شريط الأخبار

والظهر الى البحر- يديعوت

03:35 - 18 حزيران / يوليو 2014

بقلم: ناحوم برنياع

إن استخدامهم الارهاب آثم، واعتقادهم الديني ظلامي، وخططهم المتعلقة بنا قاتلة، لكن يجب أن نعترف بصدق بعد تسعة ايام ضرب أن رجال حماس يقاتلون. وبرغم أن كل من يخرج رأسه من الملجأ تحت الارض بغزة يُغرر بنفسه، وبرغم أنهم تقاتلهم قوة عسكرية قوية وماهرة ومسلحة بأكثر المنظومات الهجومية والدفاعية جدية في العالم فانهم مستمرون يخرجون رشقات الصواريخ عميقة الى داخل الارض الاسرائيلية، ويحاولون  عن طريق البحر ومن الانفاق ويحاولون فوق الارض بل في الجو هنا وهناك.

في اسرائيل توقعوا مقاومة أخف: فهم ربما لم يتوقعوا رايات بيضاء فوق الأسطح كما حدث في 1956 و1967. لكن توقعوا بدء طأطأة الرأس، وانخفاض معدل اطلاق الصواريخ، واستعدادا للتوصل الى وقف لاطلاق النار في ظروف مذلة وهربا جماعيا من أحياء مقصوفة في غزة.

إن استقرار رأي عشرات آلاف الغزيين في حي الزيتون والشجاعية وبيت لاهيا على تجاهل منشورات الجيش الاسرائيلي والبقاء في بيوتهم مع نسائهم واطفالهم، يدل شيئا ما على الردع وعلى هشاشته. فاما أنهم يخافون من حماس أكثر مما يخافون من قصف سلاح الجو، وإما أنهم مستعدون لتعريض حياتهم وحياة أبنائهم للخطر في حرب للعدو. ويمكن بالطبع أن نوبخهم لاستعمالهم السكان المدنيين درعا حية، ولكن هذه المواعظ تبدو فارغة جدا حينما تصدر عن معسكر لهيئة القيادة العامة في تل ابيب في ظل مستشفى ايخيلوف وأبراج غيندي السكنية. ونشك في أن تؤثر هذه الخطب في أحد في العالم أو في شخص ما في هذا البلد.

تجب رؤية الحقائق كما هي وهي أن السكان المدنيين في غزة أحبطوا بسلوكهم محاولة القضاء من الجو على قواعد اطلاق الصواريخ ومخازن ذخيرة ومنازل قادة من حماس. ولم تُهجر أحياء التماس في غزة ولم تصبح منطقة خالية ومنطقة فاصلة فارغة بين اسرائيل والقطاع، واستمر اطلاق الصواريخ من هناك وهذا يدل دلالة ما على الروح القتالية للناس وراء السياج الحدودي.

يشهد الدخول عن طريق نفق قرب كيبوتس صوفا في وقت مبكر أمس هو ايضا على استعداد وعلى قدرة على القتال. وقد أُعد هذا النفق مسبقا قبل وقت بعيد كالنفق في كيرم شالوم الذي شاهدته في الاسبوع الماضي. واخترقت قوة حماس الخاصة باب النفق وخرج مقاتلوها منه الى الخارج وكانوا مسلحين بعدد كبير من مدافع آر.بي.جي. وشاهدتهم مراقبة يخرجون من بطن الارض مثل "مناجذ واحدا واحدا"، كما وصف ضابط من الجيش الاسرائيلي ما رآه. فاستصرخت القوات فجاءوا من أغوز ومغلان واللواء 401 وكتيبة الدوريات البدوية.

من المنطق أن نفرض أن المهمة التي ألقيت على تلك القوة من حماس كانت الدخول الى كيبوتس صوفا وأخذ رهائن والقتل والخطف. ولا يبعد باب النفق سوى بضع مئات من الامتار خارج الكيبوتس. وحدث شيء مشابه في كيرم شالوم.

