شريط الأخبار

66 نكبة وأكثر: تحرير الشعوب العربية لتحرير فلسطين.. نضال وتد

12:27 - 15 أيلول / مايو 2014

لم تنتهِ حرب المئة عام بعد، باعتراف الصهيونية وأقطاب إسرائيل، ولم تعد الدولة الفلسطينية على مرمى حجر، على الرغم من مرور 66 عاماً على النكبة. فالدولة اليوم باتت أبعد من ذلك بكثير، وإن كانت قضية فلسطين لا تزال قضية العرب الأولى، موضوعياً، مهما انشغل العرب بقضاياهم الوطنية الداخلية، وبثورات الربيع العربي لبناء وطن عربي حر وعادل ومستقر. فما دامت فلسطين محتلة، فسيبقى أي استقرار أو تنمية عربية معطلين.

تتواصل فصول النكبة اليوم، ما دام الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وما دامت القدس تنتهك يومياً من غلاة المستوطنين الذين باتوا يشكلون عملياً رأس الحربة الإسرائيلية في الحرب الدائرة ضد الشعب الفلسطيني، على الرغم من جلسات الحوار والمفاوضات الفاشلة.

صحيح أن حال الشعب الفلسطيني اليوم، ومكانته وقضيته لم تعد كما كانت عليه عند وقوع النكبة، وصحيح أنه تمكن من منع تصفية القضية وتحويلها إلى قضية لاجئين، إلا أن بقاء الاحتلال يعني إبقاء نار الحرب والصراع العربي ــ الإسرائيلي مشتعلاً، حتى وإن وقعت دول عربية اتفاقيات سلام ومعاهدات صلح، ذلك أن إسرائيل، ببقائها على هيئتها العنصرية والاستعمارية كما هي عليه اليوم، تحول دون أي توصل الى اتفاق عادل ودون أي توصل الى حل للقضية الفلسطينية، يقضي بإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يعيش فيها سكانها بحرية ومساواة.

ولا يمكن أن يتحقق العدل الإنساني والتاريخي من دون عودة اللاجئين، كل اللاجئين، إلى وطنهم الذي شردوا منه، وإلى قراهم وبيوتهم، سواء كانوا لاجئين في بلدان اللجوء العربي، أم في الضفة الغربية وقطاع غزة، فحل الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع من دون عودة اللاجئين القاطنين اليوم، في الضفة والقطاع إلى منازلهم التي هجروا منها، ونزحوا عنها، يعني تعقيداً أكبر للقضية وتشريعاً واعترافاً برواية الصهيونية التاريخية.

لكن هذا كله منوط ومرهون بتغيير في الموقف السياسي الفلسطيني وبالاستراتيجية الفلسطينية والعربية. فقد أثبتت العقود الثلاثة الأخيرة من المفاوضات والحوار بأشكاله المختلفة، أنه لا يمكن أن يكتفي الشعب الفلسطيني بخيار المفاوضات السياسية طريقاً وحيداً لتحقيق الأهداف الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني. وثبت أن ميادين المواجهة والمقاومة العسكرية والشعبية كانت أكثر إنتاجاً وإنجازاً لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته. كذلك أثبتت التجارب أن حرب بيروت والصمود فيها، وفي الانتفاضة الأولى التي أفضت إلى اتفاق أوسلو، ومن ثم العودة الى التلويح بخيار المقاومة في الانتفاضة الثانية في سبتمبر/أيلول 2000 تحت قيادة الراحل ياسر عرفات، التي رافقتها هبة القدس والأقصى في الداخل الفلسطيني، كانت الأكثر بناءً للوحدة الفلسطينية وبلورة للأهداف الفلسطينية.

