شريط الأخبار

خواطر في عيد الفصح المجيد .. طاهر كنعان

11:21 - 20 تموز / أبريل 2014

في أيام الفصح هذه، يحيي إخواننا المسيحيون ما جاء في كتبهم من ذكرى الجمعة الحزينة، حين امتثل الحاكم الروماني لقرار أحبار اليهود بصلب المسيح، فقام بتنفيذ القرار، ثم ذكرى قيامة المسيح، حين بعثه الله للحياة الخالدة، على الرغم مما بدا من نفاذ الحكم بإعدامه. وقد درج التقليد الذي نشأ عليه عامة المسلمين على اعتبار تلك الواقعة في مقدمة عناصر الخلاف العقائدي بينهم وبين المسيحيين. لكن النظر في حقيقة هذا الخلاف، على وجه الدقة، يقتضي الرجوع إلى نصوص القرآن الكريم، بشأن هذه الواقعة بأمانةٍ وذهن منفتح متحرّر من التقليد الشائع، لتبيّن ما يلي:

يقول تعالى في سورة النساء عن اليهود: "فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، بل طبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا"، "وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً"، "وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شُبّه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا اتّباع الظن، وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً" (النساء -الآيات 155-158).

من الواضح أن هناك تطابقاً بين الروايتين، المسيحية والإسلامية، بأن أيام الفصح شهدت انتهاء حياة المسيح في هذه الحياة الدنيا، وذلك أن الله سبحانه وتعالى عاد ووهبه الحياة الخالدة بعد صلبه، وفق الرواية المسيحية، وأن انتهاء حياته بالصلب كان شبهة والتباساً، وأنه لم يقتل يقيناً، بل "رفعه الله إليه"، لحياة خالدة في الدار الآخرة". وفق الرواية الإسلامية. ووفق الرواية الإسلامية، تصادق الوقائع على ما تنبأ به المسيح لنفسه، حين تكلّم، وهو صبيّ في المهد: "قال إني عبد الله آتاني الكتاب، وجعلني نبيّا؛ وجعلني مباركا أين ما كنت ‎وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا؛ وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيّا؛ والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعثُ حيّا" (مريم ، الآيات 30-33 ). فموت المسيح أو انتهاء حياته الدنيا حق، وقيامته (بعثه حياً) هي حق أيضاً.   

ويتركز الاختلاف، إذا كان هناك اختلاف، على تفسير "ولكن، شُبّه لهم". إذ يرى التفسير الدارج أن مَن صلب هو شخصٌ آخر، جعله الله شبيهاً به، وقيل إن هذا الشخص هو الواشي الذي وشى به إلى الرومان.

إننا لا نرى أيّ سندٍ لهذا التفسير من واقع النصّ باللسان العربي المبين: وما قتلوه يقيناً... بل شبّه لهم أنهم قتلوه، ففعل "شُبّه" مصدره الشبهة، وهي الالتباس، وشبّه لهم أي التبس، واختلط عليهم الأمر. بالضبط، كما اختلط الأمر على الذين يظنون أن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، في حين يصدق الله تعالى بقوله: "ولا تحسبَنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون". (آل عمران – الآية 169).

ما أحرانا في هذا الزمن الرديء، الذي شهد ارتداد جماعاتٍ من الجَهَلة والمجرمين عن الإسلام الصحيح والدين القويم، فكفّروا المؤمنين، وأعملوا السيف في رقاب الأبرياء، وتحدّوا بكفرهم وتكفيرهم تعليمات الخالق المحكمة، وغير الملتبسة: "أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً"(المائدة، الآية 32 )، "ومَن يقتل مؤمناً متعمّداً، فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيما".(النساء، الآية 92)

لقد أغفل التكفيريون أن الله غفور رحيم، يتسّع غفرانه ورحمته لأصحاب الكتاب والصابئين، شريطة أن يفتدوا ذنوبهم بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، إذ قال تعالى: "إن الذين آمنوا، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون" (البقرة، الآية 62).

بل لقد نصَّب التكفيريون أنفسهم قُضاة للبشرية، ظلماً وعدواناً، مستبقين قضاء الله وحكمه المؤجّل إلى يوم الحساب: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ هَادُوا، وَالصَّابِئِينَ، وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (الحج، الآية 17). وحتى حين قضى سبحانه وتعالى أنه "لا يغفر أن يُشرَك به، ويغفر ما دون ذلك لمَن يشاء، ومَن يشرك بالله فقد ضلَّ ضلالاً بعيدا". (النساء، الآية 116). إذاً فإنه عزّ وجلّ لم يفوّض التكفيريين، أو أي بشر آخرين، أن يحكموا على المشركين، أو يتولّوا عقابهم، بل أنذرهم مع أصحاب الديانات الأخرى إلى يوم القيامة، ليفصل بينهم بحكمه العادل.

إن قوام الإسلام هو التوحيد والعدل، وذلك ما اقتبسته الجدارية المنقوشة في أحد أروقة كلية الحقوق في جامعة هارفرد: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط، شهداء لله، ولو على أنفسكم، أو الوالدين، أو الأقربين، إن يكن غنياً، أو فقيراً، فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو تعرضوأ، فإن الله كان بما تعملون خبيراً". (النساء، الآية 135).

أقول قولي هذا، وأبارك لإخواننا المسيحيين بعيد الفصح، وأستغفر الله لي ولهم.

انشر عبر