شريط الأخبار

المصالحة الفلسطينية «ولو كلامية» ضربة لإسرائيل ..حلمي موسى

12:37 - 28 حزيران / أبريل 2014

وجهت السلطة الفلسطينية لإسرائيل عدة ضربات على هامش المفاوضات الدائرة وفي قلب الصراع القائم للخروج من الوضع الراهن أو البقاء فيه. وتمثلت إحدى أشد الضربات بإعلان المصالحة بين حركتي فتح وحماس الأمر الذي سحب البساط من تحت قدمي إسرائيل بشأن الادعاء بعدم اكتمال التمثيل واستمرار المراهنة على الانقسام. ولكن لا يقل أهمية عن ذلك لجوء السلطة الفلسطينية إلى المؤسسات الدولية على الرغم من نصائح وتحذيرات كل من إسرائيل والإدارة الأميركية. وبكلمات أخرى فإن هذه الضربات شكلت مفاجأة لإسرائيل التي اعتادت على اعتبار أن كل ما يجري على طاولة المفاوضات يتم تحت سقف الموقف والرعاية الأميركيين المنحازين لها.

وربما أن هذه المفاجأة هي ما دفعت بالمجلس الوزاري المصغر في إسرائيل إلى الرد بأشد صيغة كلامية من دون الإقدام فعليا على خطوات جدية على الأرض تتوازي والحدة الكلامية. وإسرائيل، تحت الحكم الأشد يمينية، معنية في الظروف الراهنة بتمرير الوقت من ناحية وعدم التعرض لهزات إقليمية ودولية قوية من ناحية أخرى. ولذلك فإن رد الفعل الإسرائيلي يقع، حتى الآن، في دائرة جس النبض واختبار صلابة الخيارات. ولذلك رأى كثير من المعلقين الإسرائيليين أن الخطوات التي اتخذها المجلس الوزاري المصغر تنفس عن غضب المتشددين لكنها لا تحطم الأواني مع الفلسطينيين.

ولا يعود ذلك إلى تنامي الحكمة في المعسكر الرسمي الإسرائيلي بقدر ما يعود إلى الإدراك بأن العالم، بما فيه الإدارة الأميركية، يؤمن بأن العائق أمام التسوية كانت حكومة نتنياهو وليس السلطة الفلسطينية. وربما أن هذا ما تبدى في الموقف الأوروبي تحديدا الذي رأى أن المصالحة الفلسطينية خطوة إيجابية رغم أن المفاوضات مع إسرائيل ضرورة واجبة. كما أن الأميركيين الذين تلفظوا بعبارات حادة ضد المصالحة الفلسطينية لم يأخذوا بالموقف الإسرائيلي ورأوا أهمية انتظار رؤية ما إذا كانت حكومة الكفاءات المقرر تشكيلها ستستجيب لشروط الرباعية الدولية أم لا قبل أن يقرروا موقفهم النهائي منها.

وفي كل حال فإن كثيرين اعتبروا الغضب الإسرائيلي العنيف مجرد مسرحية لن تقنع أحدا وهي تقع خارج سياق الإرادة الدولية الساعية لحل الصراع العربي الإسرائيلي وفق معطيات الشرعية الدولية الراهنة. وربما لهذا السبب تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن تقديره بحاجة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني راهنا إلى «إجازة» من المفاوضات. ولكن ذلك لم يحل دون تأكيد الإدارة الأميركية أن وقف المفاوضات حاليا لا يعني بحال فشل المساعي الأميركية التي ستحاول الاستناد إلى حكومة الكفاءات، إذا شكلت، لدفع عملية المفاوضات إلى الأمام.

ويعتقد البعض في إسرائيل أن اتفاق المصالحة الفلسطينية لن يجد طريقه إلى التنفيذ وأن مهلة الأسابيع الخمسة حتى تشكيل حكومة الكفاءات ستظهر صحة هذا التقدير. ومع ذلك تستعد إسرائيل لاحتمال تنفيذ الاتفاق ولإدارة الأزمة مع الفلسطينيين بعد أخذ ذلك بعين الاعتبار. وهي ترى في خطاب الرئيس عباس أمام المجلس المركزي وإصراره على متابعة نهج تحدي إسرائيل على الأرض وفي المحافل الدولية نوعا من «تأكيد قتل» أو «رصاصة رحمة» على كل العملية التفاوضية.

وأيا يكن الحال فمن الواضح أن اتفاق المصالحة يقع في نطاق المرحلة الانتقالية القائمة في المنطقة والتي لا يبدو فيها أن شيئا ما قابل للحسم بشكل واضح. فلا الوضع العربي عموما ذاهب إلى استقرار قريب في ظل احتدام الأزمات ولا الوضع الدولي يتجه نحو حسم. فالدور الأميركي في العالم يتراجع بينما تحاول قوى دولية أخرى اثبات حضورها من دون أن تتمكن من تشكيل قطب جاذب رئيس. والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ليست قابلة للوصول إلى نهايتها باتفاق شامل أو حتى اتفاقات انتقالية كبيرة. وربما أن هذا ما دفع البعض للاعتقاد ان الرئيس عباس أراد أن ينهي حياته السياسية بتحقيق المصالحة الداخلية مع حماس ما دام ليس بالوسع تحقيق السلام مع إسرائيل.

غير أن المسألة ليست شخصية ولا حتى فصائلية وإنما هي وطنية بامتياز. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تكرار التهديدات من الرئيس عباس بحل السلطة وتسليم مفاتيحها سواء لحكومة الاحتلال أو الأمم المتحدة. ومن الواضح أن هذا التهديد ليس مجرد ادعاء فارغ كما تحاول إسرائيل التأكيد وإنما مطلب يعرضه الواقع الفلسطيني كأحد الخيارات. فإذا كانت القضية الفلسطينية تتراجع ودور السلطة يزداد هامشية والعالم يمارس السكوت وإسرائيل تكسب وتخلق المزيد من الوقائع على الأرض فإن بقاء هذا الحال خسارة فلسطينية مؤكدة. فاستمرار الاحتلال في ظل هذه الظروف يعني ليس فقط عدم دفع إسرائيل أثمانا لاحتلالها وإنما أيضا جباية مكاسب ليست فقط أمنية وإنما أيضا اقتصادية وسياسية وعلى حساب الفلسطينيين.

ومن المهم ملاحظة أن إسرائيل تستشعر الخطر من مجرد المصالحة ليس لما تنطوي عليه الاتقاقيات بين الطرفين وإنما أساسا بسبب الأجواء التي تخلقها والتي لا تريح إسرائيل. فالتعاون الأمني مع السلطة يغدو عديم النفع في ظل أجواء المصالحة والتآخي الوطني كما أن حكومة وطنية لا يمكنها أن تلعب دور الحاجز أو الحامي للحواجز والمستوطنات الإسرائيلية.

انشر عبر