ومن المنطق أن نفرض أن أنفاقا مشابهة تؤدي الى قرب أسوار بلدات اخرى على الخط الحدودي. فاذا حدثت آخر الامر عملية برية للجيش الاسرائيلي فسيكون أحد أهدافها الكشف عن الأنفاق.

شارك 13 مخربا في العملية، وحينما أدركوا أنهم لاحظوهم حاولوا العودة سريعا الى داخل النفق فأصابتهم قذيفة صاروخية أطلقت من الجو.

جرأة المحاصرين

إن المقارنة بين حزب الله في 2006 وحماس في 2014 مطلوبة. وليس من المؤكد أنها في مصلحة نصر الله، فان ايران وسوريا، وهما حليفتان قويتان دعمتا حزب الله بالسلاح والدعم العسكري والدعم السياسي؛ أما حماس في مقابل ذلك فدخلت العملية وهي معزولة ومحاصرة. واستطاع حزب الله واستطاعت حماس ايضا أن يطلقا صواريخ حتى آخر لحظة، لكن نصر الله استجدى وقف اطلاق النار أما حماس فلا تستجدي كما يبدو بل تتعوج وتساوم وتناضل.

إن الاختلافات بين قيادة حماس في الخارج وقيادتها في غزة وبين الذراع السياسية والذراع العسكرية من المؤكد أن لها دورا في استطالة القتال. لكن يصعب أن نفرض أن هذه هي الحكاية كلها. فحماس تقاتل لأنه لا مكان تنسحب اليه فظهرها الى البحر لا بسبب معطيات غزة الجغرافية فقط بل بسبب المعطيات السياسية في الأساس لأن الجميع حاصروها: مصر واسرائيل والجامعة العربية والسلطة الفلسطينية.

إن جرأتها هي جرأة المحاصرين، وهي جرأة من لا مناص لهم. وإن عدم وجود مفر هو ورقة مساومة ممتازة.

أعدني واحد من كبار قادة الجيش الاسرائيلي هذا الاسبوع في اللحظة التي تُحرز فيها التفاهمات ويوقف اطلاق النار فقال: "ستوجد خطبة انتصار من غزة تكون أكثر تأثيرا وأكثر فخامة من خطب نصر الله. وستغضبنا الخطبة. وستخرج مظاهرات تأييد جماعية ومظاهرات انتصار في غزة وفي اماكن اخرى. وستثير المظاهرات غضبنا. وبعد ذلك سيتأمل الغزيون ما حدث لهم جيدا ويصفوا حسابهم مع حماس. لا أعلم كيف ستنتهي العملية وهل نُدخل القوات البرية أم لا. إنني أعلم من الذي انتصر".

وأنهى كلامه بهذه اللهجة المتفائلة.

سُم للجنرالات

يصعب على ايفيت ليبرمان أن يتحمل اللحظة التي تملأ الغرفة فيها مجموعة من ضباط الجيش، ويُخرج أحدهم وهو في العادة أدناهم رتبة، يُخرج حاسوبا ويستعمله على الطاولة بدقة تناسب ضابطا خبيرا بالمتفجرات يفكك قنبلة متكتكة. وهو يصل الحاسوب بشاشة العرض ويضغط زرا أو اثنين واذا لم يقع خلل غير متوقع تظهر في الشاشة لوحة عرض وبعدها لوحة اخرى ثم لوحة اخرى. وتظهر رسوم بيانية وأسهم وخرائط ونصوص ومصباح سحري. ويتحرك كل شيء في الشاشة: فالقوة أ تشق طريقها من اليمين، والقوة ب تهجم من اليسار، والقوة ج تغطي من الخلف. لكن كل شيء واقف في الواقع كما يشعر ليبرمان. وهو شديد البغض لهذه الالواح الملونة بحيث يفضل أن يدخل جلسات المجلس الوزاري المصغر بعد أن ينتهي عرض الالواح البيانية.

