شريط الأخبار

حماس في عين العاصفة: الواقع.. بدائل وخيارات ..د. أحمد يوسف

04:18 - 12 تشرين أول / مارس 2014

ما يدور في أروقة حركة حماس هو الكثير من اللقاءات وورشات العمل التي تبحث في تعقيدات الواقع القائم والمتاح من البدائل والخيارات، بهدف الخروج من نفق الأزمة وحالة الاختناق التي تشتد ضغوطاتها وقيودها بوتيرة متصاعدة يوماً بعد يوم على أهلنا في قطاع غزة، حيث أضحى الشارع الفلسطيني لا حديث له إلا عن صعوبات العيش وأشكال المعاناة المختلفة، وهذا غدا – بقصد وبغير قصد للأسف - هو الخبز اليومي وملح المجالس.!!

صحيحٌ، أن حجم التآمر على حركة حماس كبير، وأنه لم يعد بإمكانية مؤسسات الحكومة العمل على معالجة كل أشكال التدهور التي أصابت معظم المرافق الحيوية في القطاع، ووقف حالة التراجع المستمر في كافة مناحي الحياة، بعدما تسبب الانقسام في تشويه صورتنا وإضعاف هيبتنا، وأدى إلى استباحة حقنا في العيش الكريم والحرية الإنسانية وتقرير المصير، بعد أن كنَّا مشكاة لأمتنا وتاج فخر لها؛ نتباهى بأمجادٍ صنعناها، ونعتز بمفاخر البطولة والصمود في ميادين المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ونغني بانتشاء: "منتصبُ القامة أمشي.. مرفوعُ الهامة أمشي".

لذا؛ فإن عملية التفكير في البدائل والخيارات، تفرض علينا التوقف للتفكير والتأمل أمام خمسة منها، وهي كالتالي:

1) استمرار الوضع القائم (The Status Quo) وانتظار حدوث متغيرات إقليمية أو دولية

من الواضح أن السنوات التي أعقبت الأحداث الدامية في يونيه 2007م قد شهدت - في معظم فتراتها - تزايد حالة الجوع والحصار والتوتر الداخلي، إضافة لتراجع معدلات البطالة بنسب عالية مخيفة، والتي تراوحت نسبتها - أحياناً – ما بين 40% إلى 50%، مع زيادة التحكم الإسرائيلي في كل موارد الحياة بقطاع غزة، وعدم السماح بدخول مواد البناء، وخاصة الإسمنت والحديد؛ وهي التي تمثل شريان الحياة لاقتصاد القطاع، ولولا أن عملية صراع البقاء قد تفتقت عن تقديم حلولٍ إبداعية للالتفاف على محاولات إسرائيل خنق القطاع وتكبيل أهله بمتطلبات الحياة اليومية، وذلك عبر بناء شبكة من الأنفاق التي تربطنا اقتصادياً بجمهورية مصر العربية كبديل مؤقت بانتظار انفراج الأمور، وعودة التواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

لا شك بأن هذه الحالة إذا استمرت فسوف تؤدي إلى انفجار الأمور، وستكون معها عاقبة أمرنا خسرى.

2) تسخين الحدود، وتصدير الأزمة عسكرياً باتجاه الاحتلال

هذا الخيار مطروح وبقوة، حيث لا يمكن أن تستمر إسرائيل تنعم بالأمن والأمان فيما الفلسطينيون في قطاع غزة يتعرضون إلى ذلِّ الحاجة والجوع، جراء الحصار ومنع الكثير من السلع الحياتية أن تدخل القطاع.

لقد احترمت حركة حماس اتفاقية التهدئة مع الطرف الإسرائيلي، ولكن هذا ليس معناه أننا "حرس حدود" لهذا الكيان الغاصب.. إن شعبنا - وخلفه قوى المقاومة الباسلة - يغلي كالمرجل، وصبره على وشك النفاد، وإذا استمرأت إسرائيل التلذذ بعذابات الناس فإن رد فعل المقاومة لن يوقفه أحد.

