شريط الأخبار

الأمن والقمح.. علي عقلة عرسان

09:38 - 08 حزيران / أبريل 2014

 

بعد أن قام بعض " الأشاوس" في منطقة حوران بالاستيلاء على صوامع الحبوب في درعا وغيرها وبيع ما سيطروا عليه إلى الأردن، أسوة بزملاء لهم استولوا على مخزون الحبوب في الحسكة وباعوه إلى تركيا.. بدأت ضائقات " رغيف الحبز" تشتد وتضغط على الناس، وأخذ يضاعف من حدتها تعذر وصول المؤن إلى مدن وأحياء في مدن وإلى بلدات وقرى محاصرة أو مقطوعة عنها طرق الإمداد بسبب الحرب المجنونة التي أوصلت سعر الكيلو غرام الواحد من الخبز إلى مبالغ خيالية، وتغشى فيها الرغيف بالدم وتعفر بالتراب، وأصبحت اللقمة تُلاك بالدمع إن وجدت، ومات من مات من الناس جوعاً في أماكن معروفة.. بعد الحدث الذي أشرت إليه من استيلاء على صوامع الحبوب وبيع المخزون فيها بدأ أمس الثلاثاء الثامن من نيسان 2014 اليوم الأول في عملية تقنين رغيف الخبز في حوران؟!.. وبموجب التقنين المشار إليه تُعطي ربطة خبز واحدة للأسرة الواحدة، والأسر في حوران كثيرة العدد، وهذا يتم في منطقة من أهم المناطق التي تغذي سورية بالحبوب، وعلى رأس ما تنتجه منها القمح الحوراني القاسي المعروف في العالم بجودته.. وحوران في التاريخ هي "إهراء روما" أي خزانها من الحبوب، لما كانت تنتجه من القمح على الخصوص.. وهي أم الجياع وملاذالعاني والمضطر، حيث يأمن ويشبع ويعيش بكرامة.

في السنوات التي كان فيها الاستعمار الفرنسي ينتزع القمح من الفلاحين ليطعم جنوده المحتلين لسورية أو لبلدان أخرى، وكذلك في سنوات القحط والجدب والجفاف، كانت الأسر في حوران تتقن ما يعرف بالاقتصاد المنزلي، وكانت تحتاط لنفسها فتحزن الحبوب في "كَواير" تصنها من الطين وتقيمها داخل البيوت، أو تخزنه في "جُوَرٍ" تشبه الآبار تحفرها في الأرض، وهي مطويِّة من الداخل ومغلَّفة بطبقة من القش أو التِّبْن ليقي المخزون فيها من الرطوبة، وكان السكان يسترون تلك الحفر ويموهونها جيداً حتى لا تظهر معالمها لرجال الحكومة ولمن كانوا يتقصون القمح في القرى لينتزعوه من الفلاحين، حتى لو أبقوهم من دون مؤنة..؟!

