شريط الأخبار

تآكل في وقف النار بين اسرائيل وحماس في قطاع غزة -نظرة عليا

12:03 - 13 تموز / أبريل 2014

بقلم: يورام شفايتسر، بنديتا بارتي وشلومو بروم

(المضمون: تعيش حركة حماس بين المطرقة والسندان. وفي مواجهة ذلك تراوح بين سياسة كبح المقاومة من القطاع وبين ارخاء الحبل لها. وكخيار آخر قد تحاول تصعيد نشاطها في الضفة الغربية ايضا - المصدر).

بدأ التصعيد الذي سجل مؤخرا بهجمات صاروخية من قطاع غزة الى اسرائيل كعملية رد من حركة الجهاد الاسلامي الفلسطيني، في اعقاب غارة جوية اسرائيلية، قتلت ثلاثة نشطاء من المنظمة. ووجهت الغارة الاسرائيلية في جنوب القطاع نحو خلية للجهاد الاسلامي كانت مشاركة في تبادل لاطلاق النار ضد قوات الجيش الاسرائيلي في الطرف الاخر من الحدود.

ويعكس هذا الحدث التآكل التدريجي الذي طرأ منذ بداية العام 2014 على التفاهمات للحفاظ على وقف النار والتي تحققت بوساطة مصر في تشرين الثاني 2012 وأدت الى انهاء حملة "عمود السحاب". وكان اتفاق وقف النار هذا غير الموقع التعبير الاكثر وضوحا عن سياسة الكبح لدى حركة حماس، والتي تبنتها الحكومات الاسرائيلية في السنوات الاخيرة والقائمة على أساس الردع المتبادل. هذه السياسة الجديدة التي تم تبنيها بعد هجر النهج السابق – الذي طبق بعد سيطرة حماس على قطاع غزة في صيف العام 2007 واستهدف اسقاط المنظمة – بالتدريج بسبب فشله في كل ما يتعلق بتحقيق اهدافه. وبينما تميزت الاشهر الـ 12 الاولى بعد وقف اطلاق النار بانخفاض كبير في مظاهر العنف بين الطرفين، تتمي السنة الجارية بوضع يصبح أقل فاقل استقرارا.

لتحقيق الردع المصداق مع حماس، حرصت حكومة اسرائيل على أن ترد على كل خرق للتهدئة في المنطقة، فيما تعترف بالتوازي بحركة حماس بصفتها المنظمة الحاكمة في قطاع غزة بحكم الامر الواقع. وبالتالي، فانها ترى فيها مسؤولة عن كل هجوم على اراضيها على مواطنيها، دون صلة بهوية الجهة التي تنفذ الهجوم عمليا.

ولكن السياسة الاسرائيلية التي ترى في حماس الحكومة الفعلية في قطاع غزة، يجب ان تكون متوازنة مع المصلحة في منع التصعيد الزائد – من جهة، وحيال التطلع للامتناع عن الانجرار الى عملية واسعة اخرى في القطاع، من جهة اخرى. وقد ركزت اسرائيل حتى الان هجماتها أساسا على منظمة الجهاد الاسلامي في قطاع غزة، أو على كل منظمة اخرى تبادر الى اطلاق الصواريخ وتخرق بذلك وقف النار، فتلمح بذلك الى مصلحتها في منع تصعيد شامل، القلق الذي تشارك فيه حركة حماس أيضا. وبالتوازي، استخدمت حكومة اسرائيل في الاونة الاخيرة الضغط على حماس كي توقف القوى التي توجد في ايديها امكانية تدمير كامنة، تعمل في غزة، من الجهاد الاسلامي الفلسطيني وحتى الفصائل السلفية الجهادية المحلية. وفي هذا السياق ينبغي فهم التهديد الذي عبر عنه مؤخرا وزير الخارجية افيغدور ليبرمان بشأن اعادة الاحتلال الكامل لقطاع غزة.

