شريط الأخبار

لولاية على اللاجئين الفلسطينيين بعد 66 عاماً من النكبة!.. ماجد كيالي

08:13 - 13 تشرين أول / مايو 2014

تأسّست النكبة (1948)، على تشريد حوالى مليون من الفلسطينيين، وحرمانهم من هويتهم الوطنية وحقوقهم الفردية، ومصادرة أملاكهم، والاستيلاء على 77 في المئة من أرضهم، كنتاج لإقامة دولة إسرائيل، وهو ما أدى إلى افتقاد المجتمع الفلسطيني وحدته، وتطوره الطبيعي والمستقل، وخضوعه لأنظمة سياسية وقانونية متباينة.

المشكلة أن هذه النكبة ظلّت تعيد إنتاج ذاتها، طوال 66 عاماً، بسبب وجود إسرائيل وإنكارها حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وضمنها حقّ العودة، وأيضاً بسبب المعاملة التمييزية، والمهينة التي عانى منها ضحايا النكبة، من النظم العربية، والتي تتناقض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وحتى مع المعايير الأخلاقية للبشر. والمفارقة أن هذا يحصل في معظم البلدان العربية التي ترفض منح تأشيرات دخول للاجئين الفلسطينيين إليها، أو تنقّلهم عبرها، ولا تقبل حتى لجوءهم إليها في أوقات الخطر والكوارث، في حين أن دولاً أجنبية تقوم بأكثر من ذلك باعتباره واجباً أخلاقياً وإنسانياً، علماً أن بعض تلك الدول العربية تتيح للإسرائيلي زيارتها والتنقّل في أراضيها!

اللافت، أيضاً، أن بعض هذه الدول تميّز في المعاملة بين اللاجئ السوري والفلسطيني - السوري، في ظروف الحرب، مثلما يحصل مع لبنان والأردن ومصر وتونس، مثلاً، ما يجد تفسيره في التعوّد على استضعاف اللاجئ الفلسطيني، على ما لاحظ بيان لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» (7/ 5) صدر لمناسبة إعادة عشرات اللاجئين الفلسطينيين من لبنان إلى سورية في هذه الظروف الخطرة. والجدير ذكره أن الحديث هنا يجري فقط عن التنقل والإقامة، إذ إن اللاجئ السوري يعاني في تلك البلدان من اللامبالاة والامتهان.

ثمة أسباب كثيرة لهذه الظاهرة المشينة ربما يكمن أهمها في أن العالم العربي استمرأ التعاطي مع قضية فلسطين باعتبارها مجرد قضية سياسية، وأمنية، وليس باعتبارها قضية بشر، في واقع عربي لم ينجز بعد، أو يحسم، قضايا الدولة والهوية والمواطنة، وحيث الدولة، وبالأصح السلطة، تتعامل مع «مواطنيها» باعتبارهم مجرد رعايا، وأتباع، وهو ما تكشّف في شكل فجّ مع ثورات «الربيع العربي». وكان تم التدليل على ذلك مبكّراً برفض هذه الأنظمة إعطاء الفلسطينيين اللاجئين فيها حقوق اللاجئين، وممانعة تبعيتهم لولاية المفوضية العامة للاجئين التابعة للأمم المتحدة، ما استدعى تأسيس وكالة خاصة بهم هي «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين»، وحتى هذه كانت تتلقى دعمها من دول العالم!

من ناحية أخرى، فقد جرى، منذ البداية أيضاً، التمييز بين قضية فلسطين وشعب فلسطين، ففي الوقت الذي اعتبرت الأنظمة القائمة هذه القضية بمثابة القضية المركزية للأمة العربية، ولو لمجرد الاستهلاك والمزايدة وتعزيز الشرعية السلطوية والإقليمية في الداخل والخارج، فإن هذه الأنظمة قامت بامتهان اللاجئين، باعتبارهم عبئاً أمنياً أو سياسياً أو ديموغرافياً. وبدهي أن ذلك يحيل إلى المنظومات السياسية والثقافية والأيديولوجية التي تقلل من قيمة الإنسان، لحساب إعلاء شأن القضايا، على سبيل الادّعاء والتلاعب، في واقع لا معنى فيه لأي قضية إذا لم تشتمل على حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة، علماً أن بعض هذه الأنظمة كانت تبرّر هذه المعاملة بالحفاظ على القضية، أو بدعوى صيانة وطنية الفلسطينيين!

طبعاً، لا يمكننا إعفاء الحركة الوطنية الفلسطينية من مسؤوليتها عن هذا المسار، فهذه الحركة، أيضاً، قللت من أهمية حقوق الإنسان، وأعلت من شأن قضية الصراع على الأرض، وصولاً إلى إقامة سلطة على جزء منها. وفي غضون ذلك، فإن هذه الحركة التي بالغت بالعسكرة، في فكرها السياسي وبناها التنظيمية، لم تنتبه إلى أهمية بناء مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين، بمقدار ما اشتغلت على إقامة ميليشيات مسلحة في أوساطهم، حيث أتيح لها، من الأردن إلى لبنان، وصولاً إلى الضفة وغزة. وفي المحصلة تمخّضت تلك التجربة عن نتائج سلبية، إذ باتت تلك المجتمعات، بعد نفاذ ظاهرة العمل المسلح، تفتقر إلى الهياكل السياسية والاجتماعية، وتعاني من التشرذم والعنف والضياع. وهذه المجتمعات التي كانت في مراحل سابقة تنتج الشعراء والكتاب والصحافيين والأكاديميين والفنانين والمهندسين والأطباء والمحامين ورجال الأعمال باتت وكأنها كفّت عن ذلك تقريباً، وهو ما يمكن ملاحظته في شكل أكبر في مجتمعي الفلسطينيين في لبنان وغزة.