ومع إدراكنا بأن خيار "إطلاق يد المقاومة" سوف يستجلب عدواناً إسرائيلياً جديداً على قطاع غزة، فإن الحقيقة هي أن المواجهة العسكرية سوف تستنهض الأمة للتحرك، وتعيد تظهير القضية وإبرازها دولياً بأنها "عامل تفجير" مزمن للصراع في المنطقة، وهذا يتطلب من المجتمع الدولي بذل الجهد لإيجاد حلٍّ عادلٍ لها.

3) الانفتاح باتجاه دحلان

يتحدث البعض أيضاً عن ضرورة اللعب بـ"ورقة دحلان" في ظل الخلاف القائم داخل حركة فتح، باعتبار أن دحلان له علاقة جيدة بالنظام الجديد في مصر، كما أن ارتباطاته قوية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والاقتراب منه قد يؤدي إلى تخفيف بعض الضغوط التي تتعرض لها حماس وخاصة من قبل الشقيقة مصر.

ومع تمنياتنا أن يلتأم شمل الإخوة في حركة فتح، فإن حركة حماس بمنظومتها القيمية لا تعتمد مثل هذه الانتهازية السياسية، كما أنني على قناعة بأن حل خلاف دحلان مع حركته هو مسألة وقت، وعاجلاً أم آجلاً سوف يعود إلى موقعه القيادي داخل حركة فتح، حيث إن تياره في قطاع غزة لا يمكن إنكاره أو القفز عليه.

4) التصالح مع مصر

في الحقيقة، أن علاقة الفلسطينيين التاريخية مع مصر لا يمكن التفريط بها، وعلى حماس أن تتقدم بمبادرات لإصلاح ذات البين مع النظام الجديد.. ربما الظروف الآن غير مواتية بشكل كامل، ولكن عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ستتغير بالتأكيد معادلة السياسية في مصر، فالنظام يدرك أن القضية الفلسطينية هي قضية الأمة العربية والإسلامية، وليس من الحكمة استمرار القطيعة مع قطاع غزة والفلسطينيين بشكل عام.. إن مصر لن تتورط في صراعات قد تجرها إليها دول الخليج مع إيران، فيما إسرائيل على حدودها الشرقية، وهي العدو الأول للأمة وأطماعها التاريخية في سيناء ومياه النيل لم تتوقف.

إن مصر - الآن - غير جاهزة لتغيير سياستها تجاه حماس.. ولكن مع ذلك، فإن على حماس أن تستمر في سياسة إظهار الحرص على العلاقة الأخوية مع الدولة المصرية، والابتعاد عن كل ما يستفز المؤسسة العسكرية، وهذا يستدعي – حقيقة - ضبط ايقاع ما يتم نشره من تصريحات وتحليلات سياسية في وسائل الإعلام التابعة لحركة حماس، وخاصة صحيفة فلسطين وتلفزيون الأقصى.

نحن نعلم أن هناك العديد من الجهات الإعلامية المصرية يطربها هذا التصعيد في لغة الخطاب الموجه ضد حركة حماس، ولكن مصر التاريخية هي مصر الأمة، وهي مصر الأزهر الشريف والفتوحات الإسلامية، والشعب المصري تاريخياً هو صاحب التضحيات من أجل فلسطين.

إن التصالح مع مصر والنظام السياسي الذي جاء بعد 30 يونيه 2013م قد يحتاج لبعض الوقت، ومع ذلك فيجب الابتعاد عن كل ما يعمل على توتير العلاقة أو انسدادها.

5) المصالحة الفلسطينية: الحصان الرابح وبيضة القبان

لعل كل ما سبق ذكره من بدائل وخيارات له ما له وعليه ما عليه، ولكن حسب معايير المثلث الذهبي في السياسة فإن عملية الترجيح تحكمها وضعية "أقل الخسائر والأخطار"، حيث إن غياب الحكمة والتهور قد تأخذ البعض لكسب بسيط مع مخاطر هائلة بعد حين أو اللجوء لتبني "خيار شمشوم: عليَّ وعلى أعدائي يا رب"؛ بكل ما يعنيه ذلك من وضعية الانتحار والخسارة.