يمكن تفهم قلة صبر ليبرمان على طقوس عرض الالواح البيانية، فقد كان اريئيل شارون ايضا يكره ذلك، فحينما كان يزور وحدات عسكرية كانوا يُجلسونه الى مائدة كبيرة ويطفئون الضوء ويعرضون لوح العرض الاول الذي يكون على نحو عام تحية مؤثرة مزينة كبطاقة معايدة لرئيس الوزراء واحتفالا بزيارته للوحدة س. وبعده في سلسلة الواح العرض تفصيل مُجِّد لانجازات الوحدة. وكان وجه شارون يكتسي تعبيرا معذبا مثل ثور يساق الى المذبح، وكان يجد عزاءه في طبق الشطائر.

يريد ليبرمان أن يجلس في مجلس وزاري مصغر قواعد اللعب فيه واضحة يكون العسكريون فيه متسرعين الى المعركة، ومؤمنين بالحسم بقوة السلاح، وجوعى للعمل في كل حال وكل كلفة. وحينما يبحث المجلس الوزاري المصغر في عملية في غزة فمهمتهم هي أن يحثوا على التصعيد والتوسيع والحسم وأن يملأوا الطاولة بخطط ويناضلوا للموافقة عليها، لكنه يلاقي بدل ذلك ضباطا حذرين واعين ومقدرين للامور. ويقول أحد المشاركين في المجلس الوزاري المصغر إنه قذف الضباط بالجملة التي كتبها موشيه ديان في كتابه "يوميات معركة سيناء". والكتاب الذي صدر في 1965 هو نسخة موسعة من يوميات حرب ديان يصف فيها ديان مواجهتين عسكريتين مختلفتين في مناطق مختلفة في سيناء في 31 تشرين الاول 1956. كان يفترض أن يحتل اللواء العاشر، وهو لواء قوة احتياط، المواقع المصرية في أم كتف؛ وكان يفترض أن يُموضع اللواء 35، وهو لواء المظليين النظامي (الذي كان يسمى آنذاك 202)، أن يموضع نفسه عند مدخل ممر المتلة. وفشل اللواء العاشر وقدم قدرا كبيرا من الأعذار للفشل؛ وعمل اللواء 35 بخلاف الاوامر العسكرية فدخل المعبر بذرائع باطلة فاعترضه كمين مصري تغلب عليه فدفع عن ذلك حياة 38 مقاتلا.

ونقل ديان شموئيل غودير، قائد اللواء العاشر، من عمله؛ ولم يمس اريك شارون قائد اللواء 35. وكتب ديان يقول: "إن نضال خيول أصيلة حين تكون المشكلة كيف تكف جماحها أفضل من حث واستعجال ثيران ترفض التحرك". وأثار هذا الكلام في حينه اختلافا شديدا في الرأي. وفي 1967 تولى شارون قيادة قوة من الجيش الاسرائيلي احتلت مواقع أم كتب، وبذلك أغلقت الدائرة.

بيد أن العالم تغير الآن وتغيرت الحروب فانقضى سحر الاحتلال، وأصبح حسم الحروب نادرا وهو يستتبع على نحو عام تورط الجيش المنتصر مع الارهاب وتكاليف الاحتلال. واذا وُجد مجد فهو مؤقت. وكانت آخر مرة خرج فيها زعيم أو رئيس هيئة اركان اسرائيلي رابحين من نصر في معركة بعد انتهاء حرب الايام الستة في حزيران 1967. وكل المعارك العسكرية التي جاءت بعد ذلك – ما عدا عملية "السور الواقي" – انتهت في أحسن الحالات الى خيبة أمل وفي اسوأها الى حال كئيب.

