شريط الأخبار

تحالف لتدمير ما تبقى من سورية ولفرص السلم.. علي عقلة عرسان

08:07 - 13 تشرين أول / مايو 2014

 

نحن أمام الحقيقة وجهاً لوجه، بعد مراوغة ومداورة ومحاولات تلطٍ وراء شعارات وألفاظ وممارسات مرفوضة شعبياً وأخلاقياً وشرعياً ومدنياً، ووراء أسباب وجيهة للإصلاح والتغيير في سورية طال انتظارها وكان يمكن بلوغها بوسائل غير تدمير الذات والآخر.. فما يسمى معارضة تحت عنوان الائتلاف، الذي صنعته دول وصادقته ومولته واعتبرته ممثلاً للشعب السوري، وطوبته بهذه الصفة جامعة الدول العربية برمتها.. تلتمس اليوم موافقة الولايات المتحدة الأميركية على تحالف استراتيجي معها لتحارب الجيش السوري وحزب الله وداعش والنصرة وكل ما تراه الولايات المتحدة إرهاباً مدعية القدرة على ذلك بلسان رئيس الائتلاف الذي قال من واشنطن لفضائية الحرة: " إن الإدارة الأميركية تعرف جيداً أنه لدينا القدرة في الحرب على الإرهاب وقدمنا شهداء فيها ونحن مستهدفون. نحن نحارب الإرهاب وثمة مصلحة مشتركة بيننا وبين الأميركيين.”.. وهو يبدي هذا الاستعداد بقول ينطوي على تناقض هزلي جسده قوله:“ نحن موجودون على الأرض لكن يلزمنا الدعم لنفرض سيطرتنا الحقيقية، وهنا دور الولايات المتحدة والأشقاء والأصدقاء، إذا كان ثمة نية حقيقية لدعم جسم سياسي عسكري متين وقوي في محاربة النظام والإرهاب معاً فهو هذا الجسم”؟! ويأتي هذا الإعلان/ الاستعداد لمحاربة الإرهاب، بما فيه جبهة النصرة، بعد أن كان الائتلاف وجبهة النصرة وغيرهما في خندق واحد لمحاربة الجيش العربي السوري وإسقاط النظام، وبعد أن رفض الائتلاف رفضاً تاماً تصنيف النصرة منظمة إرهابية من جانب الولايات المتحدة الأميركية على الأقل.. ويأتي بقول صريح لا مواربة فيه: ".. “النصرة” ليست من نسيجنا. لا تعترف بنا ولا نعترف بها. ليست منّا ولسنا منها، وقد كفّرت “الائتلاف” و” الجيش الحر.”؟! ومما لا شك فيه أن هذا يرضي الأميركيين، ويدخل في باب الشرط الأميركي المسبق لمد الائتلاف بالمساعدات والأسلحة الفتاكة الذي لا يأتي عرْضاً أميركياً مرحباً به من قبل الائتلاف للقيام بالمهمة المطلوبة استراتيجياً بل هو ما يستجديه الائتلاف من واشنطن في “سلة متكاملة لعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة.. لكي لا تكون هناك قوة غير قوة الجيش الحر على الأرض،" كما قال المتعهدون السوريون للأميركيين في لقاءاتهم الممتدة بين البنتاغون والبيت الأبيض مروراً بمجلسي الكونغرس، وما هو إلا تحالف لتدمير ما تبقى من سورية وفرص الأمن والسلم فيها.!؟

