شريط الأخبار

سباق غير متكافئ بين «المصالحة» وصفقة المفاوضات

01:23 - 23 آب / أبريل 2014

كتب : حلمي موسى

بدأ سباق غير متكافئ، أمس، بين لقاءين أحدهما في مدينة غزة بين وفدين فلسطينيين وآخر في القدس المحتلة بين وفد إسرائيلي وثانٍ فلسطيني. وبرغم أن اللقاء الأول بدأ باحتفال وحفاوة وإظهار حسن النيات في مقابل السرية والغموض وتقطيب الجبين في اللقاء الثاني، إلا أن فرص تحقيق الغاية لدى اللقاء الثاني أكبر. فاللقاء الأول يهدف إلى تحقيق «المصالحة» الفلسطينية، في حين يرمي اللقاء الثاني إلى تمديد المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.

ومن شبه المؤكد أن أحد اللقاءين يخدم الآخر، حيث تظهر مساعي المصالحة أن لدى الفلسطينيين خياراً آخر غير المفاوضات، في حين تظهر المفاوضات اتساع الشرخ ليس فقط مع الإسرائيلي وإنما أيضاً مع خيارات حكومة حماس. ويؤكد كثيرون أنه في كل الأحوال هناك مأزق عام فلسطيني تجري هنا وهناك محاولات الخروج منه طوراً عبر إحياء جهود المصالحة وطوراً عبر التمسك بالمفاوضات.

ومن الوجهة العملية، فإنّ هناك مصلحة مشتركة إسرائيلية وأميركية وفلسطينية (سلطة رام الله) في تمديد المفاوضات. وتعمل واشنطن على تقليص الهوة بين مطالب واشتراطات الإسرائيليين والفلسطينيين، وربما العودة لتنفيذ ما يعرف بـ«صفقة بولارد». وتعني الصفقة تمديد المفاوضات والإفراج عن الدفعة الرابعة من معتقلي ما قبل اتفاقيات أوسلو ومعتقلين آخرين وتجميداً جزئياً للاستيطان في الضفة الغربية وبعض التسهيلات الجزئية الأخرى. كما تعني أن السلطة الفلسطينية تحقق إنجازاً بصمودها في وجه مطلب إسرائيل بالتراجع عن انضمامها لـ15 معاهدة واتفاقاً دولياً.

وبديهي أن لقاءي القدس المحتلة وغزة محكومان بقرب انتهاء مهلة شهور المفاوضات التسعة التي تنتهي بعد أقل من أسبوع وباجتماع المجلس المركزي الفلسطيني في 26 نيسان الحالي الذي قيل إنه «حاسم». ويبدو أن فرص توصل لقاء القدس إلى اتفاق أو صفقة قبل لحظة الحسم، أعلى بكثير من فرص لقاء غزة لاعتبارات كثيرة أهمها وجود إرادة دولية تحثّ على ذلك.

ومن الجائز أن هذه، بالضبط، هي مشكلة جهود المصالحة، التي لم تعد تحظى برعاية أو حث حقيقي من جانب أي قوة إقليمية أو دولية. فإسرائيل ترى في المصالحة شراً وهي لا تدخر وسعاً في التحذير منها. وكان آخر من تحدث في الأمر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي طالب السلطة بالرسو على موقف: «هل تريد المصالحة مع حماس، أم حلّ نفسها أم التفاوض مع إسرائيل». كما أنّ الأميركيين يأخذون، على وجه العموم، جانب الإسرائيليين في هذه المسألة ويتبعهم، ربما بغير حماس، الأوروبيون. ولكن عن العرب حدّث ولا حرج. فحركة حماس باتت في نظر العديد من القوى العربية المركزية عدواً يقع في مرمى نيرانها ضمن دائرة «الإخوان المسلمين» والتطرف الديني.

والواقع أن هذه النظرة مرحَّب بها جوهرياً من جانب السلطة الفلسطينية في رام الله والتي تدعو للمصالحة كواحد من خيارين: ضريبة كلامية تقدم للجمهور الفلسطيني الناقم على الانقسام والمدرك مخاطره، أو فرصة لاستغلال ما يرونه مأزقاً لحماس يمكن استغلاله. وهي نظرة، وإن اختلف معها كثيرون داخل حركة فتح والتيار الوطني الفلسطيني وحتى داخل حماس وفصائل أخرى، فإنها أشبه بصورة مرآة لدى السلطة الفلسطينية في غزة. إذ توجد مصالح لجهات متنفذة تعرقل، حتى برغم الإقرار بالأزمة، إمكانية التقدم إلى الأمام في جهود المصالحة.

