شريط الأخبار

في انتظار لحظة الحسم ... يهددون ويتفاوضون

10:20 - 07 كانون أول / أبريل 2014


أطلس للدراسات

رغم اعلان أبو مازن عن نيته التوجه لاستكمال عضوية الدولة في ثلاثة وستون منظمة دولية، بالتزامن مع تنصل اسرائيل من التزاماتها تجاه تحرير أسرى الدفعة الرابعة وتوقيعه في بث حي ومباشر على الانضمام لعضوية خمسة عشر منظمة دولية؛ إلا أنه وفي ذات الخطاب استدرك مؤكداً التزامه بنهج المفاوضات كمبدأ وخيار رئيسي، والتزامه بالاستمرار بالتفاوض حتى نهاية الوقت المحدد مسبقاً للتفاوض، نهاية التسعة أشهر التي تنتهي في التاسع والعشرين من نيسان الجاري، بمعنى آخر فإن المفاوضات لم تتوقف ولا زالت الاتصالات بوساطة الأمريكيين قائمة، ولا زال الأمريكان عبر انديك مباشرة وكيري من واشنطن يحاولون احتواء الأمر والتوصل الى ذات الصفقة مع بعض التعديل، وهذا ما يحاول انديك بكل جهده التوصل إليه من خلال اللقاءات الثلاثة المطولة التي عقدت حتى الآن الثنائية والثلاثية.

لكن ما بدا واضحاً من خطاب الرئيس أنه يحاول العمل على مسارين؛ الأول: الحصول على انجازات جدية مقابل تمديد المفاوضات، والثاني: استكمال مسيرة التوجه للأمم المتحدة كورقة ضغط وكخيار سياسي، يوظفه ضغطاً وتلويحاً، ويرفعه كورقة مهددة أمام التهديدات الاسرائيلية والأمريكية من جهة، ويفرضه تدريجياً كأمر واقع وكاستراتيجية سياسية منظمة للكفاح الفلسطيني من أجل التحرر، في ظل وطالما بقي التعنت الاسرائيلي واليمين المتطرف يسيطر على المشهد السياسي الصهيوني، لكنه يسعى في ذات الوقت إلى تقليل كلفة هذا النهج على الفلسطينيين، عبر الاجتهاد بتقليل حدة الصدام مع أمريكا، وإن كان لا بد منه فسيكون في أضيق نطاق ومشفوعاً بالكثير من الابتسامات وكلمات الثناء والشكر والمدح، فهو كمن يريد العنب ولا يريد مقاتلة الناطور.

 

استراتيجية التفاوض مقابل انجازات

نعتقد أن الرئيس عباس في عمله على المسار الأول، استكمال التفاوض أو تمديده مقابل انجازات مادية ملموسة كالأسرى وتجميد المستوطنات والدعم المالي ولم شمل بعض العائلات ومجموعة تسهيلات أخرى في مجالات مختلفة لتعزيز وتمكين سيطرة السلطة وتوسيع نفوذها على الأرض، ينطلق من مبدأ أنه طالما يضغط علينا لأجل التفاوض في ظل حكومة يمينية لا تعترف بأدني حقوقنا السياسية لكنها تحتاج التفاوض، فإن الانجازات المادية  هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن تقدمه، وهي (أي الإنجازات) إذا ما تحققت تعتبر أمراً لا بأس به، ومن جهة أخرى فإن التفاوض حسبما يعتقد الرئيس يكشف وجه إسرائيل الحقيقي، وربما يساعد في فرض مزيد من الضغوط عليها، ويخلق شقاقاً وصداماً بينها وبين أصدقائها في الغرب، ويخلق حالة من الاستقطاب السياسي الإسرائيلي، ربما يخلق تحديات جديدة لائتلاف نتنياهو ولوحدة الليكود الداخلية. وبالمقابل فإن الفلسطينيين سيدفعون بفاتورة الزمن، مدة ووقت التفاوض، أي تجميد أي توجه فلسطيني بعيد عن التفاوض لفترة من الوقت والالتزام بالبقاء في المفاوضات طيلة الفترة المحددة، أي نبيعهم وقتاً محدداً مقابل إنجازات، والوقت ثمين لإدارة أوباما ولحكومة نتنياهو.

