شريط الأخبار

المصالحة الفلسطينية والخشية من انتكاسها.. علي بدوان

08:39 - 30 تشرين أول / أبريل 2014


التفاؤل يشوبه القلق في الترحيب الشعبي الفلسطيني العام بالتوافق الوطني والتوقيع على أوراق المصالحة بقطاع غزة، والمقصود هو تطبيق اتفاقات المصالحة الداخلية الفلسطينية السابقة. وعلى رغم أن هناك ما يمنح الإتفاق الحالي شيئاً من الجدية من خلال تحديدات الجدول الزمني الذي وضِعَ للاتفاق خمسة أسابيع لتأليف حكومة موقتة، ثم ستة أشهر من أجل إجراء انتخابات عامة.

مع ذلك، القلق ما زال سيد الموقف عند عموم الناس من أن تكون تلك المُصالحة ذات أغراضٍ تكتيكية استخدامية كما جرى الحال في التوافقات السابقة التي تم التوقيع عليها خلال سنوات الانقسام المُدمر.

ومن المؤشرات التي ترفع من مستوى القلق عند الناس من أن المصالحة خطوة تكتيكية «عدم تضمينها إطلاق المعتقلين من الطرفين في سجون غزة والضفة الغربية»، كما لم يأتِ الاتفاق على ذكر المبادئ التي ستعمل بموجبها القوى الأمنية التابعة للسلطة وتلك التابعة لحركة «حماس»، كما لم يذكر كيف سيجري الدمج بين مؤسسات السلطة في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، فضلاً عن مسألة الموقف من المفاوضات مع «إسرائيل».

الحاجة الماسة وحالة الإستعصاء التي وصلت اليها الأمور في مسار العملية التفاوضية، والوضع الصعب لحركة حماس في القطاع قد تكون هي الأسباب العاجلة التي دفعت باتجاه إنجاح اللقاء الفتحاوي - الحماسي في منزل إسماعيل هنية في مخيم الشاطئ في قطاع غزة والتوقيع على أوراق التفاهمات الجديدة لتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية موحدة مع التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية خلال ستة أشهر.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أيضاً، في وضعٍ صعب لا يُحسد عليه أبداً، فهو واقع عملياً تحت مطرقة الضغوط «الإسرائيلية» والسندان الأميركي للقبول بما هو مطروحٌ عليه، وفي ظل وضعٍ فلسطيني مُنقسم على ذاته، وفي أجواء ومناخات (فتحاوية داخلية قاعدية وكادرية) باتت أشدُ تَذمراً وتململاً من واقع ما يجري بالنسبة الى عملية التسوية السياسية، عدا عن الحالة العربية الرسمية المُتهالكة والتي تُلقي بظلالها على الوضع الفلسطيني فتُضفي عليه المزيد من الضعف والترهل بدلاً من إسناده على صعيد دعم الموقف الفلسطيني بالنسبة الى العملية السياسية داخل مؤسسات المجتمع الدولي.

وضع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الصعب في المرحلة الراهنة يترافق مع عودة النغمة «الإسرائيلية» القديمة عن فقدان الشريك الفلسطيني في سياق إحكام المزيد من الضغوط على الرئاسة الفلسطينية في رام الله، وهو أمرٌ ربما يودي بالحالة الفلسطينية نحو مُنزلقات لا تحمد عقباها حال تم الرضوخ الفلسطيني لتلك الضغوط والقبول بالمقترحات الأميركية المطبوخة بالتمام والكمال مع الطرف «الإسرائيلي». أيضاً، إن حركة حماس في وضع استثنائي هذه المرة نتيجة الأوضاع والمآلات التي اتجهت اليها معظم الأوضاع في المنطقة على المستوى الإقليمي وانعكاساته المباشرة على الحالة الفلسطينية.

ومع هذا وذاك، إن التجربة المرة والمريرة جعلت من سقوف التفاؤل عند الناس تتراجع كل مرة عن المرات التي سبقتها عند التوقيع على تفاهمات للمصالحة الوطنية، ففي كل مرة كانت الأمور تعود إلى نقطة الصفر بعد أن تغرق الأطراف الفلسطينية المُختلفة بشيطان التفاصيل عند أولِ جلسة عمل، خصوصاً عندما يرافق ذلك الظهور السريع لعوامل الضغط «الإسرائيلية» والأميركية، بما فيها الضغوط الإقتصادية التي تستطيع من خلالها سلطات الإحتلال التأثير المُباشر على حياة الناس في الضفة الغربية وعموم الأراضي المحتلة عام 1967، كما والتأثير المباشر على الحالة العامة لأجهزة السلطة وعموم مؤسساتها التي تعتمد في مصدرها التمويلي على الدول المانحة وعلى أموال الضرائب المجباة عن البضائع المتدفقة للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وهي أموال تجبيها سلطات الإحتلال وفق اتفاق باريس الإقتصادي المُجحف والموقع بين السلطة الفلسطينية والطرف «الإسرائيلي» عام 1996، وترسلها الى السلطة الفلسطينية بالقطارة.

ردود الفعل «الإسرائيلية» على إتفاق المصالحة كانت متوقعة، وتنسجم مع الموقف «الإسرائيلي» العام الذي يقول بضرورة إدامة حالة الإنقسام في البيت الفلسطيني كشرط لا بد منه لاستمرار العملية التفاوضية.

وعليه، كانت نتائج اجتماعات المجلس الوزاري «الإسرائيلي» المُصغر لشؤون الأمن والسياسة (الكابينيت) ومن قراراته أن «إسرائيل لن تجري مفاوضات مع حكومة فلسطينية تكون حركة حماس عضواً فيها لأن هذه الحركة إرهابية وتدعو إلى القضاء على دولة إسرائيل» على حد تعبير القرار «الإسرائيلي». الذي حمل أيضاً تهديدات واضحة بالقول: «إن إسرائيل سترد على اتفاق المصالحة بإجراءات عقابية تعلن في وقت لاحق». وعلى ما يبدو فإن الإجراءات «الإسرائيلية» المتوقعة يتم بلورتها بين كل من رئيس الحكومة نتانياهو ووزير المال يائير لبيد وفق ما أشارت اليه مختلف المصادر «الإسرائيلية»، حيث يسعى نتانياهو لتحقيق حد معين من الضغوط ولا يريد تفجير الوضع كله فيما تتصاعد دعوات التشدد التي أطلقها عتاة اليمين في حكومة نتانياهو.

المهم، أن الإرادة الفلسطينية تستطيع هذه المرة كسر كل الضغوط «الإسرائيلية» حال تم السير بخطوات صادقة على طريق إنهاء الإنقسام الداخلي، وإعادة بناء الوحدة الوطنية، وعلى طريق إعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية الجامعة للكل، بما في ذلك دخول حركتي «الجهاد» و «حماس» لعضوية المنظمة على أساس برنامج إئتلافي مشترك عماده نتائج الحوارات الفلسطينية وتوقيعاتها.

* كاتب فلسطيني - اليرموك

انشر عبر