شريط الأخبار

سرديّة المفاوضات الفلسطينيّة ـ الإسرائيليّة والسياسات البديلة .. ماجد الشيخ

04:20 - 09 كانون أول / مايو 2014


انتهت مفاوضات الأشهر التسعة، بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، كما انتهت سابقاتها، إلى الفشل، وربما إلى الإفشال المتعمّد من طرفيها الأساسيين؛ الإسرائيليون يتهمون الفلسطينيين بعدم تسهيل الاعتراف بيهودية إسرائيل "مُفتتحاً جديداً" لاستئناف مفاوضاتٍ جادة حول نقاط التفاوض الست، والفلسطينيون يتهمون حكومة نتنياهو، وائتلافه اليميني المتطرف، باستمرار الاستيطان، وعدم إبداء أي مستوى من المرونة، من قبيل الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى.

وفيما تكشّفت اتفاقية الإطار الأميركية عن خلافات عميقة، تبيّن من استطلاع للرأي، أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أنها لم تحظَ بمستوى من القبول لدى الفلسطينيين، ولم يكن ممكناً أن تُعتمد مُفتتحاً للمراكمة، أو للبناء عليها، ما أجهضها في مهدها، وبالتالي، أوضحت أن الرعاية الأميركية طوال أشهر "الحمل" لم تكن لتحمل بشائر ولادة أي شيء، بقدر ما حملت جنيناً مجهضاً، ذهب في حال سبيله، كما ذهبت نتائج المفاوضات الاستكشافية والموازية، وغيرها من تسميات حفلت بها مسيرة المفاوضات منذ "أوسلو". بعد هذا، ما الذي تنوي إسرائيل عمله؟ هل تستأنف المفاوضات، أم تنتظر مبادرة دفع جديدة من الإدارة الأميركية؟

ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن بنيامين نتنياهو طلب من حكومته وضع سياسات بديلة للتعامل مع مسألة المفاوضات، قد تتضمّن ضمَّ أجزاءٍ من الضفة الغربية، أو الانسحاب من بعض المستوطنات ودعم أخرى.

وأوردت، في تقرير على موقعها الإلكتروني في الثلاثين من إبريل/ نيسان الماضي، "أن مثل هذه الخطوات أحادية الجانب أصبحت، أخيراً، تحظى بتأييد من شخصيات إسرائيليةٍ بارزة مقرّبة من نتنياهو، على الرغم من أنها تلقى معارضة شديدة من القيادة الفلسطينية وواشنطن، وتتعارض مع رأيٍ تم تبنيه، على نطاق واسع، بشأن ضرورة التفاوض على الحدود بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقبلية، كنقطة جوهرية للسلام الدائم".

وأفادت الصحيفة بأن مؤيدي الخطط أحادية الجانب يقولون إن نتنياهو ظل، فترة طويلة، رافضاً مناقشة أي خيار من جانب واحد، حتى في جلساتٍ مغلقة، وإنه لم يكن واضحاً عندما أبلغ الوزراء أنه سيدرس كل الخيارات في الأسابيع المقبلة، حسب مسؤول شارك في اجتماع مجلس الوزراء، غير أن "نيويورك تايمز" أوضحت أن وزراء يمينيين استغلوا، بالفعل، انهيار المحادثات التى جرت برعاية أميركية، ليجدّدوا دعواتهم إلى مزيد من التصرفات العدائية، مثل ضم ثلثي الضفة الغربية، المعروفة بالمنطقة "ج"، كما فعلت إسرائيل، سابقاً، مع القدس الشرقية وهضبة الجولان، وسيعني هذا الأمر تطبيق القانون المدني الإسرائيلي على المنطقة.

وأضافت أن مقترحات أكثر اعتدالاً تدعو إلى إجلاء بعض، أو كل، المئة ألف مستوطن الذين يعيشون شرق الجدار الفاصل الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية، وإلى توضيح أن خريطة إسرائيل المستقبلية ستضم ما تعرف بالكتل الاستيطانية على الجانب الآخر، بالإضافة إلى مناطق القدس الشرقية التي يسكنها اليهود.


عدم جدية واشنطن

في الجهة المقابلة، ومن واشنطن، أعلن خبراء عن قناعتهم بأن إسرائيل ستعمل على انتهاج ترتيباتٍ لضم معظم أراضي الضفة الغربية المحتلة، وترسيم حدود إسرائيل من جانب واحد، وأكد ذلك مسؤولون إسرائيليون. وقال مشاركون في ندوة، نظّمها مركز فلسطين البحثي في واشنطن، لمناسبة نفاد مهلة التسعة أشهر التفاوضية، إن العملية كلها كانت محكومة بالفشل، منذ يومها الأول، بسبب عدم جدية الولايات المتحدة في إلزام إسرائيل بتعهداتها، بل، بالعكس، "هجرة" الوزير جون كيري إلى تبني موقف نتنياهو بالكامل.