ولا يقف هذا الدرس عند حدود اسرائيل فقد تعلمه الجنرالات الامريكيون في فيتنام وفي كل حروبهم منذ ذلك الحين. فالحرب سُم للجنرالات. وقد انقضى أمد المواد التي بنت مجد مونتغومري وباتون وماك آرثر وآيزنهاور وجاكوف وكثيرين آخرين. وحينما احتار الرئيس اوباما في شأن الحرب الاهلية في سوريا، خرجت أقوى جماعة ضغط تعارض التدخل الامريكي من البنتاغون والمؤسسة العسكرية. ويُخيل إلي أن هذا يصح حتى على بوتين. ففي خلال الازمة في اوكرانيا ابتلع شبه جزيرة القرم دون صعوبة. وقد كنت هناك وقد حدث استيلاء لكنه لم تكن حرب، لكن حينما حاولت العصابات المسلحة الموالية لروسيا أن تجرها الى حرب في شرق اوكرانيا، تحفظ الجنرالات وانسحب الجيش الى الوراء.

إن جيش بني غانتس لا يُهيج حروبا بل هو مقاول تنفيذ. ولو أمرته الحكومة بأن يُدخل قوات الى غزة لأدخلها ولقاتل في نطاق تحدده الحكومة، فالقوات مستعدة، يجب اصدار أمر لها فقط. وقد قال لي أحد الضباط: اذا كان ليبرمان لا يحب ألواح العرض فسنأتيه بورق مقوى للتعليق بلا حائط كان يستعمله الجيش الاسرائيلي في الماضي، وسنأتيه بطاولات رمل وبما يريد.

يرفض الجيش الاسرائيلي أن يفعل شيئا واحدا وهو أن يكون ذريعة المستوى السياسي الى عدم الرغبة في توسيع القتال. وقد ظهر غانتس مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع في تصريحات في التلفاز في يوم الثلاثاء. ولم يكن عرضيا أن اهتم بأن يذكر في كل جملة من ثلاث جمل أن الجيش الاسرائيلي يعمل ولا يعمل "بحسب توجيهات المستوى السياسي".

وفي شأن ليبرمان، حتى لو لم ينجح في أن يفرض على المجلس الوزاري المصغر احتلال غزة فانه حصل على نقاطه فقد أحل نفسه في مقدمة معسكر الفعالين. وإن حقيقة أن اقتراحاته لم تُفحص على الارض زادتها جاذبية فقط. وبقي نتنياهو وحده ليس معه سوى يعلون.  وخاف عضو المجلس الوزاري المصغر جلعاد اردان الذي أيد هذين الاثنين في جلسة المجلس الوزاري المصغر – كيف لا يؤيد وزير من الليكود رئيس الوزراء ووزير الدفاع من حزبه في اثناء عملية عسكرية – ونشر اعلانا يطلب توسيع العملية بعد الظهر.

يعرف نتنياهو الحساب السياسي: فليست الحروب سُم الجنرالات فقط، فقد أضرت حرب لبنان الثانية ضررا شديدا باهود اولمرت برغم أن الجيش الاسرائيلي يراها انجازا اليوم؛ وأضرت "الرصاص المصبوب" بلفني؛ وأبعدت "عمود السحاب" ناخبين عن الليكود وكانت علامة على بدء ارتفاع شأن بينيت.

إن طريقة ادارة نتنياهو للعملية وسعت الصدوع في علاقاته بالوزراء. إن رئيس الوزراء يحظى على العموم باجلال وزرائه ولا سيما في فترات الطواريء، لكن الاجلال والتكريم وليّا هذا الاسبوع.

          إن عزل داني دنون لم يُعد الى نتنياهو السلطة التي ضاعت. إن دنون كريه الى اعضاء كتلته الحزبية. وهم غاضبون من هجماته ويحسدونه على المال الذي يتلقاه بصفته رئيسا لليكود العالمي. وكانوا يتوقعون أن يُنبذ منذ زمن، لكن آخر شيء أرادوه هو أن يُنبذ بسبب شأن موقفه منه ذو شعبية. فبدل أن يهدم نتنياهو دنون بناه.