منذ عدة سنوات، بل منذ عقود خلت من الزمن، وفي بداية الستينات من القرن العشرين، أي بعد عقد ونصف من الاستقلال 1946 تقريباً، لم يعد الكثير من سكان المنطقة يخزِّن الحبوب، وبدأ تراجع طحن الحبوب في مطاحن القرى وكذلك صنع الرغيف في المنازل، واستمر التراجع حتى وصل ذلك إلى درجة التلاشى أو إلى نسبة " بنسبة 99% " مما كان عليه، وترافق ذلك مع تراجع الاقتصاد المنزلي عماد حياة الناس في هذه المنطقة حتى بلغ ذروة عالية في النصف الأول من ثمانيات القرن العشرين شملت سورية كلها تقريباً.. وأصبح شأن رغيف الخبز شأناً حكومياً بالتدريج حتى وصل إلى درجة شبه تامة، حيث تولت الحكومة تخزين الحبوب في صوامع خاصة، وإقامة المطاحن والأفران الكبيرة، وصناعة الرغيف والإشراف على شؤونه كافة، وتأمين حاجة الناس من هذه المادة الحيوية بأسعار معقولة، بل بدعم كبير جداً للرغيف لم يتوقف حتى الآن على الرغم من الأزمة/ الكارثة.. وهذا شيء جيد قد لا تجده في غير سورية، لكنه بني على تصور لاستقرار دائم وإنتاج لا يتزلزل بفعل سوري، ولم يأخذ ما يأتـي بالحسبان ما قد يأتي به الحدثان من فعل عبر امتداد الزمان.. لقد كان في سورية مخزون استراتيجي من القمح يكفي لسنتين أحياناً، وذلك ضمن استراتيجية المحافظة على إنتاج المواد الأساسية أو المحاصيل الاستراتيجية التي يحتاجها الشعب وينتجها بإشراف الدولة، لا سيما الحبوب والزيوت.. وهو أمر مكن سورية من تجاوز حصار خانق ضُرب عليها في الثمانيات من القرن العشرين، ومكَّنها من ألا تخضع لمن أراد تجويعها وتركيعها وسعى لجعل رقبتها في يده لكي يجبرها على تغيير خياراتها السياسية والخضوع لإرادته وإملاءاته من خلال التحكم برغيف الخبز.. وربما كان القليل منا نحن السوريين يذكر التساؤل الاستنكاري الذي رفعته وزيرة الخارجية الأميركية السيدة مادلين أولبرايت في وجه وزير خارجية سورية الأستاذ فاروق الشرع حين قالت له: "لماذا لا تطلبون المساعدات.."، أو كلاماً بهذا المعنى، فكان جوابه ممعناً في التعبير عن كرامة السوريين، على الرغم من الشدة، حين قال نحن لا نطلب.. وكان يسنده من خلف ظهره شعب ينتج، ومحاصيل استراتيحجية منتظرة تقي البلد والناس شر الحاجة ولو إلى حين.. فسورية لا تأكل بثدييها؟!.. لكن سنوات الكارثة الثلاث، أو سنوات الجنون والمقت والموت، غيرت الكثير من الوقائع في أرض الواقع، وجعلت سوريين وسوريات يقفون على أعتاب الناس، وأبقت كثيرين في مخيمات قيد الاعتقال في سجنين سجن سجانهم وسجن الإعاقة التي وضعتهم ووضعت أحباءهم والمسؤولين عنهم في دوائر العجز ليمارس عليهم من ليس جديراً بعروبته ولا بإسلامه وقيمه وانتمائه.. ممارسات يندى لها الجبين؟! وأنتجت من المصائب والمصائر ما لم يكن أي سوري يفكر بمثله أبداً، على الرغم مما كان يشعر به داخلياً من المعاناة وما يعتمل في نفسه من الشكوى المرة جراء فساد وإفساد، وانتهازيين بلا أكباد، ومتطفلين على مؤسسات الدولة وأبناء الشعب ممن لا هم لهم إلا جني المال والتسلط والغطرسة والادعاء وسرقة جهد الآخرين وإهانة كل كريم ومؤمن وبنَّاء.. ومن جراء وسياسات وممارسات لم تقرأ تاريخاً ولم تتقرَّ واقعاً ولم تحفظ توازناً اجتماعياً عادلاً، ولم تغرس حكمة أعمق من أوتاد الحكم ليرتكز عليها المستقل بكل مقوماته واحتمالاته وصناعه.

سورية اليوم تستورد القمح والكثير من المحاصيل الاستراتيجية التي أصبح إنتاجها متعذراً كلياً أو جزئياً بسبب الحرب وانعدام الأمن في مواقع كثيرة، وانتشار الرعب والإرهاب حتى أنه لا يستطيع الناس زراعة حقولهم أو جني ثمارها، ولا حتى قطف زيتون الكروم ليضعوا مؤونة الزيت والزيتون.. ولا نتكلم عن العنب والتين والخضار والألبان ومشتقاتها ولا عن اللحوم ولا.. ولا.. ومن ثم فهم لا يكفون أنفسهم شر الحاجة ولا تستطيع الدولة أن تتكفل لهم بكل شيء؟! ولنا أن نتساءل والمر يقطر مع حروف الأسئلة والتساؤلات: ترى ما الذي يصبح عليه شأن شعب وبلد يأكل مما لا ينتج، وقلما ينتج في هذه الظروف، ويخوض حرباً ضروساً تحتاج إلى ملايين الدولارات يومياً، وتكبده ما قيمته الملايين يومياً فضلاً عن إزهاق الأرواح، وتفسُد فيه الأنفس تتبعها عقول وإرادات، وتتشوه فيه الرؤى.. الأمر الذي ينتج أجيالاً فيها الكثير ممن لا يتمتعون بصحة نفسية، وسوية خُلُقيَّة مطلوبة في كل مكان وزمان وظرف، ويضوع الكثير من الناس فيه في ظروف أكثر من كارثية تجعل النفس البشرية في محنة، ولا تمكن من أن يصمد المرء لامتحانات القيم الوطنية والقومية والإنسانية في حالات كثيرة نتيجة الحاجة والخوف والجوع، والجوع كافر..؟! يتكلم بعض الذين يساهمون في محنة الشعب في سورية عن "ثورة جياع" وهذا جدير بالاعتبار وبالتفكير فيه، ولكن كيف الجياع وهم بين نيران ونيران ونيران، وهناك من يحصدهم قبل أن يجوعوا وبعد أن يقتلهم الجوع؟! وعلى من يثورون إذا كان هناك من يجوِّعهم ليشغِّلهم قتلة أو يجعلهم ضحايا للقتلة.. لكي يأكلوا بين موت وموت، ويدمروا العمران وأنفسهم وبلدهم والقيم التي يقوم عليها كيان الإنسان وبُنيانه؟!

