شريط الأخبار

زيارة البابا الثوري .. اسرائيل اليوم

11:19 - 16 كانون أول / مايو 2014


بقلم: سال أمرجي

(المضمون: إن زيارة البابا فرانشيسكوس القريبة لاسرائيل ستقوي مكانة المسيحيين المضعضعة في الشرق الاوسط وستساعد على الحوار مع اليهودية بمساعدة صديقه الحاخام ابراهام سكوركا الذي سيصاحب حاشيته - المصدر).

يواصل الحجاج المسيحيون السير والانشاد والصلاة والتأثر والتقاط الصور بالهواتف الذكية في الـ 14 محطة في طريق الآلام في القدس. "وصلت قبل اسبوع كي أكون في هذه الاماكن المهمة جدا للمسيحية"، يقول خوسيه، الذي جاء الى هنا مع زوجته من الاكوادور.

بعد عشرة ايام سيبدأ البابا فرانشيسكوس زيارته الاولى لاسرائيل. وأخذت الاردن والسلطة الفلسطينية واسرائيل تجري الاستعدادات الاخيرة لاستقبال بابا يختلف عن أسلافه وهو أقوى حضورا منهم بأضعاف. "يتم كل شيء كما توقعنا"، يقول الأب دافيد نويهاوز، نائب البطرك اللاتيني للقدس والمسؤول عن الطوائف الكاثوليكية، "توجد اشياء اشكالية بالطبع – لكننا توقعناها ايضا؛ فليس من السهل تنظيم زيارة لثلاث دول في ثلاثة ايام في حال أنه لا توجد بين هذه الدول دائما أفضل العلاقات".

لا تعوز الاسباب لتُعرف زيارة فرانشيسكوس بأنها مؤثرة ورمزية ومثيرة للتحدي بل شديدة التوتر من بابا لاسرائيل، منذ أن قام بولص السادس بزيارته الاولى للبلاد قبل يوبيل، وذلك أولا بسبب شخصية الزعيم الروحي العالمي الذي أحدث بأقواله واعماله ثورة منذ أن كان انتخابه في 2013. فقد نجح فرانشيسكوس الذي اختير رجل السنة في مجلة "تايم" وأصبح يرى زعيما عالميا ذا تأثير عظيم في الشبكات الاجتماعية، نجح في زمن قصير جدا في أن يقرب قطاعات كثيرة كانت تدير ظهرها للكنيسة الى الآن.

لا يشك أحد في أن فرانشيسكوس – وهو البابا الاول الذي جاء من القارة الامريكية ومن نصف الكرة الارضية الجنوبي – قد اكتسب بحق صفة "ثوري". فهو يعرض الوجه الاكثر مرونة للكنيسة منذ كانت ويتكلم بصورة لا هوادة فيها معارضا ظواهر مثل اغتصاب الاولاد أو الفساد التي كانت تُسكت في الماضي في داخل الغرف المغلقة في الفاتيكان.

"إن فرانشيسكوس دون أن يريد تحول الى ظاهرة اعلامية عالمية"، يقول خافيير لورنسو، وهو صحفي اسباني ومحلل للشؤون الدينية في "ليبيرتد ديغتال". ويقول "كان يبدو في البداية أن التغييرات كانت لأن الحديث عن بابا جديد، لكن أمكن أن نرى على مر الوقت أن فرانشيسكوس بقي ظاهرة. اذا كان بنديكت السادس عشر قد برز بصفة مفكر فان فرانشيسكوس معني بالاتصال بالكاثوليكيين الذين ابتعدوا عن الكنيسة وبالجمهور غير المؤمن ايضا الذي هو الاكثرية في المجتمع في هذه الايام. وللوصول الى هذه الاماكن البعيدة يريد الكرسي المقدس أن ينظف كل ما وصم الكنيست في العقود الاخيرة. وأن ينظف كل ما هو قذر في الداخل كي يستقبل ويستجلب اولئك الذين تركوا الايمان".

رسالة الى المسيحيين في سوريا

سيهبط البابا في الاردن في يوم السبت القادم. وسيمكث يوما في المملكة الهاشمية وفي صباح يوم الاحد سيجري قداسا في بيت لحم ويلتقي قادة السلطة الفلسطينية. إن المسيحيين اصبحوا اليوم 12 بالمئة فقط من السكان في المدينة التي ولد فيها المسيح – لكن التأثر اصبح في ذروته وكانت تتم استعدادات كثيرة في بيت لحم في الاسابيع الاخيرة.