 ومن المعروف  المؤكد المعلن أن الإدارة الأميركية الحالية، شأنها في ذلك شأن أية إدارة أميركية سابقة، لا يمكن أن تخطو خطوة ذات أبعاد استراتيجية في منطقتنا العربية ما لم تكن إسرائيل طالبة لها أو راغبة فيها وموافقة عليها، وما لم تفرض هيمنة مباشرة أو غير مباشرة فيما يتعلق بمراقبتها والتحكم بتكتيكاتها.. وعليه فإن الخطوة التي يستجدي الائتلاف واشنطن لتقوم بها هي خطوة نحو استراتيجية "أميركية ـ إسرائيلية" واجهتها  وأدواتها الائتلاف وكل من يتفق معه على استراتيجية العنصريين الصهاينة والأميركيين في بلاد الشام على الخصوص، وفي خلفية تلك الاستراتيجية التحالفية عرب يطالبون بخطوات من هذا النوع شرط وفي هذا المنحى على أن تؤدي إلى توجيه ضربات تدميرية قاصمة للجيش العربي السوري تنهيه بذريعة تغيير النظام في سورية، وسورية العربية تاريخياً ليست مجرد نظام بل شعب وتاريخ ومبادئ وخيارات وطنية وقومية وسياسية وأخلاقية، سواء أحكمها هذا النظام أو ذلك هذا الشخص أو ذاك.. وسورية لم تكن في تاريخها السياسي منذ إنشاء كيانها الجديد بموجب اتفاق سايكس ـ بيكو الاستعماري موالية للأميركيين أو للاستعماريين الغربيين، وقد تصدت للأحلاف التي حاولت أن تلحقها بالغرب الاستعماري مثل حلف بغداد، وصمدت للكثير من الضغوط في هذا المجال وانتصرت نزعتها العروبية ـ الاستقلالية، قبل أن تصمد لضغوط أكبر تهدف إلى إجبارها على الاعتراف بالكيان الصهيوني دولة على حساب فلسطين وشعبها، وتقوم بتطبيع العلاقات معها معطية ظهرها لقضية العرب المركزية ومحور نضالهم الحديث، قضية فلسطين. 

وحين نقارب هذا الموضوع على هذا النحو ومن هذه الزاوية فإننا لا نرمي إلى كشف الغطاء عن مستور، ولا ندعي أننا نقدم اكتشافاً جديداً، ونقطع بأننا لا نتكلم عن هذا البعد من أبعاد الأزمة للمرة الأولى، فقد قلنا الكثير عن الارتباطات المشبوهة وعن ارتهان المعارض للممول والمخطط والموزع للأدوار والمهام، وقلنا الكثير عن هدف حرب مجنونة من هذا النوع في سورية العزيزة، حرب تبدأ بكلام عن الإصلاح وتنتهي بعسكرة مدمرة للشعب والبلد والدولة، وبتحالفات استراتيجية مع أعداء الأمة العربية وأعداء الإنسانية من الصهاينة والأميركيين الذين دمروا ما دمروا من بلدان العرب والمسلمين ـ " وليس العراق وأفغانستان سوى عينة صاعقة للوجدان" ـ  وما زال جشعهم للمال والتسلط والهيمنة وشغفهم بالدم والتدمير في ميعة صباه، بسبب تكوين عنصري متأصل فيهم تربوا عليه عقَدياً، خلاصته كراهية متأصلة ومتجذرة للعروبة والإسلام ولكل من لا ينحني لهم ويركع عند أقدامهم ممن يرفضون الركوع إلا لله سبحانه وتعالى. لقد قلنا الكثير عن هذا الارتهان، وقال معارضون كثر من داخل الائتلاف ومن خارجه أشياء وأشياء عنه، سواء أكان ارتهاناً للممول أو للمسير المدبر المسلح المسيس.. ونحن ما زلنا نقوله منذ السنة الأولى للأزمة السورية، وتحولها إلى العسكرة والاقتتال والفتنة بألوانها وأنواعها وتشعباتها!! وها قد بدأ في هذه الأيام سباق معارضين سوريين، مؤتلفين ومختلفين، على الاتصال المباشر بإسرائيل والتنسيق معها والدعوة إلى تحالف استراتيجي يجمعهم بها، متجاوزين النافذة الأميركية الخلفية والصهاينة الفرنسيين من أمثال العراب العنصري هنري ليفي وأشباهه ومن كان موالياً له وداعية باسمه ومنزهاً لشخصه وملمعاً صحفي متحذلق بوصفه فيلسوفاً ومناضلاً من أجل الحرية والديمقراطية عابراً للقارات والقوميات والديانات؟!. 