إلا أن الاسرائيليين لن يكتفوا بعنصر الوقت مقابل ما يسمى باللفتات والتسهيلات وعوامل بناء الثقة، وحسب تجاربنا السابقة فإن الفلسطينيين سيضطرون للدفع بأشكال أخرى، وسيكونون عرضه للابتزاز مقابل كل انجاز أو تسهيل تقدمه لهم حكومة نتنياهو، تعزيز التنسيق الأمني وكبح جماح وتحييد الطاقات الفلسطينية ضد استمرار سياسات الاحتلال والتهويد والاستيطان، وسيكون القول الفصل هنا لحنكة القيادة وقدرتها على ادارة الصراع، بما تمتلكه من رصيد وتماسك ووحدة داخليتين، لكنها لا تمتلك من ذلك إلا القليل جداً، مما يجعل قدرتها على إدارة الصراع محل استفهام كبير ومحفوفة بالكثير من مخاطر أن تكون عرضة للابتزاز.

الرئيس الذي وقع الاتفاقيات الخمسة عشر اختار بعناية أن تكون من النوع الرمزي وغير المؤثر وغير المهدد، لأنه لا زال يريد أن يوظفها تكتيكياً للعودة الى الصفقة ولكن بظروف محسنة، أي انها مجرد خرق فلسطيني لالتزاماتهم مقابل الخرق الاسرائيلي وتهديد بطبيعة النوايا والتوجهات اذا ما أصرت اسرائيل على موقفها، وهذا ما فهمه كل من كيري ونتنياهو، حيث اعتبر كيري المواثيق التي وقعها الرئيس بأنها ليست ذات علاقة بالأمم المتحدة، وقال ان الرئيس التزم أمامه بالاستمرار بالتفاوض، كما أعلن كيري أن طاقمه سيستمر بأعمال الوساطة بين الطرفين.

أما في إسرائيل فقد فهموا خطاب الرئيس على أنه تكتيكي يراد منه تحسين شروط الصفقة، لكنهم يعملون على توجهين؛ الأول: إعلامي وسياسي يتركز في كيل الاتهامات للرئيس باعتباره المسؤول عن فشل المفاوضات، بل انه من قام بتفجيرها في اللحظة التي وافق فيها الاسرائيليون على صفقة بولارد، ويتجند لهذه المهمة كل السياسيين الاسرائيليين من دانون وحتى ليفني، بالإضافة الى كل وسائل الاعلام، دون استثناء تقريباً، فكان العنوان الأبرز في معظم وسائل الاعلام يربط بين خطاب الرئيس وتفجير المفاوضات، والكثير استخلص العبر "الرئيس يهرب في لحظة الحقيقة"، "كما فعلها عرفات مع باراك، وفعلها عباس مع أولمرت؛ هاهو عباس يفعلها من نتنياهو"، مع تجاهل كبير لإعلان العطاءات الاستيطانية وخرق الالتزام تجاه الدفعة الرابعة.

علاوة على الاتهامات؛ فإنهم يلوحون بسيف العقوبات، يدرسون مجموعة إجراءات عقابية، ويهددون برفع دعاوي ضد القيادة الفلسطينية في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، كتهديد وارهاب شخصي لردع الفلسطينيين من التوقيع على المواثيق التي تمكنهم من مقاضاة الاحتلال.

لكنهم في إطار التوجه الثاني لا يزالون يأملون التوصل لصفقة بشروط مريحة لهم، تضمن استمرار التفاوض بشروط أقل وتؤدي إلى تجميد الخطوات الفلسطينية؛ الأمر الذي يفسر صمت نتنياهو، فهو لا زال يريد انجاح الصفقة كرزمة واحدة، بولارد واستمرار فتح مظلة التفاوض، وربما عناده وتمسكه بشروطه يستند الى التقديرات الأمنية الاسرائيلية التي قدمت له وأفادت أن السلطة لا تنوي كسر أدوات لعبة التفاوض.

جميع الأطراف الفلسطينية والاسرائيلية والأمريكية تريد الاستمرار في التفاوض، فالمفاوضات مصلحة ثلاثية مشتركة، ولكن مع استفاد الوقت المحدد واقتراب لحظة الحسم، صفقة مقرونة بتمديد أو اعلان الفشل يختارون المناورة والتهديد، الأمر الذي يبقي كل الخيارات مفتوحة تحسباً لحسابات الطرف الآخر.

انشر عبر