وفي ظهر يوم الاحد سيقلع فرانشيسكوس في طائرة من بيت لحم الى تل ابيب ومن هناك الى القدس. وفي صباح يوم الاثنين سينهي الزيارة بلقاءين مع رئيس الوزراء نتنياهو ومع الرئيس بيرس. وسيزور الاماكن المقدسة للمسيحية في القدس ويلتقي الحاخامين الرئيسين ويخطب بعد جولة في "يد واسم". وفي ليل الاثنين سيرقد في سريره في الفاتيكان.

بخلاف زيارات باباوات سابقة لن يأتي مع فرانشيسكوس عشرات الآلاف من الحجاج المسيحيين والمؤمنين لأن الحديث في الاساس عن زيارة قصيرة جدا ولن تعرض على الجمهور العريض بطاقات كثيرة لقداسات بمشاركته. ويتذكر أحد رجال الدين المهمين في القدس هذا الاسبوع في حنين الى الماضي القداس الجماعي الذي قام به في سنة 2000 يوحنا بولص في جبل السعادة بالقرب من بحيرة طبرية. وقال رجل الدين: "من المؤسف أن ذلك لن يحدث مرة اخرى".

إن وصول البابا – وهو السلطة الوحيدة في العالم المسيحي – الى اسرائيل مهم بسبب الوضع المركب للمسيحيين في الشرق الاوسط الفوضوي بعد الربيع العربي. ويتم التعبير عن هذا الوضع تعبيرا مميزا في سوريا حيث أخربت الفصيلة المتطرفة من المتمردين على الاسد المتصلة بالجهاد كنائس بل قتلت رجل دين مسيحيا.

يعتقد المحلل لورنسو أن أحد الاهداف الرئيسة لزيارة البابا للشرق الاوسط هو "التعزية وعرض الحب والتقارب بين الكاثوليكيين المسيحيين جميعا المضطهدين في هذه الدول". ويذكر لورنسو أن "فرانشيسكوس ذكر مرات كثيرة في خطبه المسيحيين في سوريا. ولا شك عندي في أن البابا يريد بزيارته أن يقدم برهنة حقيقية على الرسالة التي يحاول نقلها وهي أن المسيحيين ليسوا وحدهم. ولهذا أتخيل أن يذكر المسيحيين المضطهدين في عدد من خطبه في الاردن واسرائيل".

ليس الفاتيكان أعمى عن احداث شارة الثمن في اسرائيل، وهو يستمد من تقارير جارية تصل اليه من الكنيسة في القدس. يندد الأب نويهاوز بالهجمات لكنه لا يعتقد أن المشكلة لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بزيارة البابا، فالقضية أعمق كما يرى. "ما كنت لأربط بين الزيارة وشارة الثمن"، يقول، "إن اعمال الكراهية تقلق في الحقيقة المسيحيين الذين يعيشون في اسرائيل لأننا نتساءل ما الذي تعبر عنه هذه الجرائم وما الذي تفعله السلطات للقضاء على هذه الظاهرة، لكن زيارة البابا موجودة في صعيد آخر. نحن على يقين من أنه لن يحدث شيء وقت الزيارة. ونحن نعتمد اعتمادا مطلقا على اجهزة الامن الاسرائيلية".

بدا البطرك اللاتيني فؤاد طوال اكثر قلقا من نويهاوز. "إن اعمال التخريب تسمم جو التعايش والتعاون قبل زيارة البابا"، يقول طوال، "هذه اعمال ارهاب متطرفة. ويجب على حكومة اسرائيل أن تكون اكثر قلقا".

إنتقد طوال الذي ولد في الاردن اسرائيل في الماضي، لكن موقفه من الاحداث يشاركه فيه كثير من الاشخاص الذين يعتبرون موالين لاسرائيل. والمعادلة واضحة فجدارية تشتم المسيح بقسوة على جدار في دير يراها أكثر الاسرائيليين عملا معيبا جدا، لكنه يعتبر عمل زعران متطرفين. وذلك في وقت تحظى فيه هذه الاحداث في وسائل الاعلام العالمية بتغطية واسعة وصدى كبير قوي بصورة طبيعية قبيل زيارة البابا. وليس القلق في الفاتيكان فقط بل بين جماعات يهودية في انحاء العالم لا تشعر بارتياح، هذا اذا لم نشأ المبالغة، لتلك الافعال التي قد ترتد عليهم وعلى جماعاتهم مثل عصا مرتدة.

