شريط الأخبار

المصالحة الفلسطينية والعدالة الانتقالية.. بقلم د. عدنان الحجار

02:24 - 18 حزيران / مايو 2014

يبدو أن المصالحة الفلسطينية لاسيما المصالحة المجتمعية تسير في رواق بعيدا عن رواق العدالة الانتقالية التي أخذت بها بعض الدول ووصلت إلى بر الأمان لحل مشاكل العنف والقتل والانقسام المجتمعي، والملاحظ أيضا  تغييب وغياب منظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الانسان وعدم تواجدها في مشهد المصالحة المجتمعية، حيث أن فكرة الكشف عن الحقيقة وضمان انخراط كافة القوى التي تشكل النسيج الوطني الفلسطيني غير متواجدة في أذهان طرفي الانقسام.

إن تأسيس المصالحة المجتمعية على فكرة  تعويض الضحايا فقط، هي فكرة مغلوطة وقاصرة وهي في جوهرها محاولات من طرفي الانقسام للهروب من مواجهة الحقيقة، وهي أن كلا منهما مسؤولا عن هذا الصراع الدامي وعليهما أن يتحملا مسؤوليتهما كاملة.

إن الاعتراف بالمسؤولية وتحمل نتائجها هو أساس تحقيق العدالة الانتقالية في فلسطين، وهنا على طرفي الانقسام أن يتقدما ببيان اعتذار للشعب الفلسطيني ولشهدائه وجرحاه وأسراه، والأهم في هذه الحالة لضحايا الصراع الداخلي والانقسام الذي عصف بالفلسطينيين.

الاعتذار وتحمل المسؤولية القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية هو البداية الصحيحة لتحقيق المصالحة المجتمعية، لأن هذا معناه الادراك والوعي بتحقيق العدالة الانتقالية بعيدا عن الهروب من المسؤوليات باتجاه تعقيد المشكلة من جديد، ظنا منهم أن تقديم التعويضات وحده كاف بحل المشكلة وتعزيز التسامح بين الفلسطينيين.

إن تحمل طرفي الانقسام لمسؤوليتهما يعني بصورة أو بأخرى الكشف عن الحقيقة، وتهيأة نفوس الضحايا لتقبل حلول المصالحة المجتمعية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعني البدء في مسار سياسي جديد حيث سيؤدي ذلك إلى تنسيق وتحاور بين مختلف الأحزاب والقوى الفاعلة في المجتمع الفلسطيني باتجاه إعداد نظام سياسي جديد في ظل الحاجة إلى متطلبات المرحلة القادمة في فلسطين، خاصة بعد أن أصبحت فلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة، وانضمامها الى المنظمات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية بما يتطلب ذلك داخليا من ضرورة اصدار دستور فلسطيني جديد يدفع الى تعزيز العمل السياسي، وتنظيمه وفق أسس جديدة.

إن تحمل طرفي الصراع للمسؤولية الكاملة تجاه ما حدث من انقسام يعني منح الفرصة للمجتمع الفلسطيني بصفة عامة، للمطالبة بالإصلاح المؤسسي لكافة مؤسسات السلطة الفلسطينية، بما فيها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، اذ أن ذلك سيكون مؤشر الى تطور المجتمع حيث يبدأ بنفسه في وضع آليات لتحقيق مطالبه وتلبية احتياجاته.

كما يرتب اعتذار طرفي الصراع وتحمل المسؤولية الكاملة التأثير على واقع انتهاكات حقوق الانسان التي ترتكب بواسطة السلطات العمومية، حيث سيؤدي ذلك الى الحد من انتهاكات حقوق الانسان الفلسطيني والتفكير الجدي والعميق قبل اتخاذ اي خطوة نحو هذا الانتهاك.

إن انضمام فلسطين إلى اتفاقية مناهضة التعذيب في ظل اعتراف طرفي الانقسام بالمسؤولية، يعني وضع ضابط قوي ومؤثر في عدم التوجه الذاتي لأي من العاملين في الأجهزة الأمنية وغيرها من استخدام وسيلة التعذيب للخصوم، وهو ما يعزز احترام حقوق الانسان.

إن أهمية اعتراف طرفي الصراع  بالمسؤولية الكاملة عن أحداث الانقسام، وما تبعها هو فرصة لهم لتحقيق المصالحة المجتمعية، والبدء في مسار سياسي جديد في ظل بقائهم ضمن منظومة النظام السياسي الجديد لأن تجارب بعض الدول الأخرى وعند تحقيق العدالة الانتقالية كان يعني نهاية حقبة قديمة وغياب رموزها أيضا.

انشر عبر