وليس إقبال الولايات المتحدة الأميركية على استقبال من يستجدي تدخلها من السوريين في شؤون وطنه، ويدعوها لتحتل بلده وتهيمن على مصير شعبه، وتقضي على هويته وعروبته وعقيدته ومقومات نضاله العادل من أجل وطنه المحتل وحقوقه المشروعة.. واضعاً نفسه في خدمتها، ليس ذلك إلا حلقة في سلسلة أحداث الأزمة/ الحرب والتحركات التي لازمتها.. وهي حلقة تهدف إلى استكمال تدمير سورية الجيش والدولة والمؤسسات والخيارات السياسية والمواقف المبدئية، وإلى القضاء على المقاومتين الفلسطينية واللبنانية خاصة ضد الاحتلال الصهيوني بكل أشكالها ومقوماتها وحواضنها، وترمي فيما ترمي إليه إلى استصال كل ما تسميه وتصنفه تل أبيب وواشنطن إرهاباً عربياً ـ إسلامياً، سواء أكانت تعاديه أو تستثمر فيه على نمط استثمارها في الشر لإضعاف كل خير.. وقد قلنا منذ بداية الأزمة السورية/ الحرب/ الكارثة.. في أكثر من مقال وتحت عناوين عدة منها " الفخ المنصوب، حرب الكل على الكل.. إلخ: إن الخطة الصهيو ـ أميركية هي نقل ساحة الحرب مع كل ما تراه العنصريتان المتحالفتان أعداء لهما  وعوائق في وجه هيمنتهما واستراتيجيتهما وسيطرتهما على سوق السلاح والنفط والغاز والأسواق الاستهلاكية في المنطقة إلى الساحة السورية، وجعل تلك القوى يشوه بعضها بعضاً وتشوه فيما تشوه ثقافتها وتاريخها وعقيدتها، ويدمر بعضها بعضاً بوحشية حتى الإفناء التام، على أن تتكفلا " أي واشنطن وتل أبيب" بالتغطية السياسية والإعلامية الملائمتين، وتقدمان السلاح والدعم المدفوع القيمة من دول وجيوب عربية تأخذها الحمية بدوافع تصنع لها على المقاس، وبما يكفل استمرار الحرب واستقطابها للأشخاص والتنظيمات والقوى حتى القضاء على ما تريانه " الأعداء، بيد الأعداء" وتستثمر هي في تشغيل مصانع السلاح، وترويج تجارة الدم والنفط والغاز، وتؤسس لقوة إسرائيل وتوسعها بما لا يزعزع كيانها لعقود من الزمن، وتتحكم بمصير المتقاتلين وذوي الجراحات والثارات، وبالمتطرفين وبمن لديهم استعداد للتطرف في تكوينهم وثقافتهم وسياساتهم ورؤاهم التي يبعث منها ما هو تطرف على أسس دينية، " مذهبية وطائفية"، أو على أسس عرقية وأيديولوجية غوغائية، ويسخر لها المحتاجون الذين تكاثر الحرب والمجاعات عديدهم فيقبلون على الاقتتال إقبال الفراش على النار في صيف حار.. فتلك للأميركيين والإسرائيليين ومن هم في ركابهم من الغربيين، هي من جهة سوق ومصلحة وحرب في بلاد الخصم " وما غزي قوم في ديارهم إلا ذلوا"، وإنهاك منهجي مدروس ونصرة ما مثلها نصرة " للعزيزة إسرائيل" التي بدأ الولاء لها والدعوة للتحالف معها ينتشران في أوساط عربية أخذت تتسع للعدو وتضيق بالأخ الشقيق وبالصديق والأخ بالجنب والجار الجُنب والمسلم الشريك في العقيدة والقيم والمصير، لتفتح أبوابها للعدو منتصرة به على الأهل والذات.؟!