"لا شك في أن اعمال التخريب تقلق الفاتيكان لا بسبب زيارة البابا فقط بل بسبب المعاناة التي اصابت الكاثوليكيين المحليين"، يقول المحلل لورنسو الذي هو مهتم مع كل ذلك بأن يبين ما يلي: "مع كل قسوة الهجمات يجب أن نتذكر أنها احداث قليلة نفذتها أقلية لا تمثل الاسرائيليين. إن المسيحيين واليهود يؤيدون سفر البابا الى اسرائيل. ويعي الجميع الفائدة التي ستجلبها هذه الرحلة التاريخية".

رباط يهودي – مسيحي

سيصاحب فرانشيسكوس في اسرائيل أحد أقرب اصدقائه وهو الحاخام الارجنتيني ابراهام سكوركا الذي يعرف البابا منذ أن كان خورخيه برغوليو كردينال بونس آيريس. وقد تصادق سكوركا وبرغوليو في العاصمة الارجنتينية واصبحا على مر السنين صديقين قريبين، بل اعتاد برغوليو أن يثير امتعاض سكوركا بفريق كرة القدم الذي يشجعه. والحديث عن مسألة جدية لأن المسيحي مشجع متحمس لسان لورنسو واليهودي مشجع لـ ريفر بليت. إن الحاخام سكوركا وهو دكتور في الكيمياء ولد قبل 64 سنة في بونس آيريس. وقبل سنة لم تكن عيناه تفارقان شاشة التلفاز في بيته حينما كان الكرادلة يتباحثون ساعات طويلة في هوية البابا الجديد. "شاهدت التلفاز وتأثرت جدا لكنني لم أفاجأ. قلت لزوجتي: كنت على حق. وحينما رأيته في شرفة البازليكا فكرت في نفسي: صديقي هناك".

في حديث حصري مع "اسرائيل هذا الاسبوع"، لا يخفي سكوركا تأثره بما كان يبدو في حينه في بونس آيريس الحلم المشترك وهو زيارة الارض المقدسة. ويقول: "هذه لحظة دقيقة جدا في العالم وفي الشرق الاوسط خاصة. فالى اللقاء بين جميع تيارات المسيحية الذي سيجريه الكرسي المقدس هنا، يوجد موضوعان مهمان آخران لنا نحن اليهود وهما بوادر حسن النية من البابا الى الشعب اليهودي في اسرائيل من جهة، والرسالة الواضحة العميقة للسلام الذي ينبغي احلاله بين الاسرائيليين والفلسطينيين من جهة اخرى، هذا موضوع مهم جدا للعالم ولدولة اسرائيل ولكل اليهود الذين يتوقون الى السلام".

هل أنت متفائل؟

"من المؤكد أن الوضع ليس سهلا لكنني أريد أن أذكر كلام الأنبياء الذين قالوا إنه حينما يوجد سلام في صهيون سيعكس ذلك السلام على الارض جميعا والدول والشعوب جميعا".

ويتحدث الحاخام سكوركا عن أن العلاقة بنظيره بقيت "بالضبط كما كانت قبل أن ينتخب بابا، لكن أصبح معدل اللقاءات الآن أقل بصورة طبيعية لأنه في روما وأنا بونس آيريس. واذا كان قبل ذلك مشغولا بواقع الارجنتين اليومي فهو اليوم مشغول جدا في مستوى العالم. لكننا ما زلنا نتبادل الرسائل الالكترونية في كل اسبوع، ونعمل معا على امور نريد احرازها ونتحدث بالطبع ايضا عن الزيارة القريبة لاسرائيل".

يجري الحاخام سكوركا والبابا بينهما حوارا دينيا منذ سنين كثيرة وقد جُمعت أفضل أحاديثهما المشتركة في كتاب عنوانه "عن روما والقدس"، يصدر الآن بالعبرية. "ما كان يجب علي قط أن أهادن مع الحاخام سكوركا في هويتي الكاثوليكية كما لم يهادن هو في هويته اليهودية"، هذا ما قاله البابا في أحد الاحاديث، في وقت يؤكد فيه الحاخام سكوركا قائلا "كان الموضوع الرئيس الذي اشتغلنا به دائما الناس ومشكلاتهم".

