شريط الأخبار

الجيش الإسرائيلي ينجر الى غزة- هآرتس

03:29 - 18 تموز / يوليو 2014

بقلم: عاموس هرئيل

 حملة "الجرف الصامد" انتقلت أمس إلى مرحلتها الثانية، حين اجتاحت قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي أراضي قطاع غزة. وقد سبق الاجتياح البري قصف كثيف بالمدفعية. في بيان أصدره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قيل ان الحملة تأتي لمعالجة الانفاق الهجومية على حدود القطاع وأنها ستستمر حتى تحقيق اهدافها في "اعادة الهدوء لفترة طويلة في ظل توجيه ضربة ذات مغزى لحماس ومنظمات الارهاب". نتنياهو، وزير الدفاع يعلون ورئيس الاركان غانتس لم يرغبوا في عملية برية، ولكنهم انجروا اليها تحت استمرار نار حماس وفي ضوء رفضها وقف النار. واتخذ نتنياهو حتى الان جانب الحذر من الدخول الى الافخاخ التي اندفع اليها سلفه، ايهود اولمرت.

ولا يزال، ليس كل اجتياح بري هو بالضرورة احتلال القطاع. يمكن ادارة حملة محدودة، محاولة جباية ثمن من حماس دون التورط في القطاع لاشهر طويلة. وقد دخلت القوات الى القطاع بعد خطوة تضليل حين بلغت وسائل الاعلام عن جلسة مجلس وزاري دراماتيكي تنعقد في الصباح فقط. ليس مؤكدا أن حماس وقعت في الفخ. فبعد كل شيء كان بالذات الوزير الوطني نفتالي بينيت هو الذي تمنى منذ بعد الظهر النجاح للجنود في ضوء التحديات التي بانتظارهم.

وفجر أمس حاولت المنظمة بشكل شبه يائس تحقيق صورة انتصار لها، قبل لحظة من دخول وقف النار الانساني الى حيز التنفيذ والذي اتفق عليه الطرفان. فالعملية التي احبطت في اللحظة الاخيرة في النفق قرب كيبوتس صوفا على حدود القطاع حرمت المنظمة من هذه الصورة. ومثل محاولة العملية عند اندلاع التصعيد، في النفق في كرم سالم في 7 تموز، يبدو أن محاولات المفاجأة التي تقوم بها المنظمة تتفجر حتى الان على سور الدفاع الاسرائيلي. في الساعة الربعة والنصف فجرا، بينما كان يحاول رجال المخابرات العامة المصريين التوسط في القاهرة بين الوفدين من اسرائيل ومن غزة، لاحظت نقاط المراقبة لدى الجيش الاسرائيلي 13 شخصا يخرجون من فتحة صغيرة في الارض قرب صوفا، في الطرف الجنوبي من القطاع. رجال حماس، الذين يبدو أنهم  لاحظوا حركة عسكرية شاذة، عادوا ليهربوا الى فتحة النفق، ولكن هذه فجرها سلاح الجو. وقال الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي العميد موطي الموز انه لولا الرد السريع والناجع للقوات في الميدان "لاستيقظنا على صباح آخر". وبتقديره، كان المخربون في طريقهم "لحملة قتل واختطاف" في الكيبوتس المجاور. وبتقدير الجيش والمخابرات بقي عدد كبير نسبيا من الانفاق التي حفرت من تحت الجدار ولها فتحات خروج داخل اراضي اسرائيل. الى جانب الهجوم في غزة تتواصل المساعي في القاهرة، حيث يمارس المصريون ضغطا شديدا على قيادة حماس للموافقة على وقف النار بالشروط التي كانت مقبولة من اسرائيل أيضا. وقد ترك المصريون المفاوضات لبضعة ايام، ولكنهم عادوا عندما اكتشفوا بان قطر وتركيا تحاولان تحريك خطوة وساطة خاصة بهما. فتحقيق الهدوء بين اسرائيل وغزة هو الاختبار الدولي الاول للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي يحاول العودة الى تثبيت مكانة بلاده كقوة عظمى في العالم العربي. وسيكون من الصعب على قيادة حماس السياسية إعادته خالي الوفاض. ولكن الجواب النهائي موجود على ما يبدو عند رجال واحد هو رئيس الذراع العسكري للمنظمة، محمد ضيف.  