إن ما يتم هذه اليوم في واشنطن يؤسس لدورة متجددة من العنف والإرهاب قد تزري بما سبقها من دوراته، حيث ينذر بأيام يستمر فيها الاقتتال الوحشي ويتسع مداه.. ومن البدهي أن نقرأ في ذلك التوجه إبعاداً أو استبعاداً لانعقاد جولة ثالثة من جولات مؤتمر جنيف، وألا نتوقع من تقرير الأخضر الإبراهيمي الذي قدمه أمس الثلاثاء لمجلس الأمن الدولي خيراً بمعنى التفاؤل، وأن نربط ما سيحدث بتطورات دولية يأتي على رأسها ما يجري في أوكرايينا، على الرغم من تبشير رئيس الاتحاد الأوربي ببداية الخطو وفق خطة طريق لحل تلك الأزمة. على أن ما يهمنا التركيز عليه هنا وفي هذا الصدد هو إضافات ومعطيات ومستجدات تجعل الأفق القادم مُرْبَدّاً.. فنحن نعلم أن الرئيس السوري أعلن أن الجيش العربي السوري، بعد تحقيق النصر في الحرب الدائرة الآن وبعد السيطرة على المناطق السورية في مهلة حددها للرئيس بوتين هي نهاية عام 2014، سيتفرغ الجيش للحرب على الإرهاب، أو سيتابع الحرب على الإرهاب.. وفي معطى واقعي آخر يضاف إلى المشهد السوري هو تفاقم الاقتتال بين داعش والنصرة الأمر الذي ينذر بصراع يستمر ويتصاعد.. وهكذا نحن وقائع تشير على الرغم من المصالحات المبشرة، تشير إلى مشهد حرب الكل ضد الكل بشراسة أشد، واستقطاب لم ينقطع، وعبر مرحلة جديدة من مراحل المواجهة المجنونة على الأرض السورية، وهي مرحلة مُغذَّاة بأسلحة أميركية نوعية فتاكة تطال الطيران الحربي السوري وتتطاول لتطالب بمنطقة حظر جوي أو لتفرضها، وحيال تغطية أميركية متجددة لكن بأبعاد مكشوفة أكثر وملزمة تحقيقاً لاستراتيجية معلنة، وأمام أهداف وخطط قتالية شاملة ومتداخلة، فيها كل فريق يقاتل الأفرقاء الآخرين كافة ويقف وراءه أنصار وحلفاء، أي أمام مرحلة أعلى من مراحل حرب الكل على الكل التي سبق وقلنا إنها هدف أميركي ـ صهيوني ـ إسرائيلي يغرق سورية والعرب في الظلم والظلمة والموت ما لم تشرق عليهم أنوار العقل والإيمان فيهتدوا.. وما نظن أنهم بمهتدين.. والضحية في هذه الحرب: الكارثة/ المؤامرة/ الفتنة/ الثورة/ الحملة الإرهابية/ التفكيرية/ المذهبية/ الأقلَّويّة.. الـ.. الـ.. إلخ.. الضحية هي سورية الدولة والوطن والشعب، والمستفيد الوحيد هو الكيان الصهيوني العنصري القذر وحليفه الأميركي الذي يريد بذلك كله أن يكسب ما بدا أنه خسره أو يكاد يخسره من تحالفات تاريخية عربية تدر عليه ما لا تحلم به دولة من مكاسب..؟!

فيا له من مستقبل، ويا له من مشهد، و يا له من زمن قادم، و يا له من ترنيق إلى مخرج من مآزق الضيق.. فقد كنا نرجوها أياماً قادمات نتحول فيها نحو السلم فإذا نحن نسمع من ينذرنا بتحويلها إلى حرب على السلم ومن يقول بالسلم ويتطلع إليه؟! فيا من لسورية في هذه الأوقات الفتن وتناسل المحن وتوطن الشجن.. من لسورية التي ترفض أن ترتهن استقلالها وحريتها وكرامتها وتأبى أن تركع، وهي لن تركع إلا لله بعون الله.. ويا حسرة على سورية التي يستمر فيها شلال الدم واقتتال الأخوة، وتصفية الثارات، ونشوة المذهبيات والطائفيات والجاهليات، وتجليات تمزق العروبة وضحالة مفاهيم الكثيرين للإسلام الحنيف، وهزال رجالات تحتاج إليهم الأمم في الأيام الصعبة؟!.. ويا أسفاه على مصير شعب عزيز وبلد كريم لم ينته بعد تمزيقهما والتنكيل بهما من الأطراف التي تدعي حبهما أو صداقتهما أو تريد تخليصهما من الطغيان والطائفية والفساد والإفساد والتبعية والإرهاب ومن كل ما لا يبني ولا ينقذ ولا يصون الحق والنفس التي حرم الله والحرية والكرامة و.. و.. ويا أسفاه على أطفال سوريين هم أزهار الخير ينشؤون في بيئة قد تحيلهم إلى أزهار الشر.. بيئة موبوءة بكوارث الحرب وكوارث الفكر التبعي والقمعي والتطرفي والتكفيري والتدميري والإرهابي و.. و.. ألا يا رب الخلق وباذل الرزق ومقدر الأقدار ومولج الليل في النهار ومولج النهار في الليل.. ألا أين نحن من ملكوتك حيث الأمن والسلم والحب والرحمة، وأين نحن من الإسلام وتعاليم دين ينقذ ويعصِم بالعقل والفهم والمنطق والإيمان الحق إذا ما أخذ أتباعه بما تركه لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم من منقذات وهاديات وعاصمات لن يضلوا إذا ما تمسكوا بها وفهموها حق الفهم وطبقوها بتقى وورع ومسؤولية ووعي وإدراك: كتاب الله وسنة رسول الله؟! ألا يا رب ارحم.. وأنت خير الراحمين.

دمشق في 13/5/2014

علي عقلة عرسان    

انشر عبر