وإذا ما حاولنا التعاطي مع مفردات الكسب والخسارة ومنسوب المخاطر في كل خيار، ووضعها في الكفة الذهبية لميزان السياسة، فإننا سنجد أن أفضل الخيارات حتى اللحظة هو تحقيق المصالحة الفلسطينية، والتوصل إلى تسوية وتفاهمات حول الشراكة السياسية مع الرئيس أبو مازن وحركة فتح، فهذا الخيار من وجهة نظر البعض في فصائل العمل الوطني "هو الخيار الوحيد أمام الحركة للاندماج في البيت الداخلي الفلسطيني، إلا أن هذا الأمر يتطلب الاعلان بصورة واضحة على الموافقة على تشكيل حكومة الوفاق الوطني، واجراء الانتخابات في موعد متفق عليه".. لا شك أن ذلك سيفتح الطريق للتعاون مع الرئيس والعمل معه لمعالجة ملف العلاقة المتوترة مع مصر وبعض الدول العربية، وسيسهم من ناحية في إنهاء أزمة معبر رفح، وكذلك في العودة بالقضية الفلسطينية لعمقها العربي والإسلامي؛ باعتبارها قضية الأمة المركزية من ناحية ثانية.

ربما هناك داخل حركة حماس من لديه تحفظات على تبني مثل هذا الخيار، وتطارده المخاوف والتوجسات، كما يشعر بعضهم بالقلق، ويرى بأن خطوة كهذه معناها أننا نُسلم للرئيس (أبو مازن) وحركة فتح "رقبة حماس" من جديد، وهذا قد ينعكس سلباً على المقاومة، وقد يؤدي إلى إضعافها وكسر شوكتها، وبالنتيجة – كما يظن البعض - إخراجنا من لعبة السياسة والحكم، ونصبح في وضعية "كأنك يا أبو زيد ما غزيت".!!

صحيحٌ؛ مثل هذا الكلام وغيره يُقال في قواعد الحركة وبعض المستويات القيادية في مجالسها المحلية، وهو بحاجة إلى إجابات وردود من قيادة حركة حماس المركزية، وخاصة من دوائرها السياسية الرسمية، وذلك في سياق حملة توعية وتبصير للجميع بالأخطار المتوقعة والمخاطر المحدقة، جراء بقاء الحال على ما هو عليه، هذا من ناحية، ومن جهة أخرى؛ فإن تقديم تنازلات باتجاه بعضنا البعض – أي فتح وحماس - ليس هو في الحقيقة خسارة لأحد، وإنما يأتي كتعبير إيجابي عن عودة الثقة واستعادة الوئام بين أبناء الوطن الواحد.

إن تحقيق المصالحة الفلسطينية سينقل الكرة من ملعب الملاحقة لحماس ومحاولات تطويقها بالحصار تارة، وبحملات التشهير والتشوية والتحريض تارة أخرى، إلى واقع أنها حركة تحرر وطني بمرجعية إسلامية، وأنها تمثل أحد مكونات النسيج السياسي الفلسطيني، وتقع ضمن خارطة الرؤية الوطنية لمشروع التحرير والعودة.

إن وضع حركة حماس على قائمة الإرهاب في مصر له دلالات خطيرة يجب أن تأخذها الحركة بعين الجدِّية والحُسبان قبل فوات الأوان، حيث إن المصالحة الفلسطينية اليوم هي – بحق - طوق النجاة للإسلاميين من الغرق، فالأمواج عاتية وركاب السفينة أنهكهم الجوع والعطش، وهم بانتظار قرار الربان وحكمة تصرفه؛ فيما يخص نشر الأشرعة، وإنزال القوارب، وتعديل المسار بما يناسب اتجاهات الريح وفرص الوصول لمرفأ قريب.