وشارك في الندوة إلى جانب مدير المركز، يوسف منير (فلسطيني)، الباحث في معهد بروكينغز، خالد الجندي (مصري) الذي عمل مستشاراً لفريق المفاوضات الفلسطيني في نهاية العقد الماضي، والباحثة في مؤسسة أميركا الجدية/ ليلى هلال (فلسطينية)، والتي عملت مستشارة قانونية لفريق المفاوضات الفلسطيني. وراجع هؤلاء مسيرة المفاوضات، منذ الإعلان الأول عن استئنافها يوم 29 يوليو/ تموز الماضي، وخلصوا الى أن رئيس وزراء إسرائيل "كان مصمّماً، منذ اللحظة الأولى، على إفشالها، وابتزاز الإدارة (الأميركية) وكيري لفرض رؤيته لعملية السلام، وانتهاز الفرصة التي توفرها المفاوضات لإيجاد حقائق جديدة على الأرض، يصعب إلغاؤها".

وتساءل يوسف منير، الذي يدير مركز فلسطين، وهو المركز البحثي العربي الوحيد في واشنطن الذي يوفر منبراً "يطرح وجهة النظر الأخرى" وسط غابة المعاهد الكثيفة التي تكرّس معظم نشاطاتها في العاصمة الأميركية لترويج وجهة النظر الإسرائيلية: "إذا لم يتمكن كيري، ولم تتمكن الإدارة الأميركية من الضغط على إسرائيل للإفراج عن 26 أسيراً فلسطينياً، كان من المفترض أن يطلق سراحهم عام 1993، واستؤنفت المفاوضات، بعد أن تعهدت إسرائيل بتنفيذ هذه الخطوة المتواضعة، كأحد معايير بناء الثقة، فكيف لكيري وللإدارة أن يتمكنوا من الضغط على إسرائيل لإخلاء أكثر من 500 ألف مستوطن، وتفكيك مئات المستوطنات والانسحاب من القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين؟".

وسأل منير: أين الرئيس الأميركي، باراك أوباما، والذي نأى بنفسه عن الانخراط المباشر في هذه المفاوضات بوضوح، باستثناء تصريحات شكلية عن دعمه جهود وزير خارجيته، وكأنه، منذ اللحظة الأولى، عرف أنه لن يكون في وسعه الضغط على نتنياهو، وإجباره على الالتزام بشروط تحقيق صفقة سلام؟
أما خالد الجندي، الذي اختبر أساليب التفاوض الإسرائيلي عن كثب وواكب خداعها بشكل مباشر، فقال إنه كان واضحاً، منذ اللحظة الأولى، أن إسرائيل على الأقل، وربما الطرف الفلسطيني أيضاً، قبلا العودة إلى طاولة المفاوضات إرضاءً ومجاملة للولايات المتحدة التي تعتبر المموّل الأكبر للطرفين. وأضاف: "منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن كيري كان طموحاً جداً، عندما تحدث عن تحقيق السلام الشامل، مع نهاية الأشهر التسعة، حيث انتهجت إسرائيل توسّعاً استيطانياً مسعوراً، وغير معهود.

ومنذ اللحظة الأولى، سعت إلى إجبار الفلسطينيين على الحرد، والانسحاب من المفاوضات من خلال الاستيطان، ولكن، ليس فقط الاستيطان، بل ارتفاع الأعمال الاستفزازية، من خلال المداهمات للمناطق الفلسطينية التي تقع تحت سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، بشكل مباشر، والاعتقالات، وقتل المدنيين الفلسطينيين (حوالى 60، بينهم أطفال)، وعلى الرغم من ذلك استمر الفلسطينيون في المفاوضات على مضض، لكي لا يغضبوا الولايات المتحدة".

وسرد الجندي كيف "انتقلت مواقف وقناعات كيري من تحقيق سلام شامل، عند استئناف المفاوضات يوم 29 يوليو/ تموز الماضي، إلى تبني مواقف نتنياهو بضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل، وضرورة تخليهم عن حق العودة، وضرورة قبولهم ترتيبات أمنية إسرائيلية في منطقة الأغوار، عبر اتفاق إطار من أجل التفاوض المستقبلي، إلى التفاوض على تمديد المفاوضات في الأسابيع الأخيرة، قبل انهيارها".

