شريط الأخبار

"الحقيقة التاريخية" لنتنياهو .. هارتس

12:00 - 28 تموز / مارس 2014

  

بقلم: عكيفا الدار 

  

          (المضمون: المشكلة هي أن نتنياهو جعل الحجة التاريخية – الملكية التي تبناها الى أداة يحفر فيها قبر تسوية الدولتين - المصدر). 

  

          من الامور الشهيرة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مستعد منذ اليوم للاعتراف بفلسطين كالدولة القومية للشعب الفلسطيني، بينما الرئيس أبو مازن يرفض الاعتراف باسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي. ليس هكذا هو الحال. نتنياهو يرفض الاعتراف بوجود شعب فلسطيني. تماما مثل غولدا مائير. مثلما قال في خطابه في مؤتمر ايباك، بالنسبة له الخليل هي فقط المدينة التي "اشترى فيها ابراهيم مغارة الماكفيلا"، بيت ايل هي المكان الذي "حلم يعقوب فيها حلمه"، القدس هي صخرة وجودنا. "حكم داود مملكته" منها. فكيف يمكن الجدال مع ابن المؤرخ الذي يعلن بأن "توجد فقط حقيقة تاريخية واحدة". واذا كان كذلك، فقد حان الوقت لاغلاق دوائر الاثار والتاريخ لبلاد اسرائيل وترك هذه المجالات في أيدي باحثي "جامعة ارئيل". 

  

          يبدو أن نتنياهو يعتقد بأنه اذا ما كرر لعدد لا يحصى من المرات الجملة السخيفة "توجد حقيقة تاريخية واحدة" – حقيقته – فاننا كلنا سنبدأ بالايمان بمصداقيتها. لقد استغل رئيس الوزراء الجلسة الخاصة للكنيست بكامل هيئتها على شرف نظيره البريطاني دافيد كامرون كي يقول "كانت عودة اليهود الى صهيون هي التي أدت الى هجرة عربية مكثفة الى بلاد اسرائيل من الدول المجاورة للبلاد التي تبنى من جديد". ولم يكتفِ نتنياهو بالطلب بان يعترف الفلسطينيون بان دولة اسرائيل هي اليوم الدولة القومية للشعب اليهودي وهكذا ستبقى في المستقبل؛ بل قضى بان "الفلسطينيين ملزمون بالاعتراف بالصلة التاريخية للشعب اليهودي بوطنه في بلاد اسرائيل وحقوقه فيها". بل وقرر بان "لا توجد هنا مسألة روايات، توجد هنا حقيقة تاريخية واحدة". 

  

          ان النظرية عن الصلة بين عودة صهيون والهجرة العربية المكثفة الى بلاد اسرائيل هي ذخر حديدي في عائلة نتنياهو. فباستناده الى كتاب ذكريات الملكة نور، يروي البروفيسور آفي شلايم من جامعة أكسفورد في سيرة الملك حسين (اصدار دبير 2009) عن الحوار الذي جرى في لندن في تشرين الاول 1997 بين الملكة نور وسارة نتنياهو. عندما وصل الزوجان نتنياهو، كما يروي شلايم، كانت الملكة في الحمام وفوجئت بان تكتشف في شقة الاستضافة السيدة نتنياهو، كون المسؤولين عن الاحتفال اتفقوا بان يأتي رئيس الوزراء وحده.  

  

          نزلت نور الى غرفة الضيوف بينما كان شعرها لا يزال مبلولا، مصممة على ان تقدم اصول الضيافة للضيوف والامتناع عن السياسة. وأثنت على مبادرة المؤرخين الاسرائيليين والعرب على ازالة الرسائل الدعائية من كتب الطرفين. وردا على ذلك ثارت السيدة نتنياهو: "ماذا تعني الدعاية؟" فأجاب نور إن أحد الامثلة على الاسطورة المشوهة هي النظرية عن بلاد اسرائيل كبلاد بلا شعب – لشعب بلا بلاد، بينما كانت عمليا أجيال من الفلسطينيين تعيش فيها الاف السنين. ولسماع ذلك ثارت السيدة نتنياهو مرة اخرى: "ماذا يعني هذا؟ عندما جاء اليهود الى المنطقة لم يكن فيها عرب على الاطلاق. جاءوا يبحثون عن عمل عندما أقمنا نحن المدن. قبل ذلك لم يكن هنك شيء". "انا واثقة من أن الكثيرين من مؤرخيكم سيوافقون على أن هذا ليس دقيقا"، اجابت نور. الحديث فتح عينيها. وتساءلت أي مفاهيم شوهاء اخرى قد تمنع العمل المشترك من أجل تحقيق سلام دائم. 

