شريط الأخبار

فلسطين أولاً.. الردع اليوم.. والتحرير غداً ..معن بشور

12:36 - 17 تشرين ثاني / مارس 2014


“فلسطين أولاً” ليس شعاراً للمماحكة السياسية أو للاستهلاك الشعبي، وهو بالتأكيد ليس رداً على شعارات ازدهرت في أقطار عربية عدة ترى في “القطر أولاً”، كما انه ليس انسياقاً مع بضاعة قديمة، تعاني اليوم من التنصل المزري والشائع من فلسطين وشعبها، بل هو شعار يكاد يلخص وجود الأمة  بكل أقطارها  وقيمها، وكيان كل قطر بكل مكوناته، بل هو تجسيد حي لمشروع النهوض العربي بكل عناوينه.

“فلسطين أولاً” ليس شعاراً لتهميش وطنيات قائمة، ومطالب مشروعة، وهويات متنوعة، بقدر ما هو تعزيز لتلك الوطنية، وتحقيق لتلك المطالب، وصون لتلك الهوية.

“فلسطين أولاً” شعار يوحّد الحساسيات المختلفة داخل القطر، لأنه يرتقي بها من مساحة الافتراق والاحتراب إلى رحاب التكامل والتلاقي، وهو شعار تلتقي حوله الأمة بكل مكوناتها، لأنه يحدد لها الوجهة  التي تجمع، ويحررّها من العصبيات التي تفرّق، بل هو شعار نلتقي فيه كفلسطينيين وعرب مع الإنسانية جمعاء على قاعدة إن العدالة قيمة إنسانية، وان تحرير فلسطين هو إحقاق للحق وتحقيق للعدالة.

مع “فلسطين أولاً”، يصبح شعار كل “قطر أولاً” شعاراً لا استفزاز فيه لقطر آخر، بل دعوة للتكامل بين الأقطار لانجاز مهمة استعادة أرض أريد لها من خلال المشروع الصهيو- استعماري أن تكون حاجزاً يحول دون وحدة الأمة من مغربها  إلى المشرق.

مع فلسطين أولاً، تأخذ الوطنيات في كل قطر عربي بعدها الحقيقي، كوطنية معادية للاستعمار والصهيونية لا “كوطنية” متنافرة مع الوطنيات الأخرى تصطرع معها وتحترب، وتصيغ المحاور والمحاور المضادة.

مع فلسطين أولاً، نبني مجتمعنا العربي المقاوم ليس بوجه احتلال الأرض فحسب، بل بوجه احتلال الإرادة والعقول والنفوس الذي يشكل مصدر الوهن الرئيسي في واقعنا الراهن بل معه نبني المجتمع المقاوم القادر وحده أن يصون استقلال الأمة بكل أقطارها واستغلال  القرار العربي في مواجهة ثلاثية التبعية والفساد والاستبداد وقد ثارت بوجهها جماهير الأمة قبل أن يجري تجويف ثوراتها، وحرفها عن مسارها، وتحويلها إلى ميادين للاحتراب الأهلي الدموي.

مع “فلسطين أولاً” تتحرّر بلادنا العربية من كل المعوقات التي حالت دون قيام تنمية حقيقية يتقدم فيها الإنتاج على الريع، ومجهود الكادحين الفقراء على شطارة السماسرة الوكلاء، إذ هل من عائق في وجه التنمية أكثر من الوجود الصهيوني المهدد لاستقرار كل بلد، ولعمران كل أرض، ولوحدة كل مجتمع، ولأمن كل كيان، وكل هذه شروط لا يمكن للتنمية العربية أن تنطلق بدونها، وإذا لم تتوفر لها السوق العربية المشتركة، والتكامل الاقتصادي بين عناصر إنتاج موزعة على امتداد وطننا الكبير الذي حرص الغرب الاستعماري ، وما زال، على تمزيقه وتفتيته، عبر زرع الكيان الصهيوني في قلبه حامياً للتجزئة وحارساً للانقسامات وزارعاً لبذور الفتنة والانقسام.

“فلسطين أولا” ليس شعاراً لتجاوز “الفتاوى” التي تحضّ على الجهاد في كل بقاع الأرض إلا فلسطين ، بل هو تأكيد على البعد الإيماني لكفاحنا الوطني والقومي لتحرير المقدسات الإسلامية والمسيحية التي تستباح اليوم وسط صمت مطبق يكشف الكثيرين.

“فلسطين أولاً” ليست شعاراً يخص شعب فلسطين دون غيره من أبناء الأمة، ولا ينحصر بالحق الفلسطيني دون غيره من حقوق الأمة، بل شعار للتحرير والحرية، للتكامل والوحدة، للسيادة الوطنية والاستقلال القومي، للتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية.

ولقد أكتشف أبناء الأمة قاطبة، ومعهم العالم كله، كيف استطاع مقاومو غزة خلال ساعات، أن ينبهوا الغارقين في حروب الداخل، وصراعات المواقع والمناصب، والمراهنين على الإستقواء بالأجنبي على وطنهم، بأن فلسطين ما زالت هي القضية، وان المقاومة هي الخيار، وان أسطورة التفوق الصهيوني تترنح، رغم كل الحروب المدمرة المتنقلة في ربوع الأمة، بهمة ثلة من المجاهدين البواسل في قطاع صغير محاصر براً وبحراً وجواً، وقبلهم ثلة  في لبنان والعراق، أن تعيد صياغة المعادلات، وإرباك المخططات، وبناء توازن رادع على قاعدة عرفتها كل حروب التحرير… اليوم الردع… وغداً التحرير والحرية….

فلسطين أولاً…. لأن الأمة كلها أولاً.. فلا حرية للأمة ولا كرامة لأبنائها، ولا منعة لسيادتها، ولا تنمية لاقتصادها، وهناك جزء من أرضها محتل… والكثير من إرادتها مغتصب.


انشر عبر