 

       ليعمل المال

 

          "أول سؤال يقلق انسانا يعيش في الجنوب هو أين الملجأ القريب"، يقول رئيس لجنة الخارجية والامن، زئيف إلكين. "والسؤال الثاني أين الاولاد. والسؤال الثالث كم يكلفني ذلك ومن يدفع إلي عن ذلك".

 

          حاول إلكين منذ أن بدأت العملية أن يعطي جوابا عن السؤال الثالث فعمل مع موظفي الخزانة العامة الذين عرفوا أنهم سيضطرون الى أن يدفعوا، لكنهم حاولوا كسب الوقت. لماذا؟ لأن ذلك في مورثاتهم الجينية، يقول عوفر شيلح، الذي حاول أن يساعد. وهم في الخزانة العامة يسلكون في أحيان كثيرة سلوك ذلك العراقي الذي أصر على السفر في سيارة أجرة لا في باص. لماذا؟ لأنهم في الباص يدفعون في البداية وفي سيارة الأجرة في النهاية. فليعمل الماس.

 

          عقد إلكين هذا الاسبوع ثلاثة اجتماعات في لجنته كي يضطر الخزانة العامة الى تسريع المسار. ويقول: "يستقر رأي الدولة على اغلاق المخيم الصيفي الذي يذهب الاولاد اليه لاسباب أمنية، فيجب على المواطن أن يبقى في البيت ليحرسهم. وهو يطلب الى رب عمله أن يأخذ ذلك في حسابه، فيقول رب العمل كيف أدفع إليه أجرا اذا لم تعوضني الدولة. وهم يطلبون إلي أن أدفع الضرائب في الوقت، ويلزمونني بدفع الحسابات في الوقت، لكنهم يقولون بشأن ما الدولة مدينة به لي: لماذا العجلة، لنتحدث بعد الحرب".

 

          دُعي وزير المالية لبيد الى المشاركة في الاجتماع أول أمس فلم يأت، فقد قال العاملون معه إنه مرهق، كان يشارك في اجتماع المجلس الوزاري المصغر حتى الثالثة صباحا. وهذا هو ما جرى على كل الوزراء الكبار طول العملية، فقد كانت مباحثات طويلة تطول ساعات بعد منتصف الليل انتهت الى لا شيء وجعلت من الصعب عليهم أن يعودوا الى العمل في الغد. وحينما لم يُجمع المجلس الوزاري المصغر جُمع مجلس أصغر دون لبيد وبينيت لكن مع لفني وليبرمان.

 

          وفي النهاية وافقت الخزانة العامة على أن تطبق على المنطقة التي أُعلنت فيها حالة خاصة كل الترتيبات التي تقررت بعد عملية "عمود السحاب"، فالأجراء سيُعوضون وسيُعوض اصحاب الاعمال. وسيكون مسار اخضر ومسار احمر. فأما في المسار الاحمر فسيعوض اولئك الذين يأتون بوثائق تُبين الضرر الذي حل بهم. وأما في المسار الاخضر فسيعوضون بناءا على تصريحات، وسيحدد مقدار التعويض بتفاوض.

 

       على إثر هجوم كلامي

 

          حضر الرجل وهو يلبس معطف اعمال رماديا وقميصا ابيض مفتوح أمام عدسة التصوير، وتنفس قليلا بسبب الجهد وقال: "نحن هنا عند مدخل عسقلان. في هذا الصباح وقع هنا صاروخ غراد. وهذا يقول كل شيء. وقد حدثت هنا معجزة بالصدفة، بالصدفة فقط، فلم يصب الاولاد الذين أرَوْني الشظايا، لكننا لا نستطيع الاعتماد على المعجزات. نحن نحتاج الى عملية والعملية هي إزالة التهديد".