نعم عجيب أن لا يرى الإنسان أبعد من أنفه فتسوقه تلك الرؤية القاصرة إلى حتفه، ولكن الأعجب من ذلك أن يملك المرء من القدرة على الرؤية ما كان لزرقاء اليمامة كما يقال فيوظف ذلك فيما يدمره ويدمر سواه، ولا يتردد في الإقدام على ذلك بتصميم وشراسة ومن دون تدبر أو تردد.. مع أن أمامه من المخارج ما لا يمكنه أن يدعي مع وجوده أنه محاصر بيأس يدفعه إلى ما يقوم به من فعل، أو أن اليأس يحجب عنه الرؤية والتمييز ويجبره على السير في شِعب المهالك ذاك مما لا يرى سواه طريقاً.؟! يتوقع المسؤولون في سورية أن يكون هذا العام عام جفاف، وحكمهم هذا يأتي بعد انتهاء فصل الشتاء ودخول ربيع الطبيعة واستمرار " ربيع الثورات الأميركية في البلاد العربية ومنها بلد البلدان سورية"، وتسعى جهات أممية إلى تقدير ما يترتب على هذا الجفاف القادم من حاجات وآفات تقتضي المساعدات.. ويضاف إلى ذلك ما يحتاج إليه ملايين السوريين الذين في التشرد الداخلي والخارجي من مساعدات ليبقى القادرون منهم على قيد الحياة فيما هو آت من الكوارث والأوقات، ويقدر الرئيس بشار الأسد أن الحرب في سورية ستنتهي بعد سنة أو في نهاية عام 2014 وسيتفرغ بعدها القطر إلى ملاحقة الإرهاب.. وتلك وقائع على الأرض ممهورة بخاتم مجربين وخبراء ومسؤولين، ومعنى هذا أن عام الجفاف والحرب هذا عام مرشح لمزيد من المعاناة والجوع والمرض من جهة ولمزيد من الدم والدمار والخراب والاحتراب، فهو عام حرب.. والحرب كما يعرف العارفون وغير العارفين "خراب يجر خراباً، واستثمار لتجار السلاح والدم والموت في الحرب والخراب".. فما الذي يبقى للسوريين والسوريات بعد سنة رابعة من الحرب على وطنهم وفي وطنهم، ومن تدمير مقومات عيشهم وتعايشهم وقوت يومهم وقيم حياتهم ومستقبل أبنائهم؟! وإذا كان وفق تقدير مقدرين أن الحرب في سورية قد دمرت حتى الآن ما يقرب من 70% من البلد الأعز، سورية العروبة والحضارة والعز، خلال السنوات الثلاث التي مضت، فهل يبشرنا أولئك "المبشرون" بأن ما يقرب من الربع الأخير الباقي من سورية ستدمره حرب السنة الرابعة من سنوات الكارثة إلا 10% منه.. ولن تكون تلك نهاية المأساة فملاحقة الإرهاب ستبقي شبحها في الأفق وسوف تُقلقل الأمن وتقلق الناس وربما تمنع البناء والاستقرار في أماكن ومواقع وأنفس بعد أنفس.. فمتى سوف نصل يا ترى إلى السلم والأمن والاستقرار وكل ما يؤسس للعودة إلى الوطن " مدناً وبلدات وقرى ومزارع" وللمودة الراسخة واستعادة الروح والوعي، واستئناف العيش باطمئنان، والبنيان على الثابت من القواعد والأسس والأركان؟!.

 لست ممن يذهبون مذاهب التشاؤم، ولا ممن لا يثقون بأن كل إرادة صادقة وجادة وحازمة ستصل إلى ما يجعل النور يتبدى في نهاية أي نفق.. ولكنني ممن يقولون إن ما جرى حتى الآن علينا وفي بلدنا طامة كبرى، لن نستعيد أنفاسنا منها وبسببها إلا بعد سنوات وسنوات من الجهد السعي والسداد، فكيف بنا نحتمل ما هو آت على أجنحة " المبشرين بالويلات" مما يبشرون به منها!؟ وإلى متى تبقى التخرُّصات والتنبؤات والتهيّئات هي مناقع النتائج والاستنتاجات ومنابرها أو مقابرها؟! وكيف السبيل إلى رأب صدوع الأنفس وبلسمة جراح القلوب، بينما تستمر الأمراض وأسبابها ومسببوها، وتظهر بين ظهرانينا أعراض أمراض أخرى هي أخطر من كثير مما مر علينا ومما أصبنا به من أمراض.؟!.. وإلى متى يبقى الخوف ممن يسرقون الأمن ويمزقون الجسد ويقتلون والروح أقوى وأشرس من سارقي الرغيف.. حتى ليهون أمر فقدان القمح وندرة رغيف الخبز مع وجودهم وسطوتهم، ويصبح ذلك من الأمور التي قد تُحتمَل إذا عزَّت البدائل.؟!

دمشق في 8/4/2014

علي عقلة عرسان 

 

 

انشر عبر