شريط الأخبار

بنك الجلد الإسرائيلي: جثامين الشهداء في خدمة القاتل

07:20 - 09 حزيران / يونيو 2014

غزة - وكالات - فلسطين اليوم

صاحب الأرض مستهدف برصاص المحتل وجرافاته، فالأرض الفلسطينية ليست وحدها التي يتم سرقتها، بل جلود الشهداء أيضاً، هذا ما كشفته مديرة بنك الجلد الإسرائيلي، ملكا شآووت، في التحقيق التليفزيوني الذي بثته القناة العاشرة الإسرائيلية في شهر مارس/آذار الماضي، إذ أكدت بأن احتياطي إسرائيل من "الجلد البشري"  قد وصل إلى 170 متراً مربعاً.

الرقم السابق لمخزون إسرائيل من الجلد البشري والمحفوظ داخل "بنك الجلد الإسرائيلي"، أنشئ عام 1985، يثير مخاوف من  اعتماد الاحتلال على جثث الشهداء الفلسطينيين والعمال الأفارقة في الحصول على قطع الغيار البشري، نظرا إلى أن هذه الأمتار المربعة من الجلد البشري لا تتناسب مع عدد السكان في إسرائيل، إلا أن "بنك الجلد الإسرائيلي" تحول إلى أكبر بنك جلد في العالم على الرغم من أن عدد سكان إسرائيل أقل كثيراً من الولايات المتحدة الأميركية، والبنك الإسرائيلي أنشئ بعد 40 عاماً من إقامة "بنك الجلد الأميركي".
تحقيق القناة العاشرة الإسرائيلية يوضح أسباب تصدر إسرائيل المرتبة 33 من أصل 55 دولة أوروبية في زراعة الأعضاء، مقارنة بعدد السكان وفقاً لتقرير لجنة زرع الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية نهاية عام 2007، وهو التقرير الذي وضع إسرائيل أيضاً في الدرجة 18 بالنسبة إلى زراعة القلب، الذي لا يمكن أخذه إلا من شخص تُوفي حديثاً. والمفارقة هي أن إسرائيل تحتل المرتبة الثالثة في رفض سكانها التبرع بالأعضاء حسب التقرير المذكور.

ترجع فكرة إنشاء "بنك الجلد الإسرائيلي" كإحدى نتائج حرب عام 1973، لعلاج الجنود الإسرائيليين الذين أصيبوا بحروق خلال المعارك، وقد تأخر إنشاء البنك إلى عام 1985، بعد أن أفتى مجلس الحاخامات الرئيسي بمشروعيته، وأثبت البنك جدواه خلال الانتفاضة الثانية في إنقاذ حياة كثير من الإسرائيليين الذي أصيبوا بحروق شديدة جراء الهجمات التفجيرية حسب مصادر طبية إسرائيلية متخصصة بعلاج الحروق.

"بنك الجلد الاسرائيلي"، خير دليل على الاستخدام الواسع لأعضاء انتزعت من جثث أشخاص، ليس بإمكان أحد الحديث باسمهم، على حد تعبير الصحفي الإسرائيلي، غاي ماروز، خلال تحقيق القناة العاشرة الإسرائيلية.

البرفيسورة، مئيرة فايس، التي عملت سابقاً بمعهد الطب العدلي الإسرائيلي تقول: لقد أجريت مقابلة مع مدير معهد الطب العدلي الذي سبق البروفيسور، يهودا هس، وقال، إنهم ضغطوا عليه كثيراً، لكي يوافق على أن يكون المعهد العدلي مصدراً لبنك الجلد الذي سيتم إنشاؤه، إلا أنه رفض، وقال لي، إن رفضه كان سببا كافياً لإقالته، وقد وافق من جاء بعده على أخذ الجلد".

وتُقر، فايس، أمام كاميرات القناة العاشرة الإسرائيلية أنه تم أخذ أعضاء من جثث الفلسطينيين قائلة: في السنوات التي كنت أعمل فيها هناك، تم أخذ أعضاء من جثث، ونقلها إلى بنوك أعضاء متعددة. وبالإضافة الى كل المهمات الملقاة على عاتق المعهد العدلي، فإن المعهد يزود بنك الجلد الاسرائيلي بأعضاء بشرية"، مشيرة إلى أن البنك يتبع جيش الدفاع الاسرائيلي، مضيفة: لم يأخذوا أعضاء من الجنود، كانوا يأخذون من الآخرين. وفي فترات محددة تم أخذ أعضاء من الفلسطينيين، ثم المهاجرين الجدد، ثم من العمال الأجانب.

مخاوف حقوقية
 
ويصف مدير مؤسسة الحق الفلسطينية شعوان جبارين، شهادة فايس، بالشهادة الصادرة من جهة رسمية مختصة التي لا يمكن لأحد تجاهلها "يجب أن يُعد ملف على ضوء شهادة فايس، ودراسة الخيارات المتاحة للتحرك سواء بالتوجه الى محاكم دولية أو وطنية". مضيفاً "اعتراف فايس، شهادة واضحة يمكن أن تشكل أساساً من جهة لإدانة الجانب الاسرائيلي، ومن جهة أخرى للمطالبة بالحقوق الفلسطينية".

وحسب جبارين، "فمن الممكن ملاحقة اسرائيل قانونياً وفقاً لاتفاقية جنيف التي تنص على أن اخضاع الأشخاص لاختبارات طبية يشكل جريمة حرب أو انتهاكاً جسيماً، وما يجري من نزع للأعضاء وغيرها تشبه بالضبط إجراء الاختبارات الطبية عنوة".