إن صعوبة الحالة التي تمر بها غزة الآن تُذكرني بأشياء كنت سمعتها من الشيخ محفوظ النحناح (رحمه الله) عندما التقيته في واشنطن والجزائر قبل أكثر من عقد ونصف من الزمان، حيث كانت الجزائر في التسعينيات تتعرض لمواجهات دامية بين العسكر وجماعات المعارضة التي تنتمي للجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس - FIS)، وأدت خلالها عمليات القتل والاستهداف ومئات المجازر التي وقعت في مختلف الولايات إلى حصد أرواح الألاف من المدنيين، وأرهقت الجميع؛ الحكومة والجيش والمعارضة الإسلامية، وبدأت تهدد أمن واستقرار الدولة الجزائرية.. كان الشيخ محفوظ نحناح هو مؤسس الحركة الإسلامية المعاصرة بالجزائر ورئيس حركة المجتمع الإسلامي (حماس)، وقد حاول - في بداية الأزمة - مع بعض الشخصيات الإسلامية التوصل إلى تشكيل جبهة إسلامية موحدة ترعى الحوار مع الدولة الجزائرية، ولكن غياب الحكمة وتهور قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) حال دون ذلك، حيث أخذتها عزة العناد بفوزها في الانتخابات وجعلها تتمرد، وتطلب من الآخرين الانضواء تحت رايتها، الأمر الذي أدى إلى غياب موقف إسلامي موحد، وترك الساحة لتطرف وممارسات تلك القيادة وجماعاتها المسلحة، والتي أخذت البلاد والعباد إلى مستنقع الدم والمستقبل المجهول.

بعد أن وضعت الحرب الأهلية في الجزائر أوزارها، وانتهت سنوات العشرية السوداء التي بدأت عام 1991م، غادرت الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف عام 2004م وجئت للإقامة بالجزائر، والتي سبق لي أن قمت بزيارتها للاطلاع ميدانياً على أحوالها عام 2001م، ولقد وجدت هذا البلد عاشقاً لفلسطين؛ شعبها وتاريخها ونضالها وأرضها المباركة، وكنت قريباً من كل قياداتها الوطنية والإسلامية، وحظيت بثقة الجميع واحترامه، الأمر الذي فتح لي الأبواب لمعرفة كل مجريات الحدث الإسلامي هناك، والتعرُّف على كل تعقيدات الحياة السياسية والمجتمعية وواقع الدولة الجزائرية ما بعد انتهاء الحالة الاستعمارية، والتي حكمت البلاد لأكثر من مئة وثلاثين سنة كانت دماراً على البلاد والعباد.. لقد مكثت هناك سنتين تقريباً، طفت فيها البلاد طولاً وعرضاً، وجلست - مناقشاً ومستمعاً - في رحاب تنظيماتها الإسلامية، ومشاركاً في مؤتمراتها العامة والخاصة، أسدي النصح ما وسعني الأمر ذلك، ونشرت عن تلك التجربة لمحنة الجزائر الوطنية ثلاثة كتب، هي: "الشيخ محفوظ نحناح: الأزمة والرجل الرشيد"، و"الجزائر: الأزمة وسِفر الخروج" و"الجزائر: سنوات الدم والمحراب"، كنت فيها قادراً على وضع النقاط على الحروف، وتبين أسباب كل ما وقع، أين كان الخبُّ والمكر والخديعة، وأين كانت الحكمة والمداراة وأين غابت، ومن في المشهد الإسلامي الذي حاول واجتهد ليوقف مسلسل الموت وسفك الدماء، ومن غلبت جلجلات حناجرهم أصوات العقل والحكمة، وأخذت البلاد والعباد إلى متاهات مكلفة ودروب مهلكة.

