شريط الأخبار

"فلسطين تجمعنا والعودة موعدنا" ..هاني المصري

11:41 - 06 حزيران / مايو 2014

تحت هذا الشعار عقد المؤتمر الثاني عشر لفلسطينيي أوروبا في قاعات "أوروسايت" في العاصمة الفرنسية باريس، بحضور آلاف الفلسطينيين من مختلف البلدان الأوروبية التي يبعد بعضها عن باريس آلاف الكيلومترات. معظمهم أتوا في الحافلات، وهذا يعني أنهم سيقضون ساعات طويلة في رحلة الإياب والعودة.

وتتضح الصورة عندما تلاحظ أن قسمًا كبيرًا منهم أتوا مع عائلاتهم، وأنهم سيقضون ليلة على الأقل في العاصمة الفرنسية، وأنهم جميعًا يتحملون تكاليف الرحلة التي باتت تقليدا سنويًا، وبعضهم من المقتدرين لا يكتفي بذلك، وإنما يتبرع للمساهمة في تغطية تكاليف المؤتمر التي تشمل التحضيرات والوجبات وأجرة القاعات وتكاليف سفر وإقامة الضيوف، حيث كان ضيف الشرف لهذا العام طاهر المصري، رئيس الحكومة والبرلمان والأعيان الأردني السابق، وكان من الضيوف السفير الفلسطيني في فرنسا هايل الفاهوم، والمطران رياح أبو العسل، ومحرزية العبيدي نائبة رئيس المجلس التأسيسي التونسي، وجمال ريان المذيع في قناة الجزيرة، وأنا.

يحضرني في هذه المناسبة ما قاله جان بول سارتر، المفكر الفرنسي الشهير، ومنظر الفلسفة الوجودية أثناء زيارته إلى قطاع غزة برفقة صديقته سيمون دي بوفوار قبل العدوان الإسرائيلي على الدول العربية في العام 1967، حيث شاهد طفلاً عمره أقل من خمسة عشر عامًا، أي ولد بعد نكبة 1948، وسأله فجأة من دون أن يكون هذا على برنامج الزيارة: من أين أنت؟ فأجابه الطفل: من قرية قرب يافا، فقال له: ما اسمها، وأين تقع؟ فأخبره بالتفصيل عن موقعها وكيف تصل إليها بالرغم من أنه لم يزرها من قبل، فقال سارتر: إن شعبًا يربي أطفالاً بهذه الطريقة لا يمكن إلا أن ينتصر.

إذا تخيلنا أن سارتر عاد إلى الحياة وشاهد مؤتمرات حق العودة بعد أكثر من ستة وستين عامًا على النكبة، الذي يشارك فيه كل عام آلاف الفلسطينيين من حاملي الجنسيات الأوروبية، وقسم غير قليل منهم حملة شهادات ويعيش عيشة مرتاحة، والكثير منهم لم يولد في فلسطين ولم يزرها ولو لمرة واحدة؛ سيدرك أن ما قاله في زيارته المذكورة صحيح مائة بالمائة.

لا تزال القضية الفلسطينية حية بالرغم من مرور كل هذه السنين، ورغم ما عاناه الشعب الفلسطيني من تشريد ومجازر ومعاناة داخل وطنه وخارجه من الأعداء ومن الأشقاء، ورغم الحروب والمجازر والموت، وفي ظل حالة الهبوط التي تعيشها القضية الفلسطينية بعد مرور أكثر من عشرين عامًا على توقيع اتفاق أوسلو، الذي ضرب بالصميم وحدة القضية والأرض والشعب وقسمها إلى قضايا، والحل إلى مراحل، واعترفت فيه القيادة الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود رغم عدم اعترافها بالدولة الفلسطينية، ونبذ العنف والإرهاب بأثر رجعي، رغم أن ما تقوم به الصهيونية وأدواتها ممثلة بالمشروع الاستعماري الاستيطاني وبإسرائيل الاحتلالية يمثل ذروة الإرهاب المستمر، الذي لم يتوقف لحظة واحدة رغم أكذوبة عملية السلام المستمرة منذ ذلك الحين وحتى الآن.

إن انعقاد مؤتمر حق العودة كل عام في أحد البلدان الأوروبية أحد الدلائل الكبرى على أن القضية الفلسطينية رغم كل ما جرى وفي ظل المغامرات والاستخدامات الفلسطينية والعربية والاقليمية ووجود الانقسام الفلسطيني المدمر ما زالت حية، لأن الشعب الفلسطيني مصمم على إحيائها وعلى الكفاح لتجسيدها مهما طال الزمن وغلت التضحيات.

ومن مظاهر بقاء القضية حية الصمود والتواجد الفلسطيني على أرض الوطن، حيث لا يزال يعيش نصف الشعب الفلسطيني (ستة ملايين) في وطنهم بالرغم من أن الاحتلال يعني الجحيم، لا سيما وأن العيش في بطن الحوت بالنسبة لشعبنا داخل أراضي 48 يعني أن يكون الإنسان الفلسطيني صاحب البلاد الأصلي مواطنًا من الدرجة الثانية، يعاني من الاضطهاد والتمييز العنصري، ومن مخططات التهجير الطوعي والقسري التي أصبحت البنود الرئيسة لأحزاب مركزية تشارك ولا تشارك في الحكومات الإسرائيلية.