فهناك في سلطة غزة من يؤمن بأن السلطة في رام الله في مأزق كبير وأنها تتطلع للعودة إلى غزة لتحقق مكسباً، ولذلك فإنها من ينبغي أن يدفع الثمن. صحيح أن في أوساط حماس في غزة كثيرين من يرون أنه لا ينبغي تحميل الجمهور الغزي أعباء أكبر من التي يحملها، لكن هذه ليست القناعة الحاسمة. فما زال البعض يؤمن بريادية تجربة الحكم الإسلامي في قطاع غزة وأهمية أن لا تفشل مهما كانت الظروف.

وكان رئيس حكومة حماس المقالة إسماعيل هنية دعا، في مؤتمر صحافي عقده في منزله لدى استقباله الوفد الآتي من رام الله، إلى «التنفيذ الفوري لكل ما تم الاتفاق عليه في الدوحة وفي القاهرة وبمظلة عربية، نحن متمسكون بالرعاية المصرية للمصالحة الفلسطينية». وأكد على ان «التداول السلمي للسلطة يأتي من خلال الانتخابات». وأضاف متوجهاً إلى الوفد أيضاً «بكل روح ايجابية نستقبلكم ونتحاور معكم ونريد ان نصل الى اتفاق واضح ومحدد ليس على اصل الاتفاق ولكن على آليات تنفيذ هذا الاتفاق»، مشدداً على ان «حماس على قلب رجل واحد في تحقيق المصالحة باعتبارها ضرورة وطنية». وأكد هنية على انه «لن نتخلى عن حق العودة والأسرى وحماية المقدسات، وأيضاً لا مجال للفشل هذه المرة في إتمام المصالحة».

وفي كل الأحوال فإن الخلافات حول لقاء غزة لا تختفي فقط، لأن بعض المسؤولين في غزة ورام الله يتحدثون بشكل أكثر إيجابية وتفاؤلاً. وبحسب مصدر مطلع، فإنّ الخلافات ترتدي طابعاً إجرائياً وجوهرياً على حد سواء. وكانت أول الخلافات حول طبيعة اللقاء والمشاركين فيه. فالسلطة في رام الله تريد اللقاء ليس للتفاوض وإنما لتنفيذ ما سبق واتفق عليه. والسلطة في غزة تريد اللقاء إطاراً لحوار وطني واسع لمناقشة كل القضايا وبهدف التوصل إلى حلول. والسلطة في رام الله تريد اللقاء محدداً بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة ومنظمة التحرير ممثلة بـ«وفدها الخماسي» الذي يضم إلى جانب مسؤول ملف المصالحة في حركة فتح عزام الأحمد كلاً من أمين عام حزب الشعب الفلسطيني بسام الصالحي والنائب مصطفى البرغوثي وامين عام الجبهة العربية الفلسطينية جميل شحادة عن فصائل، ومنيب المصري عن مستقلين من جهة أخرى. ولكن سلطة غزة تريد أن يحضر اللقاء ممثلو الجبهتين الشعبية والديموقراطية. وطبعاً اعترض الأحمد، بشكل لبق، قائلا إنّ الوفد القادم من رام الله يمثل منظمة التحرير وإنّ الجبهتين عضوان في المنظمة ولا داعي لحضورهما.

المهم ولمنع الالتباسات، فإنّ إحدى الجبهتين، على الأقل، دعت الطرفين إلى عدم الخلاف على حضورهما، معتبرة أن أهم مكسب هو أن يتفق الطرفان وحينها ليس مهماً حضور الجبهتين. ويتحدث مسؤول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن أن سلطة رام الله لا تريد الجبهتين بسبب مواقفهما المعلنة من المفاوضات والانقسام، وأن سلطة غزة تريد حضورهما كنوع من الثقل في مواجهة فتح.

ومهما كانت الحال فإن حماس تتطلع إلى أن تتركز المحادثات على تنفيذ بنود اتفاق القاهرة قبل ثلاثة أعوام وفي مقدمتها الاتفاق على تشكيلة الإطار القيادي وإصلاح منظمة التحرير. لكن «السفير» علمت من مصدر مطلع أن «الوفد الخماسي» تلقى تعليمات من رام الله قبل مغادرتها بحصر النقاش في نقطتين: موعد الانتخابات العامة وتشكيلة الحكومة الانتقالية. أحد المشاركين في «احتفال» غزة تندر قبل اللقاء بوقت قصير قائلاً: أهم شيء في اللقاء أن يكون العشاء طيباً!

جدير بالذكر أنّ حكومة حماس المقالة استبقت الاجتماع، أمس الأول، بإطلاق سراح عشرة أعضاء مسجونين من حركة فتح، في ما بدا أنه بادرة حسن نية.


انشر عبر