"إن الحديث معه في الحقيقة حديث صادق ومنفتح وحقيقي في مواضيع حساسة تلقي الضوء على الانسان في عصرنا"، هذا ما يظهره سكوركا في مكالمة هاتفية من بونس آيريس. "نتحدث عن الالحاد والرأسمالية والشيوعية وعن الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، وعن سنوات الارجنتين السوداء وعن اللوطية. ولا نشمئز ايضا من مواضيع ذات بُعد يهودي وعاد كالكارثة وهي أحاديث صادقة جدا".

هل تقلقك أنت ايضا احداث شارة الثمن في وقت قريب من الزيارة؟

"لم أُحدث البابا في الاحداث الاخيرة وما كتب عن الكنائس في اسرائيل، فحينما أتحدث الى البابا يكون ذلك دائما في مواضيع عميقة تتصل بما يمكن فعله؛ فلا نقف عند أحداث شارة الثمن التي لا أعتقد في الحقيقة أنها تمثل عددا كبيرا من السكان الاسرائيليين. وأنا أفضل أن اؤكد قرارات البابا وافعاله التي ترمي الى احتضان الشعب اليهودي ومنح مكان للتفاهم بين الاسرائيليين والفلسطينيين".

حدثني قليلا عن صورة جريان الحديث بينكما.

"كل واحد يحترم الآخر احتراما مطلقا. فهذا حوار لا يشعر فيه أحد بالارتفاع على الآخر. كان يقول لي دائما حينما كان مطران بونس آيريس إننا في المستوى نفسه. كنا نستطيع الجدل وتبادل الافكار ومحاولة أن يفهم بعضنا بعضا ويفسر ما يقول. إن معنى كلمة جدل لا يشبه التحدي. يمكن الحديث في مواضيع مختلف فيها، والتفكير معا واستعمال التعاطف لانشاء حوار لا يحاول فيه أحد أن يقنع الآخر بل أن يشجع فيه التفكير لاغناء هويته".

حلم عشرين سنة

إن الاختلاف بين اسرائيل والفاتيكان في السيطرة على قبر داود في جبل صهيون في القدس تحول في الاسابيع الاخيرة تحولا مشحونا قوي اكثر قبيل الزيارة في الاسبوع القادم. فبرغم انكار الكنيسة اشتكى نشطاء من اليمين عن وجود محاولة للتوصل الى اتفاق تسلم بحسبه قاعة "العشاء الاخير" الموجودة في الطبقة فوق القبر، الى الكنيسة الكاثوليكية.

لا تطفو هذه الاختلافات والنقاشات من فراغ. ومن المهم أن نتذكر أن التاريخ بين الشعب اليهودي والفاتيكان مليء بتوتر بين الديانتين، وعدم التفاهم والكراهية واعمال القتل والشحناء. وأفضى كل ذلك الى أن نشأت العلاقات الدبلوماسية بين اسرائيل والفاتيكان في 1993 فقط. قبل ذلك كانت أهمية كبيرة لزيارة البابا يوحنا بولص الثاني التاريخية للكنيس في روما ولوثيقة "ماسترا إيتاتا" تحت زعامة بولص السادس. ففي هذه الوثيقة التاريخية تطرق الفاتيكان الى الاديان الاخرى وجاء فيها أن الشعب اليهودي غير مسؤول عن موت المسيح وأنه ينبغي تأكيد الصلة بين الشعب اليهودي والمسيحية.

سبق زيارة فرانشيسكوس القريبة الى اسرائيل عمل اعداد دبلوماسي. ساعدت زيارة بندكتوس السادس عشر البابا السابق قبل اربع سنوات (التي كانت الزيارة الثالثة لاسرائيل)/ ساعدت على الاعداد للزيارة الحالية. ومع ذلك كان لاحداث اليوبيل تذكارا للزيارة الاولى – لبولص السادس – ودعوة الرئيس شمعون بيرس التي سلمت في لقائه للبابا قبل سنة في الفاتيكان، وزن كبير جدا لتحريك الاتصالات من اجل الزيارة. هذا الى أن الصداقة الطويلة مع الحاخام سكوركا لم تضر هي ايضا ولا نبأ أن الاثنين كانا يخططان منذ سنوات كثيرة – منذ تسعينيات القرن الماضي – لزيارة اسرائيل زيارة مشتركة. ويُشك في ان يكونا حلما بفعل ذلك حينما يكون برغوليو هو البابا بجلاله وعظمته.

انشر عبر