في المقابل، بيّنت مسارات التسوية في العقد الأخير، أنه طالما لا يملك الفلسطيني ظهراً وسنداً وخياراً مقاوماً، سواء كان مقاومة شعبية أم مقاومة منظمة وكفاحاً مسلحاً، فسيبقى رهينة "الإكراميات الإسرائيلية" المشروطة بتنازلات فلسطينية جوهرية تطال ملفات القدس والحدود واللاجئين وحتى الأسرى وتحريرهم، ضمن عمليات التفاوض، بعدما تنكرت إسرائيل أخيراً لاستحقاق تحرير الأسرى القدامى الذين كان يفترض الإفراج عنهم في 29 مارس/آذار الماضي، وزادت على ذلك استغلال الدولة العبرية لموقف القوة المحمي بالدعم الأميركي لزرع عشرات آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية المحتلة وحول القدس، لقطع الطريق أمام أي احتمال لتواصل جغرافي فلسطيني في الضفة الغربية والقدس، وقتل خيار حل الدولتين، باعتراف مسؤولين إسرائيليين ورجال السياسة الخائفين أصلاً على يهودية إسرائيل ومن فقدان الأغلبية اليهودية، تمهيداً للوصول إلى غالبية عربية في فلسطين التاريخية بين النهر والبحر.

وبينما يحذّر "اليسار" الإسرائيلي بأن استمرار السياسة الصهيونية قد تقود دولة الاحتلال إلى "أبارتهايد" على كامل فلسطين، وهو تهديد مبطن موجع أصلاً للجانب الفلسطيني، فإن الطرف الفلسطيني اليوم، وبعد توقف المفاوضات، بات ملزماً بإعادة تقييم استراتيجيته، وتحويلها من "استراتيجية تفاوض" إلى "استراتيجية تحرير وبناء دولة"، مع الإبقاء على الخيارات كافة مفتوحة.

ويتطلب ذلك أيضاً، عدم التهاون في استعمال كل الخيارات المتاحة دولياً، وعدم التلكؤ في إشهار سلاح المقاطعة والمطالبة بفرض المقاطعة على إسرائيل كلها، وليس على منتجات المستوطنات فحسب. كما يلزم مواصلة السير قدماً في المسار الدولي نحو الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، من جهة، وبدء إجراءات تقديم الشكاوى الى المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، ومجرمي الحرب فيها، بموازاة السير نحو مصالحة تاريخية لا تعني التسليم بما تطرحه إسرائيل والولايات المتحدة.

أما ما عدا هذا، فيعني تكريس النكبة بفصولها المستمرة، ويعني أن النكبة فعل متواصل لم يتوقف ولم يقتصر على الطرد والتهجير بين عامي 1947 و1948، لأن تبعات هذه النكبة ستبقى متواصلة ما دام هناك لاجئ فلسطيني غير قادر أو ممنوع من العودة.

أما عربياً، فتعني النكبة بعد 66 عاماً على بدء فصولها، استمرار العجز العربي والهزيمة العربية في حفظ وحماية جزء من الوطن العربي. هي هزيمة ستظل حاضرة في الفضاء العربي والأجواء العربية ما لم يتم التوصل إلى حل، فالأنظمة العربية القمعية، التي تشهد بلدانها ربيعاً عربياً وثورات تحررية، كانت هي الأخرى على مدار سنوات النكبة، مسروقة من شعوبها. لطالما طُلب من شعوبها الصبر على الذل والفقر والقمع ريثما تنتهي المعركة. وكانت المعركة غطاء لهذه الأنظمة، عززت فيها من سلطتها وسطوتها وتحكمها برقاب شعوبها، لكنها لم تحرك فعلاً حقيقياً منذ حرب تشرين 1973 لخوض المعركة والانتصار فيها، حتى لا تواجه بعد المعركة شعوبها وتعيد لها الأمانة.

وإذا كان العرب قد اختلفوا على شعار "تحرير فلسطين هو الطريق للوحدة العربية"، أم أن "الوحدة العربية هي الطريق لتحرير فلسطين"، يبدو اليوم أن تحرير الشعوب العربية من طغاتها هو الطريق لتحرير فلسطين، من خلال بناء أنظمة وطنية تُحكم بإرادة شعوبها، ولا تحكم إرادة شعوبها، وعندها سيختلف الحال وتتحول موازين المنطقة كلها، ولن يكون الفلسطينيون محكومين بتوازنات تحكمها رغبة الأنظمة في البقاء، بل يكون بقاء الأنظمة والقيادات، وفي مقدمتها القيادات الفلسطينية، محكومة برغبة شعوبها، وهي توازنات ستصب بالتأكيد في صالح فلسطين وقضيتها وقضية شعبها ومستقبله.

انشر عبر