وأعربت ليلى هلال، الخبيرة في شؤون القانون الدولي، عن ريبتها من "أن إسرائيل، على الأرجح، ستشرع في ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وإيجاد كانتونات فلسطينية محاصرة ومعزولة عن بعضها، كما الحال في غزة المحاصرة منذ ثماني سنوات، أي خلق "غزات" أخرى، ربما ثلاث أو أربع في الشمال والوسط والجنوب، وهذا عملياً سينهي السلطة الفلسطينية التي تعتاش على دعم أموال المانحين، والذين، بدورهم، سيصابون بالسأم من تمويل الاحتلال الذي تبدو فيه إسرائيل، وكأنها لن تتخلى عنه أبداً".

ومع أن ليلى هلال والمشاركين الآخرين استبعدوا حل السلطة الفلسطينية في المدى القصير، لكونها "تشكل قاسماً مشتركاً لأوروبا وأميركا والعرب، والعالم بأسره في الوقت الراهن، إلا أنها ستفقد مبرر وجودها، شيئاً فشيئاً، ما سيدفع إلى تلاشيها، على الرغم من أن مئات الفلسطينيين يعيشون على الرواتب التي توفرها لهم السلطة الفلسطينية".
واعتبر المشاركون الثلاثة أن "احتمال استئناف المفاوضات في المدى المنظور ضعيف، لكنه قائم".

في هذه الأجواء غير المشجعة، ومع انتهاء المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية من دون تقدم، ودخولها مرحلة جمود كامل، وهبوط التوقعات بالتوصل إلى اتفاق، من خلال المفاوضات، إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، فإن "عدداً متزايداً من السياسيين الإسرائيليين يعتقدون أن الوقت حان لأن ترسم الحكومة، من طرف واحد، الحدود التي تراها مناسبة"، بحسب تقارير صحافية أميركية.

ويريد بعضهم ضم معظم أراضي الضفة الغربية المحتلة، فيما يرى آخرون أن التكتلات الاستيطانية الكبرى هي فقط التي ينبغي أن تقع في دائرة السيادة الإسرائيلية، بينما تدعو مجموعة ثالثة إلى انسحاب جزئي، لإفساح المجال لقيام دولة فلسطينية. ومن شأن مثل هذه التحركات أن تجهز على عملية السلام التي تقودها الولايات المتحدة، والتي عرقلتها سنوات الفشل وتبادل الاتهامات.

مشروع خطة جديدة

وفي توضيح وتفاصيل أكثر، ذكر موقع القناة الثانية الإسرائيلية، في الثالث من إبريل/ نيسان الماضي، أن خطة بديلة وضعت بمشاركة الوزراء يائير ليبيد وأفيغدور ليبرمان وتسيبي ليفني، تقع بين خطين، أو مكوّنين أساسيين. يتحدث الأول عن إدارة الصراع، وترتيب تسويات محلية مع الفلسطينيين، كما يطرح وزير الجيش، بوغي يعلون، مروراً بإعادة انتشار للجيش والمستوطنين، وصولاً إلى خطوات إسرائيلية، أحادية الجانب، مع الحفاظ على الوضع القائم حالياً في الضفة الغربية والاتفاقيات الموقعة.

ولاحقاً، اتّضح أن ما يجري الحديث عنه، إنما هو جزء من استعداد مجموعة جنرالات سابقين في الجيش الاسرائيلي، وسياسيين متقاعدين، لطرح مشروع جديد على الولايات المتحدة، لإنقاذ العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، في أعقاب فشل المفاوضات، وذلك باعتماد سياسة "الإجراءات الأحادية الجانب من الطرفين"، ولكن، بإشراف أميركي مباشر، وبالتنسيق بين الطرفين. وتقضي الخطة بأن تتولّى واشنطن مهمة تطبيق مبدأ الدولتين للشعبين، على أساس مبادرة كلينتون ومبادرة السلام العربية، بعد "تعديلهما بما يلائم الظروف الناشئة". فتنسحب إسرائيل من معظم الضفة الغربية (حوالى 90% من أراضيها، مقابل الاعتراف بالسلطة الوطنية الفلسطينية دولة في الأمم المتحدة، والبدء بمفاوضات "سرية هادئة" بشأن مستقبل القدس الشرقية والأماكن المقدسة وقضية اللاجئين.
ويحتوي المشروع على خطة سياسية، لضمان أن تكون "فلسطين دولة ديموقراطية تنتهج سياسة داخلية، تتركز على التطوير الاقتصادي". وبضمنها التمهيد لنشوء "قيادة فلسطينية جديدة"، قادرة، مهنياً وشعبياً، على قيادة هذه الدولة. ويسمي أصحاب الاقتراح كلاً من مروان البرغوثي، أحد زعماء حركة فتح، وسلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، لهذه القيادة.