تعنى حماس، من جهتها، مؤخرا بالمشكلة المعقدة للحفاظ على حكمها في قطاع غزة، والتي تستوجب منع اشتعالات واسعة أو متواترة مع اسرائيل، ولكن في ظل عدم المخاطرة بمصداقيتها كمنظمة "المقاومة الاسلامية". وذلك من اجل منع وضع يعمل فيه لاعبون آخرون، كالجهاد الاسلامي، بهدف عرض أنفسهم كبديل افضل. ولهذه الاعتبارات، راوحت المنظمة في الاونة الاخيرة بين فترات من فرض سياسة "صفر تسامح" تجاه الهجمات غير المنسقة على اسرائيل، وبين فترات خففت فيها قبضتها في قطاع غزة، على اساس الفهم بان استخدام كامل ثقل وزنها في داخل القطاع من شأنه أن يمس بسمعتها.

في هذا الوقت، وفي ضوء وضع حماس الاخذ في التعقد، يصبح منع القوات التي تتحداها داخل قطاع غزة هام على نحو خاص بالنسبة لها. فبعد عزل حكومة مرسي في مصر، يتخذ الحكم الجديد فيها نهجا قاسيا على نحو خاص تجاه حماس: فرض اغلاقات طويلة على الحدود بين مصر وقطاع غزة، وأعمال متشددة ضد الانفاق التحت أرضية التي استخدمت ليس فقط لتهريب وسائل القتال بل وايضا ادت دورا حاسما في توريد البضائع اللازمة لقطاع غزة. والحقت هذه السياسة حتى الان ضررا اقتصاديا جوهريا لحماس، بالحكومة، وبالمواطنين العاديين في القطاع.

وفضلا عن ذلك، تتخذ الحكومة المصرية الجديدة منذ زمن بعيد خطا سياسيا في ماهيته مواجهة مفتوحة ضد حماس في كل ما يتعلق بالعلاقات التاريخية للمنظمة مع حركة الاخوان المسلمين، وأعلنت عن حماس كمنظمة غير قانونية وكيان داعم لاعمال الارهاب، سواء في شبه جزيرة سيناء أم في مصر نفسها. وبينما ردت حماس على فقدان الحليف المصري من خلال بذل الجهود في اعادة بناء علاقاتها مع طهران والابقاء على النظامين في الدوحة وفي اسطنبول الى جانبا، فان هذين الشريكين غير قادرين على تعويضها عن الشرخ الذي سجل في علاقاتها الاستراتيجية مع مصر. من جهة اخرى، تفسر هذه التطورات لماذا، في نظرة شاملة، تتخذ حماس جانب الحذر الزائد عند صياغة سياستها في كل ما يتعلق بمصر في ظل الحذر من مزيد من التفاقم في العلاقات الاشكالية اصلا بين الطرفين، وتحاول المرة تلو الاخرى تهدئة الوضع واعادة علاقات العمل بين الطرفين الى حالتها السابقة.