وكذلك كل أشكال المقاومة السلمية وغير السلمية، بما فيها صمود غزة في وجه الحصار وضد العدوان الإسرائيلي الذي وصل في أكثر من مرة إلى حد الحرب الشاملة، كما حصل في أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009، وفي تشرين الثاني 2012.

ومن مظاهر حياة القضية الفلسطينية حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، هذه الحركة المتنامية التي يشارك فيها المتضامنون الأجانب والإسرائيليون، والتي باتت تقلق الحكومة الإسرائيلية، لدرجة أن بنيامين نتنياهو خصص أكثر من نصف خطابه أمام مؤتمر "الأيباك" السنوي لها، وذكر كلمة المقاطعة 18 مرة؛ ما يدل أنها باتت مقلقة، ويمكن أن تكون مفزعة إذا وضعت كل الطاقات الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها لدعمها.

ومن مظاهر حياة القضية الفلسطينية أيضًا أن 138 دولة صوتت لصالح قبول فلسطين كدولة مراقبة في الأمم المتحدة، وسط معارضة 9 دول وامتناع 41، وقبلها صدرت الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي الدولية التي أعطت الفلسطينيين أكثر مما طلبوا، وتقرير غولدستون الذي أدان الجرائم الإسرائيلية ضد شعبنا في غزة، وقبله عشرات القرارات الدولية التي أدانت الاحتلال والاستيطان والجرائم المختلفة بحق الفلسطينيين، وهذا كله يؤكد أن القضية الفلسطينية عادلة ومتفوقة أخلاقيًا، وأن الرأي العام الدولي ينتصر لها ومتضامن معها، وأنها قابلة لتحقيق النصر إذا اتبع الشعب الفلسطيني وقواه الحية وقياداته الطريق القادر على أن يؤدي إلى الانتصار.

في هذا السياق نضع أيضًا رفض القيادة الفلسطينية لاتفاق الإطار والتمديد للمفاوضات وفق الشروط الإسرائيلية كأحد أشكال الصمود الفلسطيني، بالرغم من كل الملاحظات الجوهرية على السياسة الرسمية الفلسطينية، التي تسير منذ وقت طويل تحت تأثير وهم أن السلام الذي يتضمن تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية يمكن أن يتحقق من خلال: اعتماد المفاوضات المباشرة كطريق وحيد؛ وإبداء حسن النوايا؛ وتقديم التنازلات عن الحقوق؛ والتخلي عن المقاومة؛ وتنفيذ الالتزامات المتضمنة بالاتفاقات من جانب واحد.

وهذا الطريق لم يؤد إلى شيء سوى إلى زيادة التعنت والتطرف الإسرائيلي، والقضاء على ما كان يطلق عليه معسكر سلام في إسرائيل، حيث لم يتبق منه في مرحلة أوسلو والسلام المزعوم سوى شظايا.

ومن مظاهر حياة القضية الفلسطينية إحياء الهوية الوطنية والثقافة الوطنية من خلال جميع أشكال الفنون والثقافة والأدب، حيث لم تعد المساهمة الفلسطينية تقتصر على الشعر والرسم، وإنما وصلت إلى كل الميادين، وخصوصا السينما التي تعتبر كما قال لينين بحق: من بين جميع الفنون السينما هي الأهم لأنها تجمع كل الفنون.

إن قضية اللاجئين أساس القضية الفلسطينية وجوهرها، ولا يمكن أن تحل القضية حلاً عادلاً أو متوازنًا من دون حلها، ومن الخطأ التعامل وكأنها مستحيلة التحقيق، أو أنها يمكن أن تتم المقايضة بها مقابل إقامة دولة فلسطينية والتنازل عن حقوق شعبنا في أراضي 48، فهذا الخيار سقط بعد اتضاح استحالة إقامة دولة فلسطينية من دون تغيير ميزان القوى تغييرًا جوهريًا بما يجبر إسرائيل على الانسحاب من الأراضي المحتلة العام 1967.

كما من الخطأ تقزيمها على طريقة مبادرة السلام العربية التي تضمنت تنازلاً مجانيًا من خلال الحديث عن حل عادل ومتفق عليه، ما يضع الفيتو بيد إسرائيل.

وكذلك إعادة إحياء معايير كلينتون التي استثنت خيار عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها أو وضعته تحت رحمة إسرائيل، من خلال اشتراط موافقة إسرائيل وضمن القانون الإسرائيلي "لم الشمل" الذي لا علاقة له بحق العودة على الإطلاق.

وأيضًا من الخطأ الاكتفاء بالمطالبة بالاعتراف الإسرائيلي بالمسؤولية القانونية والتاريخية والسياسية مع أو من دون عودة عدد محدد يشمل 20 ألفاً أو 100 ألف أو حتى 150 ألفاً.

إن من الخطأ الفصل بين الحق الفردي لكل لاجئ والحق الوطني، أو الحديث عن عدم إمكانية استيعاب إسرائيل لملايين اللاجئين جغرافيًا وديمغرافيًا.

أي من الخطورة أن نقدم عروضًا تساعد إسرائيل على تبرير موقفها الرامي إلى تصفية قضية اللاجئين كليًا من دون أدنى استعداد لديها لتلبية الحد الأدنى من متطلبات حل قضية اللاجئين حلاً عادلاً أو متوازنًا أو حتى مقبولاً.

انشر عبر