  

          تساؤل مشابه ينشأ عن اقوال قالها نتنياهو نفسه في نهاية الاسبوع، في تراشق الكلام مع رئيسة ميرتس زهافا غلئون في الكنيست، بالنسبة لطلبه أن يعترف أبو مازن باسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي. وكرر نتنياهو ثلاث مرات جملة "حقيقة تاريخية واحدة"، وشرح بانه "أن يكون هناك طرف فلسطيني من 43 – بالتأكيد أقبل ذلك"، ولكنه اضاف على الفور "لا يمكن تغيير الماضي. لا الماضي التوراتي ولا ما بعد التوراتي ولا ما حصل في بلاد اسرائيل في القرن الـ 19 وفي القرن الـ 20". يمكن الفهم من ذلك بان نتنياهو مقتنع بان الضربات العشرة، شق البحر الاحمر وقصة بيع يوسف للاسماعيليين هي "حقيقة تاريخية". ولكن لحظة، من أين جاء الاسماعيليون الى نابلس خاصتنا؟ 

  

          البروفيسور حاييم غانز، واحد من اولئك الباحثين الاسرائيليين الكثيرين الذين يشككون بمدى مصداقية نظرية نتنياهو، كتب في كتابه "نظرية سياسية للشعب اليهودي" بان الحجة التاريخية – الملكية لتبرير الصهيونية وفرت دافعا مركزيا لاكاذيب التأريخ الصهيوني. "اذا غاب اليهود عن بلاد اسرائيل الف سنة فأكثر بعد أن تركوها بين القرن السابع والقرن الـ 11، واذا ما في زمن غيابهم عنها كانوا منشغلين اساسا بالحياة التي عاشوها في أماكن وجودهم" يتشدد غانز، "فكيف يمكنهم أن يدعوا بانهم كانوا أصحابها في الزمن العتيق ولم يكفوا عن أن يكونوا أصحابها على مدى كل زمن انقطاعهم المادي عنها؟". 

  

          في مقاطعة تمت في اثناء خطاب غلئون قال نتنياهو: "يوجد بيننا الكثير من الجدال حول الحاضر والمستقبل، ولكن لا يمكن تغيير الماضي". ولكن المشكلة هي أن نتنياهو جعل الحجة التاريخية – الملكية التي تبناها الى أداة يحفر فيها قبر تسوية الدولتين". 

  

          اذا كان فقط للشعب اليهودي حق تاريخي – ملكية على بلاد اسرائيل، فلا مجال لطلب عودة اللاجئين الفلسطينيين الى هنا – الوطن القومي الحصري لشعب آخر. وحسب سارة نتنياهو عليهم بشكل عام ان يقولوا شكرا لليهود الذين تفضلوا بطيبتهم لان يخصصوا لهم عمل الخدمة. وحسب أقوال نتنياهو نفسه، فان للبيان (الاعتراف؟) من ابو مازن بان اسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي سيكون معنى سياسي قانوني بعيد الأثر. في ذات النقاش في الكنيست شرح بان الاعتراف بمفهوم "الدولة القومية" معناه التنازل عن حق العودة. وفي الخطاب امام ايباك توجه نتنياهو الى ابو مازن وقال: "اعترف بالدولة اليهودية. وهكذا تقول للفلسطينيين أن اهجروا الخيال عن اغراق اسرائيل باللاجئين أو قطع اجزاء من النقب والجليل". يبدو أن الخيال يعود لنتنياهو أساسا؛ فقد سبق لابو مازن أن صرح علنا بانه يكتفي بزيارة بيت صباه في صفد كسائح، وليس كمقيم. وكل من له عقل يفهم بانه لا يمكن الفتح بالقوة لبوابات دولة ذات سيادة واغراقها باللاجئين. اسألوا وزير الداخلية جدعون ساعر وطالبي اللجوء الذين "طردوا طواعية" من أرض الميعاد. لا هذا ولا ذاك، فاذا كان الاعلان عن الاعتراف باسرائيل كالدولة القومية اليهودية يشكل تنازلا عن الحق للهجرة الى اسرائيل، فان على نتنياهو ان يمنع الهجرة /الصعود من الاصوليين غير الصهاينة الى صهيون. وهو لا بد سمع مقاطعة النائب اسرائيل آيخلر (يهدوت هتوراة) في النقاش في الكنيست، "لا توجد قومية يهودية. لا توجد قومية كهذه".  

  

          ان طرح الماضي اليهودي كعنصر مركزي في تسوية سياسية هو مثابة تفكيك انتهازي لعناصر قومية ودينية، مثابة موسيقى خلفية لافلام الرعب التي يتميز نتنياهو في اخراجها. ومثلما قالت له غلئون في النقاش على الطلب من الفلسطينيين أن يعرفوا هويتنا، "عندما لا تفزع من رفيف أجنحة التاريخ، ولا تعتقد أن عصافير هتشكوك تأتي اليك في كل مرة تسمع فيها هذا الرفيف، فان كل شيء هنا سيكون مختلفا". 

 

انشر عبر