بيد أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ إن اللاجئين الفلسطينيين الذين دفعوا باهظاً ثمن صعود حركتهم الوطنية، من الستينات إلى الثمانينات، باتوا مكشوفين، فقد تحولت منظمة التحرير إلى سلطة، في الضفة وغزة، أي أنها نكصّت، وفي شكل مجاني، عن تمثيلها كل شعب فلسطين، بعد أن تم تهميشها، بحيث لم يعد للفلسطينيين اللاجئين من يمثلهم (راجع مادتي في «الحياة»، 16/ 4/ 2013).

والحقيقة، فإن من أهم التداعيات الناجمة عن إقامة سلطة، في جزء من أرض فلسطين لجزء من شعب فلسطين، ما تبديه الطبقة السياسية والثقافية والاقتصادية السائدة في الضفة وغزة من لا مبالاة إزاء معاناة الفلسطينيين اللاجئين، في العراق ولبنان وسورية، ليس إزاء حقوقهم السياسية فقط، إنما حتى إزاء حاجاتهم ومعاناتهم على الصعيد الإنساني. ولعل هذا يبدو واضحاً في ضعف التضامن مع محنة فلسطينيي سورية اليوم (والعراق بالأمس)، وهو مؤشّر خطير إلى تآكل مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية، وانحسار القيم التحرّرية عند الطبقة الفلسطينية المتسيّدة.

والقصد أن قلة اهتمام هذه الطبقة المتحكمة بالحقل الوطني للفلسطينيين بقضايا هذا الجزء اللاجئ من شعبها في سورية ولبنان والعراق ومصر والأردن هي التي تشجع أو تسهل على بعض الأنظمة التنكيل بهؤلاء وامتهانهم.

هكذا، بات اللاجئون الفلسطينيون في وضع يفتقدون فيه أية مرجعية سياسية أو تمثيلية، وفوقها فلا أحد يعتبر نفسه ولياً لأمرهم، أو معنياً بهم، لا الأنظمة التي يعيشون بين ظهرانيها، ولا منظمة التحرير، التي يفترض أنها ممثلهم الشرعي الوحيد، بعد أن باتت مجرد سلطة تنحصر ولايتها بفلسطينيي الضفة والقطاع (بدرجة أقل)، ما يفسر لا مبالاة بعض سفاراتها بما يجري للاجئين في بلدانهم، باعتبارها مجردة سفارات «تخدم فلسطينيي فلسطين فقط»، على حد قول أحد موظفي السفارة في لبنان للاجئ فلسطيني من سورية، كأن فلسطين باتت هي الضفة وغزة!

على ذلك يستحق الفلسطينيون اللاجئون، وضمنهم فلسطينيو سورية، اهتماماً أكبر من قيادتهم، وهي قيادة المنظمة والسلطة و «فتح»، علماً أن لا أحد يطالبها باجتراح المعجزات ولا بشنّ الحروب ولا حتى بإطلاق التصريحات. أي أن المطلوب بعض الاهتمام المعنوي والسياسي، وبعض الجهد للتسهيل عليهم في منافيهم الجديدة، في تقديم جوازات سفر لهم، ومخاطبة السلطات المعنيّة للسماح لهم بالمرور والتنقل وتحسين معاملتهم، وتقديم المساعدة للمعوزين منهم، أقله على النحو الذي تعمل به بعض المنظمات الإنسانية، ومنظمة «أونروا». كما يستحق الأمر حمل هذه القضية لطرحها في جامعة الدول العربية، لفرض معايير لائقة في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، من ضحايا النكبة، في الدول الأعضاء كافة، بكرامة ووفق معايير لائقة، ضمنها إتاحة حرية التنقل لهم في ظروف الحرب والكوارث واللجوء الإنساني، لا سيما أن هذه الدول لم تتكلف يوماً قرشاً واحداً من جيبها لإعالة أي لاجئ فلسطيني أو غير ذلك.

واضح أن القيادة الفلسطينية مقصّرة كثيراً في حق هذه الكتلة الكبيرة من الشعب الفلسطيني (اللاجئين)، التي يبلغ تعدادها ستة ملايين نسمة تقريباً، ما يعني نصف مجموع هذا الشعب، والتي تتوزّع في معظم دول العالم (5 ملايين في الدول العربية والباقي في كندا والولايات المتحدة والدول الأوربية وأستراليا)، أي أن الحديث هنا يدور عن كتلة كبيرة وحية وغنية بإمكاناتها وطاقاتها. ومن الواضح، أيضاً، أنه ليس لدى القيادة أي رؤية أو خطة لهذا الأمر، وليس لديها إحصاءات لعدد الفلسطينيين في دول العالم، ولا أية إطارات عمل أو هياكل أو مؤسسات تربط بينها وبينهم، ما يفسّر قلة الاهتمام بأحوال الفلسطينيين في أماكن اللجوء والشتات، وضمنهم فلسطينيو سورية. ولعله من المؤسف أن تتخلّى القيادة الفلسطينية عن عنصر بهذا الحجم من عناصر قوتها، في حين تحرص إسرائيل على استثمار إمكانات أي يهودي في آخر بقاع الدنيا.

باختصار، بات من الملح للاجئين الفلسطينيين معرفة الجهة التي تتولّى أمورهم، فهل هي منظمة التحرير، وهذا هو الطبيعي والمفترض، أم الدولة المضيفة، ووفق معايير واضحة ومناسبة، أو هيئة «أونروا» في حال تم تصويب مكانتها، بتوسيع نطاق عملها ليشمل الحقوق السياسية للاجئين، أم هي المفوضية العامة للاجئين التابعة للأمم المتحدة، أم جامعة الدول العربية؟

انشر عبر