت قبل ذلك بيومين في سوق الشجاعية المزدحمة وقتلت 17 من السكان وجرحت نحوا من 150 في ذروة هدنة اخرى، ولا القذيفة التي سقطت قبل ذلك بوقت قصير في مدرسة وكالة الغوث التي كان يختبيء فيها 3 آلاف لاجيء، لم تفض بالادارة الامريكية الى أن تقول "بربري". ولا قصف محطة توليد الطاقة ولا قصف الجامعة؛ ولا القنبلة التي ألقاها طيارو سلاح الجو الممتازون في يوم الثلاثاء على بيت سكني فيه أربع طبقات في خانيونس دون أي انذار – وقتلت تحت الانقاض 35 من سكان البيت فيهم 18 ولدا و8 نساء – ويبدو أنه أفتك قصف كان قط. كل ذلك لم يُعتبر بربريا ما عدا الاختطاف وقتل الجنديين، وليس ذلك إلا لأن المتحدث الامريكي مصاب بالعنصرية هو ايضا، فهو يحفظ البربرية لهم فقط. اجل، إن حماس معروفة ببربريتها، ومثلها الفلسطينيون جميعا، وقد بلغ صيت هذه البربرية الى واشنطن آخر الامر وهذا انجاز آخر للدعاية الاسرائيلية.

          لكن الحقيقة هي أن هذه الحرب بربرية من بدايتها. وأصبح قتلاها يزيدون على قتلى هجوم بربري سابق هو الرصاص المصبوب ويشمل ذلك العدد المخيف من المدنيين الذين قتلوا فيها، وقد أصبحت تقترب بمقدارها قياسا بعدد السكان المقصوفين بغزة من مقدار الحرب في سوريا التي تلوح بها اسرائيل دائما كي تبرهن على حيوانية العرب: ففي الاسبوع الماضي أحصوا في سوريا 1700 قتيل في اسبوع قياسي واحد، وفي غزة التي يقل عدد سكانها عن عشر عدد سكان سوريا، قتل مثل هذا العدد في ثلاثة اسابيع ونصف من نشوة المشاعر الاسرائيلية – وليس ذلك فرقا مبدئيا.

          لكن الشيء الأفظع هو أننا لا نرى نهاية لهذه الحرب. فقد أخذت تغرق في الدم والوحل وقد بدأت مثل عمود السحاب واستمرت لتصبح مثل الرصاص المصبوب وقد تتحول الآن الى "سلامة الجليل"؛ وهناك من أصبحوا يتحدثون عن بقاء سنة في غزة وإن لاح أمس أمل خروج الجيش الاسرائيلي. قتل أكثر من 60 ضابطا وجنديا اسرائيليا وأكثر من 1600 فلسطيني، في حرب لا تكتفي ولن تحرز أي انجاز بعد سوى سفك الدماء. ولا ينجح العالم في ادراك مبلغ بلادة الحس الاسرائيلية – ولا ي. ايضا من رفح. قال لي في ليلة أول أمس بالهاتف: "أنا أخجل من ثقافتي الاسرائيلية. نشأت عندكم منذ سن الـ 16، ويؤلمني حينما أسمع انذار "اللون الاحمر" في عسقلان المدينة التي عملت فيها سنين، أما أنتم فلا يهمكم شيء عندنا. لا شيء". وبكى مرة اخرى وصمتُ.

انشر عبر