 

          وتوقف الرجل قليلا ليتنفس وقال: "توجد عملية واحدة تفعل ذلك وهي إسقاط سلطة حماس في غزة. حذرت من دولة حماس قبل بضع سنين؛ وحذرت من انه ستقع هنا صواريخ من غزة، فاستخفت تسيبي لفني وكديما بذلك، واستهانوا بهذه التهديدات. وقالوا إننا سوداويون وإننا نخيف الشعب".

 

          سارت شاحنات في طريقها الى المدينة من وراء هذا الرجل في تشويش هادر، لكن ذلك لم يؤثر فيه. "تبين أننا كنا قادرين على أن نرى رؤية صحيحة ما لم يستطيعوا أن يروه لعماهم. وهم فضلا عن أنهم لم يروا الخطر أظهروا الضعف عنه حينما نشأ. فصنعوا تهدئة وهيأوا لحماس أن تتسلح بصواريخ. وفي النهاية حينما دخلوا لتنفيذ عملية – وقام الجيش الاسرائيلي بعمل منقطع النظير – أوقفت تسيبي لفني وحكومة كديما الجيش الاسرائيلي قبل إتمام العمل.

 

          "أريد اذا أن أقول هنا والآن: لن نوقف الجيش الاسرائيلي وسنكمل العمل. وسنعيد الأمن الى سكان عسقلان وسكان اسدود وسكان سدروت وسكان بئر السبع. ونعيد الأمن الى سكان اسرائيل".

 

          ولان صوت الرجل، كما يتحدث بعض كبار السن الى النساء والاولاد. "حينما وقفت اليوم في مكان الاصابة تقدمت إلي أم تحمل طفلة صغيرة عمرها سنتان والطفلة تبكي. وقالت: أنظروا اليها، أنظروا اليها، إنها خائفة تبكي خوفا. وقالت: ساعدونا، ساعدونا".

 

          وسخن صوته مرة اخرى وقال: "أريد اذا أن أقول لكل الأمهات في اسرائيل: سنسقط سلطة حماس وسنأتيكن ونأتيكم بالأمن".

 

          كان التاريخ 3 شباط 2009 بين عملية "الرصاص المصبوب" التي انتهت قبل ذلك باسبوعين وانتخابات الكنيست التي تمت بعد ذلك باسبوع. وكان الاطار دعاية الاحزاب وكان المتحدث بنيامين نتنياهو الذي فاز برئاسة الوزراء بعد الانتخابات.

 

          صحيح أن الامور التي ترى من هنا لا ترى من هناك. وبرغم ذلك فهناك مكان لسؤال مبدئي وهو ما الذي يحدث في رأس سياسي حينما ينثر وعودا لا وفاء بها. هل هو ساخر خالص لا يصدق أية كلمة تخرج من فمه؟ وهل يقنع نفسه بأنه في الحاصل العام آلة رسائل، فرسالة تنجح في فترة الانتخابات ورسالة مضادة تنجح بعدها؟ وهل يضلل ناخبيه عن جهل وغفلة؟.

 

          يُخيل الينا في حالة نتنياهو أن الاجوبة الثلاثة فيها من الحقيقة لكن لا الحقيقة كلها. بنى نتنياهو حياته السياسية على مكافحة لا هوادة فيها للارهاب، وانشأ معهدا وكتب كتبا وخطب خطبا. وكان سلاحه الكلمات والكلمات والكلمات. واستمر على استعمالها في مكتب رئيس الوزراء، فقد أسقط حماس مرة بعد اخرى بخطبه ولم يترك لها ذكرا، لكن الواقع كان موجودا بعيدا من هناك في عالم موازٍ.

 

          تصف احدى القصص البطولية في الكتاب المقدس احتلال يهوشع بن نون لأريحا. وقد نفخ بنو اسرائيل في الابواق سبعة ايام أمام أسوار المدينة وفي اليوم السابع انهارت الأسوار. لكن من المفاجيء جدا أن الأبواق لا تكفي أمام غزة.

انشر عبر