وعلم أن أحد السياسيين الذين يقفون وراء هذا المشروع هو يوسي بيلين، نائب وزير الخارجية الأسبق الذي قاد وفد المفاوضات الإسرائيلي إلى أوسلو، قبل اغتيال إسحق رابين وبعده. ومع أنه لم ينفِ، ولم يؤكد، النبأ، فقد أكد تأييده فحوى الاقتراح. وقال: "الوضع الحالي، بعد فشل المفاوضات، خطر للغاية على الجانبين، وينبغي ألا يترك اليمين الإسرائيلي يحتفل بهذا الفشل"، وأضاف: "اليمين الإسرائيلي، مثل المتطرفين الفلسطينيين، يسعدون بالتدهور الحاصل، لأن كلاً منهما يحاول بناء مشاريعه على دمار الطرف الآخر، وهذا هدف غبي، لن يتحقق بأي حال. وبما أن الطرفين لا يثقان بعضهما بالبعض، فلم يبق سوى أن يفرض عليهما الحل من جهة ثالثة. والولايات المتحدة الجهة المناسبة".

تنازلات مصيرية

وكان الصحافي الاسرائيلي، آري شبيط، قد تحدث الى قيادات في الأوساط الحكومية والسياسية والعسكرية والشعبية الإسرائيلية، فوجد لديها موافقة واسعة على المشروع. وقال إنه في الأوضاع الحالية، لا يجوز ترك فراغ في الشارع. والولايات المتحدة التي تدرك خطورة التدهور، مثلما تدرك أهمية الفرصة السانحة، تستطيع التوصل إلى صياغاتٍ مناسبةٍ، يتحملها القادة الحاليون للسياسة الفلسطينية والإسرائيلية. وأضاف: "عليّ أن أشير إلى أن المفاوضات التي جرت، حتى الآن، لم تكن مجرد إضاعة وقت. بل إن نتنياهو وأبو مازن قدم كل منهما تنازلاتٍ مفاجئة، لا يجوز التفريط بها. نتنياهو الذي يقود حزباً يمينياً متطرفاً لم يؤمن، يوماً، بالدولتين، أعلن تأييده لهما. وفي المفاوضات، وافق على إزالة مستوطنات، وعلى تحويل قسم من القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وعلى استيعاب عدد قليل من اللاجئين الفلسطينيين داخل تخوم إسرائيل. وأبو مازن وافق على تبادل أراض، وعلى إسقاط مطلب العودة إلى تخوم إسرائيل، لمَن هجرها من الفلسطينيين. ووافق على وجود قوات إسرائيلية بشكل مؤقت في غور الأردن. و"هذه تنازلات مصيرية من الطرفين، تستحق أن نعمل كل ما في وسعنا للحفاظ عليها، وإلزام القائدين بها"!

بالطبع، ليست الأمور بهذه الوردية المصطنعة، وإلا لأمكن التوصل إلى مشروع اتفاق تستمر، بموجبه، المفاوضات، أو يتم الاتفاق على استئنافها لاحقاً. لكن الأمور أعقد من ذلك بكثير، فنتنياهو، بائتلافه اليميني المتطرف، ليس رابين ولا حتى إيهود باراك، أو إيهود أولمرت. ولهذا، لا يتوقع بروز ديغول إسرائيلي يخلّص إسرائيل من عقدها، كدولة احتلال استيطاني إحلالي، عبر تقديم تنازلات "مؤلمة"، بحسب الوصف الإسرائيلي المحبّب، والذي يعني، في مطلق الأحوال، أن إسرائيل ليست كياناً يمكن أن يتحوّل كياناً مرناً، يعتدل في تطرفه الاستيطاني، بحيث يقبل اقتسام الأرض مع هوية وطنية نقيضة، هي الهوية الوطنية الفلسطينية التي سعت الحركة الصهيونية، ومنذ أكثر من 66 عاماً، إلى تغييبها ونفيها من الوجود. لهذا، ستبقى المفاوضات حديث الغد، كما هي حديث الأمس، كما هي حديث المستقبل؛ ولكن، من دون نتيجة، أو نتائج ترتجى، لا فلسطينياً ولا إسرائيلياً.

انشر عبر