في تلك السنوات، كان الشيخ نحناح يحاول مع الجميع؛ العسكر ورموز التيارات الإسلامية، لوقف المجازر وحمامات الدم.. لم يتمكن الشيخ نحناح (رحمه الله) من تغيير مسار موقف جماعة الفيس، حيث كان التشدد سيد الأحكام لدى الشيخين عباسي مدني وعلى بلحاج، ووصل إلى قناعة مفادها أن هناك مخططاً في بعض دوائر العسكر لتصفية الإسلاميين بالجزائر والقضاء على شأفتهم، وإذا لم يتخذ الموقف الحكيم ويتدارك بسرعة ما يتوجب عمله لنزع ذرائع جنرالات العسكر فإن تياره الممثل للوسطية والاعتدال لن يسلم هو الآخر.. وبعد أن أخفقت كل محاولاته في إقناع قيادات الفيس بضرورة الانحناء للعاصفة، من أجل حماية المشروع الإسلامي والدولة الجزائرية، كان خياره هو الانعطاف والدخول في تفاهمات مع العسكر، بحثاً عن مخرج سياسي للأزمة.. لم تكن تلك الخطوة التي ناقشها الشيخ نحناح في المؤتمر التنظيمي الثالث للحركة مريحة للغالبية، مما استدعى أن يضع استقالته بين يديِّ إخوانه إذا ما أصروا على خيار استمرار التحدي ودعم نهج المواجهة مع النظام. وكما ذكر لي بعض من شارك في ذلك المؤتمر بأن النقاشات كانت بالغة الحدة والقسوة أحياناً.. مما اضطر الشيخ نحناح لمغادرة القاعة الرئيسية للمؤتمر إلى غرفة جانبية، تاركاً لإخوانه في القيادة مواصلة النقاش وإبلاغه بالقرار.. وبعد ساعة أو أكثر، عادوا إليه وأعينهم تفيض من الدمع، وقالوا له: يا شيخنا لقد قلَّبنا الأمر من كل وجوهه، وانتهينا إلى ما رأيت، فامضِّ على بركة الله ونحن معك.. وعلى وقع الدموع ومواثيق التآخي والعهد والعروة الوثقى التي جمعتهم، بايعوا شيخهم وجددوا ثقتهم به، حيث كان قراره بفتح الحوار مع العسكر والمشاركة في الانتخابات الرئاسية عام 1995م، والدخول في شراكة سياسية ضمن ما سمي بالتكتل الرئاسي قطعت الطريق أمام غلاة العسكر والاستئصاليين من شطب التيار الإسلامي أو تغييبه من الحياة السياسية والمجتمعية.

لم يكن الأمر سهلاً على الشيخ محفوظ نحناح (رحمه الله)، ولكن فطنة القائد وحكمته تتطلب الجراءة والشجاعة في اتخاذ القرار؛ حيث إن القائد صاحب البصر والبصيرة هو من يدرك وقع المخاطر من بعيد، ويتخذ من الأسباب ما يحول دون وصولها.

قد يقول قائل: ما هو الهدف من وراء هذا السرد لأحداث وقعت في الساحة الجزائرية؟

إن الهدف هو ما أشار له المعنى القرآني: "قل سيروا في الأرض فانظروا.."، الهدف هو أن "العاقل من اتعظ بغيره"، الهدف هو تذكير القائد ومن بيده ناصية الأمور "أن الإدراك المتأخر مهلكة، وسرعة التصرف منجاة"، الهدف "إن في ذلك لعبرة.."، إن الهدف - باختصار - هو أخذ الدروس، وتجنب تكرار الأخطاء والوقوع في الزلل.

لا يختلف اثنان في ظل ظروفنا الصعبة، وما تراكم من هموم الناس ومشاكلهم، وهذا التعاظم لحالة الكيد والمكر السيء، إلا أن نفتش عن حلٍّ داخل ساحتنا الفلسطينية، والخيار الأسهل أن نأتي بعدد من الشخصيات الوطنية والإسلامية وتشكيل "مجلس حكماء" وبتفويض كامل لتولي ملف المصالحة، والعمل على إخراجنا من ورطتنا السياسية بتفاهمات يتوافق عليها الجميع.