ضيف، الذي يقترب من سن الخمسين، يعتبر احد قادة الذراع في القطاع منذ منتصف التسعينيات. وفي تلك السنين، وبقوة اكبر، في الانتفاضة الثانية، حاولت اسرائيل تصفيته عدة مرات. وقد خرج من هذه الاغتيالات بصعوبة ولكنه انتعش من جراحاته وعاد لقيادة الذراع العسكري بعد تصفية زعيمه، احمد الجعبري، على ايدي سلاح الجو في اليوم الاول من حملة "عمود السحاب" في تشرين الثاني 2012.

تتخذ القرارات في حماس في منظومة معقدة من التوازنات بين القيادة السياسية في غزة (اسماعيل هنية)، القيادة السياسية في الخارج (خالد مشعل في قطر وموسى ابو مرزوق في مصر) والقيادة العسكرية في القطاع. وليس مثل الجعبري، فان علاقات ضيف مع القيادة السياسية في حماس مشحونة جدا على ما يبدو. وهو يعتبر اليوم المقرر والاكثر نفوذا من شريكه في قيادة الذراع العسكري، مروان عيسى، وهو الذي قاد القرار لتصعيد القتال ضد اسرائيل بكسر الحصار الاستراتيجي والاقتصادي الذي تعيشه حماس في القطاع.

وضيف هو الاخر يتخذ الخط الصقري الان لتقديره بانه يمكن للمنظمة أن تنتزع المزيد من الانجازات السياسية والعسكرية قبل أن توافق على وقف النار. وليس صدفة على ما يبدو أن تكون ألوية حماس التي تنفذ الان أساس الاعمال الهجومية هي الالوية الجنوبية في خانيونس وفي رفح والتي تخضع بقدر اكبر لنفوذ ضيف، مواليد خانيونس. ويمكن لمحاولة العملية في النفق ان تتبين كمبادرة له بهدف احباط التسوية ايضا. وحسب وسائل الاعلام العربية، فانه بعد محاولات التصفية الاسرائيلية بقي ضيف شبه ضرير، يعاني من مصاعب في السمع وفي المشي. ولكن يحتمل أن تكون هذه الصعوبة في الاتصال مع العالم الخارجي هي بالذات ما تسمح له بان يصر على موقفه المتصلب حيال خصومه في المنظمة.  

لقد سبق أن كتب هنا بأن تحقيق وقف النار هو تقريبا موضوع عربي داخلي، يتعلق بتسوية الخلافات بين حماس ومصر والسلطة الفلسطينية. ولكن يجري ايضا صراع قوى شخصي بين السيسي وضيف. ويبدو أن صبر الجنرالات المصريين ينفد. فقد سبق أن هددوا في الماضي بمهاجمة قطاع غزة بالمروحيات. ويمكن أن نرى موقف النظام الجديد في القاهرة من استخدام القوة في الشكل الذي يدمر فيه احياء في الطرف المصري من رفح في الاشهر الاخيرة في صراعه ضد انفاق التهريب الى القطاع. وكيفما اتفق، فان هذه الخطوات لاقت لامبالاة حتى اليوم من الاسرة الدولية.  

وحتى لو نجح المصريون في مساعيهم لانهاء "الجرف الصامد" فان هذه الحملة لا يمكنها أن تعتبر نجاحا اسرائيليا. فمنظومة اعتراض الصواريخ، القبة الحديدية هي التي منعت حتى الان تورطنا في خلل استراتيجي في غزة. فقد قلصت القبة الحديدية في الحد الادنى الخسائر في اسرائيل من أكثر من 1.400 صاروخ اطلق من غزة، بردت دم القادة واحبطت أفكارا عابثة لاعادة احتلال القطاع. ونجح الجيش الاسرائيلي حتى الان في الدفاع ضد الصواريخ، التسللات عبر الانفاق، الغواصين والمخربين الذين خططوا للهجوم.

الصورة الهجومية أقل تشجيعا: قسم فقط من مخزون الصواريخ لدى حماس والجهاد الاسلامي للمدى المتوسط دمرت في الهجمات (وشعبة الاستخبارات تعترف بانه تنقصها المعلومات عن مكان بعض منها). والقيادة العسكرية العليا في المنظمات لم تصب بأذى. ورغم خطابية رئيس الوزراء، وزير الدفاع والجنرالات عن الضرر الذي تكبدته حماس في المواجهات المختلفة، مشكوك أن تكون المنظمة قد ضعفت حقا بين جولة واخرى. في الماضي نجحت حماس في عدد الصواريخ التي لديها وفي مداها، بين "الرصاص المصبوب" في 2009 و "عمود السحاب" في 2012 ومنذئذ وحتى اليوم. يحتمل أن الامر سيكون أصعب عليها الان لان مصر تغلق الانفاق وعلاقاتها من موردة السلاح المركزية، ايران، تعقدت على خلفية الحرب الاهلية في سوريا. أما الصواريخ من انتاج محلي فهي بشكل عام أقل فتكا وأقل دقة. وعملية التزود بها هي الاخرى أطول زمنيا. ولا يزال، يحتمل أن يكون ضيف ورفاقه سيرون انتصارا في المواجهة الحالية اذا ما انتجت تسهيلا في الحصار وامتيازات اقتصادية للقطاع. ومنذ البداية كان الردع مفهوما سائلا، صعبا على التعريف، لا توجد أي امكانية للتقدير بشكل علمي مدة تأخيره. والقصة لا تبدأ ولا تنتهي بشدة القوة التي تمارسها اسرائيل.