في هذا السياق المحدد، توجد لحماس مصلحة اكبر في الامتناع عن مواجهة عسكرية مباشرة اخرى مع اسرائيل، والتي تعبر عن نفسها من خلال منع التصعيدات المحتملة وتعزيز آخر لسيطرة الحركة في قطاع غزة. في هذا السياق، تواصل حماس ادارة علاقات متأرجحة مع عدد من الفصائل المسلحة الاصغر، العاملة في القطاع، واهمها المعسكر السلفي الجهادي – منظمة صغيرة، ذات تنظيم هزيل. ووقفت هذه المنظمات في احيان قريبة خلف التصعيدات المتكررة التي في اثنائها اطلقت الصواريخ نحو اسرائيل. وفي ضوء النشاط المتزايد للجماعات الجهادية في سوريا، في لبنان، في سيناء وفي مصر، من شأن هذه الجماعات ان تشعر بانها تضطر الى رفع دورها في قطاع غزة. ومع أن قدراتها العسكرية هامشية بشكل نسبي، شكلت هذه الجماعات ازعاجا سياسيا لحماس في الماضي، سواء من خلال مهاجمتها لتاريخ حكمها، وانتقادها لـ "اعتدال" حماس أم من خلال مبادرتها الى هجمات على اسرائيل دون مراعاة لاثار ذلك على قطاع غزة. وعلى الرغم من ان منظومة علاقات حماس مع الجهاد الاسلامي هي منظومة شجاعة الا انها تنطوي على امكانية نشوء المشاكل. فرغم أن زعماء حماس والجهاد الاسلامي أعلنوا عن تعزيز العلاقات بينهما وعن تنسيق أعمالهم فان هذا التعزيز سيسجل في مكانة الجهاد الاسلامي وفي حرية عمله، مما من شأنه أن يصبح مصدر احتكاك بين المنظمتين، اللتين تتميز العلاقات بينهما في الاونة الاخيرة بتوتر متكرر. هذه هي الحالة، ولا سيما في ضوء القرب التاريخي والحالي للجهاد الاسلامي من ايران ومصلحته في رفع دوره المحلي على حساب حماس من خلال مبادرات لتنفيذ هجمات ضد اسرائيل.

ما الذي يمكن لحماس أن تفعله في هذا الوضع؟ يبدو أن الحركة توجد بين المطرقة والسندان. فمن جهة – تدخل نشط لمنع الجهاد الاسلامي من تنفيذ اطلاق الصواريخ ضد اسرائيل على سبيل الثأر لقتل نشطائه، كان خيارا سيئا لحماس، وذلك لانه يمس سواء بالعلاقات الداخلية في القطاع أم بالسمعة الطيبة للمنظمة. ومن جهة اخرى، تجعل الازمة السياسية والاقتصادية الحالية الحفاظ على الهدوء مع اسرائيل موضوعا هاما بالنسبة لحماس. ومن اجل تقديم جواب مناسب للمصالح المتناقضة هذه، مطالبة حماس بان تلعب دورا مركبا مع اسرائيل. بهذا المفهوم، سيكون على الطرفين ان يؤشرا الى بعضهما البعض الى مصلحتهما في العودة الى وضع النزاع المضبوط في الجنوب، والذي تحافظ فيه حماس "في معظم الحالات" على الهدوء، بينما اسرائيل ترد "في معظم الحالات" بشكل متوازن ومحدود. وغني عن الاشارة الى أن هذا السلوك المتمثل بـ "ادارة النزاع" والذي يستند الى اطلاق الاشارات، بعيد عن أن يكون مستقرا، ولكن في ظل غياب دور سياسي هام وتحديث للسياسة الحالية فانه يشكل الحل الاكثر معقولية لمواجهة انعدام الاستقرار الحالي.

كسبيل محتمل آخر لتسوية التناقضات التي وصفت أعلاه، من شأن حماس أن تحاول تصعيد نشاطها في الضفة الغربية، المنطقة التي لا تسيطر فيها بشكل مباشر، في ظل محاولة الدفاع عن النفس، بهذه الطريقة، ضد اعمال الرد المباشرة لاسرائيل. وبالفعل، لا ينبغي استبعاد امكانية أن يكون بوسع التعاظم الواضح لاعمال حركة حماس في الضفة الغربية ان يكون مرتبطا بهذه الاعتبارات. وبناء على ذلك، حسن تفعل اسرائيل اذا ما ضمنت الحفاظ على علاقات عمل جيدة وتعاون مناسب مع السلطة الفلسطينية، وذلك رغم الازمة المحتملة التي قد تنشب في أعقاب الانتهاء المرير للمفاوضات الجارية بين الطرفين. والا فمن شأن حماس وحركات اخرى ان تستغل التوتر والاحباط المتزايدين في اوساط السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية في محاولة لاشعال نار الكفاح المسلح والعنف من جديد كوسيلة مفضلة للتصدي لاسرائيل.

انشر عبر