شريط الأخبار

مصر والمصالحة الفلسطينية ..عبد الإله بقلزيز

01:41 - 29 آب / أبريل 2014

لم تكن شجاعة "أبو مازن" قد انطلقت، بقرار انضمام فلسطين إلى المعاهدات الدولية، واستقبال قرار قبول ذلك الانضمام من قِبل الأمم المتحدة، حتى أتْبَعَ ذلك بقرار كسْر حال الانقسام الفلسطيني عن طريق إعادة فتح خطّ الحوار الوطني مع "حماس" في غزة، في أفق إنجاز مصالحة وطنية، وتحقيق تسوية سياسية توافقية تفتح طريقاً أمام إعادة توحيد المؤسسات الوطنية الفلسطينية التي طال انقسامها .

لا شك أن جاهزية محمود عباس و"فتح" وفصائل منظمة التحرير التقت، في نقطة ما، مع جاهزية "حماس" بعد مديد تيه دخلت قيادتها في دهاليزه في السنوات الثلاث الأخيرة . ولا شك أن الجاهزيتين جرى إنضاجهما فلسطينياً وعربياً بهدوء ومن دون كبير ضجيج، فكان إخراج اللقاء - لذلك السبب - شبه مفاجئ .

الوقاحة "الإسرائيلية" وحدها أبدت الاستغراب من لقاء الإخوة الخصوم في غزة، وهي وقاحة بلغت حدّاً من الفجاجة في تصريح بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، الذي لم يخجل فيه من تخيير الرئيس "أبو مازن" بين "السلام" مع "إسرائيل" أو السلام مع "حماس"، كما لو أن "إسرائيل" هي الخصم الداخلي و"حماس" هي العدو الخارجي الذي يحتل فلسطين ويرفض عودة اللاجئين!

ولسنا في حاجة إلى الإفاضة والتنفيل لبيان أسباب عصبية نتنياهو، وتهديده السلطة بوقف التفاوض معها إن هي ذهبت إلى خيار المصالحة الوطنية، ذلك أن دولة الاحتلال تتغذى سياسياً من مائدة الانقسام الفلسطيني، وتخشى من أن ينتهي هذا الانقسام، فيكُفّ الفلسطينيون عن التلهي بمنازعاتهم الداخلية ليلتفتوا إلى قضيتهم الوطنية الجامعة .

في الأحوال جميعاً، على منظمة التحرير و"حماس" أن لا تتوقفا كثيراً أمام تهديدات نتنياهو وليبرمان، فلتبلع "إسرائيل" "سلامها" الذي تقترحه على الفلسطينيين في شكل استسلام تطلبه منهم من دون خجل، والذي لم يَعد حتى أكثر القادة الفلسطينيين اعتدالاً (محمود عباس) يطيقه أو يتحمل الخوض فيه، وليذهب الشريكان في الوطن، وفي حركته الوطنية، في مشروع المصالحة حتى النهاية، بالجرأة الكفيلة بتحقيق هدف الشعب في طي صفحة الانقسام البغيض، وإعادة بناء الوحدة الوطنية .

ونحن إذ لا نُنكر شجاعة الشريكين الفلسطينيين في تجاوز خلافات الماضي، والإقدام على تدشين سياسة المصالحة الوطنية والشراكة في إدارة المرحلة الانتقالية قبل الانتخابات، لا ننسى أن لهذه الشجاعة "أسباب نزول" . وأسباب نزولها تتمثل في قرار مصر برعاية مصالحة فلسطينية تحتاج إليها فلسطين، التي عانت ويْلات الانقسام منذ سنوات تسع عجاف، وتحتاج إليها مصر لكي تعود إلى ممارسة أدوارها الطبيعية في محيطها الطبيعي، وعلى مقربة من حدود مجال أمنها القومي، حيث أمنها في خطر في سيناء على حدود غزة، كما تحتاج إليها الأمة العربية التي تأذّت في قضيتها الأساس (فلسطين) حين انقسم عليها - وهي القضية الجامعة - المنقسمون من فلسطينيين وعرب فَتَبدد رأسمالها في منازعاتهم .

والحق أن لقاء غزة الأخير، بين منظمة التحرير وحركة "حماس" وما تمخّض عنه من نتائج بالغة الأهمية على صعيد تفعيل مبادئ الوفاق الوطني الفلسطيني، إنما يمثل انتصاراً كبيراً للسياسة المصرية في إعادة الإمساك بمقاليد الأمور في المنطقة، إمساكاً نسبياً، وإدارة الشأن الفلسطيني على القواعد المتوافق عليها عربياً . والنجاح المصري هذا يتمثل في مسألتين على الأقل:

* أولاهما: أن مصر استعادت قطاع غزة سياسياً بعد أن سُرق منها، في السنوات الثلاث، من طرف القوى الإقليمية والعربية الراعية لجماعة "الإخوان المسلمين" . ومن علامات ذلك أنها وفّرت لموسى أبو مرزوق إقامة ثابتة في مصر، ومكنته من العبور إلى القطاع لغرض الاجتماع مع وفد "فتح" ومنظمة التحرير، وكرست موقفه وموقف إسماعيل هنية موقفاً رسمياً ل"حماس" وملزماً للحركة في أي اتفاق داخلي . وإلى ذلك فإن ترتيبات اللقاء في غزة، وملامح البيان الصادر عنه، أعُدت في القاهرة بعناية شديدة .

الثانية: إن الرعاية المصرية للمصالحة أنهت وهم "الإمارة الإسلامية" في غزة، التي انتعشت مع صعود النخبة الإخوانية إلى السلطة في مصر، وترويض "حماس" إقليمياً وعربياً للانضمام إلى المشروع الإخواني الإقليمي . ومن علامات ذلك أنه سيكون على سلطة "حماس" في غزة أن تُحل، بموجب اتفاق المصالحة، وأن تعود إلى المشروع الوطني الفلسطيني، وتذهب إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية . والأهم من ذلك كله أن هذه الرعاية المصرية، وما ترتب عنها، ستفرض على حركة "حماس" أن تشتغل، من الآن فصاعداً، ضمن نطاق "أجندة" وطنية فلسطينية، أو "أجندة" عربية جامعة، لا ضمن "أجندة" إقليمية أو دولية إخوانية كتلك التي سارت فيها قيادتها - خالد مشعل خاصة - منذ أوحي إليها بذلك .

وبمقدار ما يشعر المرء بالارتياح لعودة "حماس" إلى المشروع الوطني الفلسطيني، بعد طول تيه في الانقسام والأوهام، يشعر بالارتياح المضاعف لإعادة إمساك مصر بالملف الفلسطيني بعد أن عبث به العابثون في السنوات الماضية قبل أن تكويَ نار 30 يونيو/حزيران 2013 أصابعهم: في مصر ومحيطها العربي والإسلامي.

انشر عبر