في السنوات الاخيرة تباهى الجيش الاسرائيلي بالثورة الشاملة في صفوف شعبة استخباراته. فقد تعاظمت التغطية الاستخبارية الاسرائيلية بفضل التحسينات التكنولوجية وغيرها، رغم كثرة الساحات الجديدة التي احتاجت العلاج، من سيناء وحتى المنظمات الجهادية في سوريا. كما انتهجت شعبة الاستخبارات ما يسمى بالقتال الاستخباري الذي أساسه التدفق الناجع للمعلومات في الزمن الحقيقي، حتى الى مستوى الميدان. وقد بدت هذه التغييرات ملموسة جيدا في الحملات الاخيرة وفي المعركة التي بين المعارك ايضا، تلك الحملات الخفية التي تخوضها اذرع الاستخبارات خلف الحدود.

ولكن في هذه الانجازات يكمن خطر ايضا. فقد عانت اسرائيل غير مرة في الماضي من الغرور الاستخباري – الاعتقاد بان الاستخبارات تعرف تقريبا كل شيء ويمكنها دوما أن تقدر وتحبط مسبقا نوايا الخصم. ويتعرض السياسيون على نحو خاص لمثل هذا الخطر لان الاستخبارات الجيدة تقلص ظاهرا مجال عدم اليقين الذي يعملون فيه، وبالتأكيد حين تكون حاجة لاتخاذ قرارات حياة أو موت مثل الدخول في عملية برية. كما أن جولة العنف الحالية ايضا تكشف هنا وهناك عن نقاط ضعف التغطية الاستخبارية وقيود التوقع. وهذه ظاهرة تحتاج الى الحذر حتى بعد ان تنتهي هذه الجولة. فالشرق الاوسط مرشح الان لهزات استراتيجية اكثر من الماضي مثلما تثبت انعطافات كهجمة داعش في العراق ونجاح نظام الاسد في مواصلة الصمود في سوريا.

لقد جاء القرار (المتأخر بحد ذاته) في 2007 للتزود بمنظومات القبة الحديدية في وجه تهديد بدا حتى في حينه محدودا في حجمه مقارنة بما انكشف مؤخرا. وشدد معارضو المشروع في حينه على الكلفة العالية لكل صاروخ اعتراف – نحو 50 الف دولار – مقابل العدد الكبير والكلفة المتدنية للصواريخ التي لدى الفلسطينيين، ناهيك عن تلك التي لدى حزب الله. وحتى ساعات المساء من يوم أمس اطلق في حملة "الجرف الصامد" اكثر من 300 صاروخ اعتراض. وحتى لو كانت الكلفة العامة للنار تجاوزت 60 مليون شيكل مشكوك أن يكون بوسع احد التشكيك بالمنفعة التي في هذا الانفاق، في توفير الارواح ولكن ايضا في غيرها من الكلفة التي كانت ستنبع مثلا من الخروج المبكر الى حملة برية كبيرة تحت تأثير الخسائر في الجبهة الداخلية.

ان القيادة الاسرائيلية، تحت عبء دائم من المخاطر والنقص المستمر في الميزانية، تعاني احيانا من سوء تقدير للتهديدات. كان هذا صحيحا في قضية الصواريخ التي ظهرت فيها مفاجآت وفجوات معرفة حتى في الحملة الحالية وهذا صحيح في مسألة التزود بكمامات الغاز. ففي بداية السنة أوقف المجلس الوزاري توزيع كمامات الغاز عقب تفكيك مخزونات السلاح الكيميائي في سوريا. ولكن جهاز الامن يعتقد بانه يحتمل ان تكون تبقت في سوريا كميات صغيرة من السلاح الكيميائي وربما ايضا لدى منظمات اخرى في المنطقة. في نهاية المعركة في غزة سيتعين اعادة النظر في هذه المسألة ايضا.

انشر عبر