وبالعودة الى تحقيق القناة الإسرائيلية،  يعترف رئيس المعهد العدلي الاسرائيلي السابق البروفيسور يهودا هس، بانتزاع أعضاء من جثث الفلسطينيين: لقد أُخذت أنسجة وأعضاء، من جثث خضعت للتشريح سواء أكانوا عمالاً أجانب أم فلسطينيين، وغالبية جنود جيش الدفاع لم تخضع للتشريح، وعندما لا يتم إجراء تشريح لا يتم أخذ أنسجة أو أعضاء.
 
الصحفية الاسرائيلية أورلي فلنائي، هي الأخرى أكدت بأن: استخدام جثث الجنود، تم فقط في حالات شاذة، فغالبية الأعضاء التي تم انتزاعها داخل المعهد أخذت من أشخاص آخرين، ليسوا بالضرورة إسرائيليين، وهذه المعلومات كان من المهم  إخفاؤها بالنسبة للمنظومة.



دلالة تاريخية

بالمقارنة بين تاريخ إنشاء البنك في عام 1985، وظاهرة جلب العمال الأجانب إلى إسرائيل، والتي برزت في مطلع عقد التسعينات بعد فرض سياسة الإغلاق على الضفة الغربية، فإنه بالإمكان الاستنتاج أن "بنك الجلد الاسرائيلي" اعتمد بشكل أساسي على انتزاع الجلد من الفلسطينيين، كون العمال الأجانب وصلوا بعد تاريخ الإنشاء بخمسة أعوام.

ومهما تكن نسبة الوفيات في أوساط العمال الأجانب في إسرائيل فإنها لم تتجاوز المعدلات الطبيعة، وغالبية أولئك العمال وصلوا إسرائيل عبر عقود عمل كانت تشرف عليها دولهم، وفي حال الوفاة كانت تُرجع الجثة الى موطن الميت، وانتزاع أي عضو من الجثة كان من السهل اكتشافه.

من جهة أخرى، كانت اسرائيل على مدار عقود، وخلال الانتفاضتين الأولى والثانية، تحرص على الاحتفاظ بجثث شهداء عرب وفلسطينيين وتمتنع عن تسليم جثثهم الى ذويهم من دون مبرر، ولذلك تم إعداد مقابر يطلق عليها الفلسطينيون مصطلح مقابر الأرقام. إحدى هذه المقابر دفن فيها 500 شهيد عربي وفلسطيني قضوا خلال حرب لبنان الأولى أو خلال هجمات انطلقت من دول الطوق.

تصريحات جبارين، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، كشفت أن جيش الاحتلال كان يُجبر أسر الشهداء على دفنهم ليلاً: في الانتفاضة الأولى عندما كانت تُعاد جثث الشهداء إلى ذويهم، كان يُفرض على العائلة الدفن ليلاً، بوجود قوة عسكرية كبيرة، ولم يسمح للأسرة بكشف الجثة، فلا تعلم ماذا تدفن. وكانت هناك عملية دفن قسرية، ولدينا قناعة أن الاسرائيليين كانوا يستولون على أعضاء من الجسم بما فيها الجلد وغير ذلك. كانوا يتعاملون مع الفلسطيني كأنه ذبيحة تُأخذ أعضاءها وتستخدم كيفما شاؤوا.

وشكّل رئيس الحكومة الفلسطينية السابق، سلام فياض، في سبتمبر/أيلول عام 2009 لجنة وزارية كلفها بـ"تحري الحقائق كافة المتعلقة بسرقة الاحتلال الإسرائيلي أعضاء جثامين الشهداء، في أسرع وقت"، هذه اللجنة لم تنشر أي معطيات عن نتائج تحرياتها، ولم تطرح آلية محددة لمتابعة هذا الملف من الناحية الحقوقية سواء أمام المحاكم الاسرائيلية أم الدولية.


ما سبق جعلنا نتوجه بسؤال الى وزير شؤون الأسرى والمحررين في الحكومة السابقة، عيسى قراقع، الذي  كشف خلال حديثه لـ"العربي الجديد" أن اللجنة أعدت تقريراً شاملاً قدمته للأمم المتحدة والقيادة الفلسطينية: الحكومة شكلت لجنة من وزارة العدل ووزارة الأسرى ووزارة الداخلية ووزارة الصحة، استطاعت جمع بيانات وشهادات، وحتى أشرطة فيديو عن شهداء فلسطينيين عندما سُلمت جثامينهم تبين انتزاع بعض الأعضاء من أجسادهم، وقد وثقنا هذا في تقرير شامل رفعناه إلى الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي للحقوق الإنسان وسلمناه للقيادة الفلسطينية لطرح القضية خلال المفاوضات.

وعلى الرغم من أن الفلسطينيين أنشأوا مؤسسات حقوقية أهلية عديدة لمتابعة ملفات إنسانية مثل اللجان التي تدافع عن الأسرى، أو تلك التي تطالب باستعادة جثامين الشهداء، ظلت قضية أعضاء الشهداء التي سرقتها اسرائيل، تعاني إهمالاً ملموساً، ولا يتم التطرق إليها إلا في سياق رد الفعل اللحظي على تحقيقات وتقارير تنشرها وسائل إعلام اسرائيلية أو أجنبية.

انشر عبر