المخرج الآمن: ترك الحكومة والذهاب للانتخابات

ما زلنا في سياق المراجعات نتحدث عن حكمة وفطانة إخواننا في حركة النهضة، حيث قرر الشيخ راشد الغنوشي في سياق حوار وطني ترك مربع الحكومة والحفاظ على قوة حضوره في البرلمان، والاستعداد للانتخابات القادمة بعد عدة شهور.

لا شك أن مغادرة الحكومة بتفاهمات وطنية قد حمى الحركة من موجات التصعيد والتمرد عليها، ومنحها الفرصة لمراجعة ملفاتها وتجربتها في الحكم، والاستعداد ببرنامج وطني جديد في سياق شراكة سياسية يجتمع فيه الإسلاميون والليبراليون وقوى اليسار للنهوض بتونس، في ظل مظلة وطنية تحمي الجميع، وتقطع دابر الفتنة ومحاولات البعض لإقصاء الإسلاميين أو تهميشهم.

بطبيعة الحال، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستطيع فيها الإسلاميون وبشيء من الذكاء القفز فوق محاولات تصفيتهم وتغييبهم عن الخريطة السياسية.. ففي تركيا، تمكن الثلاثي؛ رجب طيب أردوغان وعبد الله غول وأحمد داود أوغلو من القيام بحركة ذكية عام 2001م، وذلك بتأسيس حزب سياسي (العدالة والتنمية) واعتمد في خطابه على ركيزتين؛ تعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وقد نجح الحزب - بحكمة ووعي قيادته - من تحجيم تدخل الجيش في الحياة السياسية، وتقليص نفوذ سدنة العلمانية المتغلغلة في سلك القضاء والإدارات التعليمية ووسائل الإعلام، والوصول بالبلاد عبر إنجازاتهم الاقتصادية الهائلة إلى مستويات متقدمة، أخرجت تركيا من حالة التردي والإفلاس، وأصبحت تنافس دولاً عظمى في معدلات الدخل القومي والتنمية، وهذا هو ما عاظم شعبية الحزب وجعله قادراً على الاستمرار في صدارة الحياة السياسية بدون منازع.

كما أن المرونة السياسية التي أبداها "حزب العدالة والتنمية" بالمغرب في التعامل مع القصر أثناء موجات الحراك الشعبي، التي عمَّت المنطقة فيما سُميَّ بالربيع العربي، قد فتحت له الأبواب كحزب إسلامي معتدل لقيادة الحياة السياسية في البلاد، وذلك لأول مرة منذ أن نال المغرب استقلاله من فرنسا عام 1956.

إننا اليوم نمر بمنعطف خطير، وهذا يحتاج منا إلى أهل الحكمة والفطنة والذكاء، أما أصحاب الحناجر ونزوات العواطف والذين لا يعملون بسياسة "قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها"، فهؤلاء مطلوبٌ منهم أن "يُنقطونا بسكوتهم"، كما نقول في أمثالنا الشعبية، حتى نتمكن من تجاوز محنتنا بسلام والوصول بشعبنا إلى بر الأمان.

نحن اليوم نحتاج - بكل الصدق والأمانة - إلى رشد من يستطيع أن ينجو بالقافلة، لا من ينحر الأبل.. فإذا تأملنا ما تفكر به إسرائيل وحكومة نتانياهو، من خلال ما سمعناه من تصريحات تتكرر على ألسنة الساسة وأعضاء الكنيست، كرد فعل لما يجري من مفاوضات برعاية أمريكية، فيما يتعلق بالاستيطان والقدس والحدود، وأخيراً حول يهودية الدولة وسحب الرعاية الدينية للأردن عن المسجد الأقصى، أدركنا أن كل طموحاتنا في دولة فلسطينية على أرضنا التي تمَّ احتلالها عام 67 هي بمثابة "أضغاث أحلام".. إن وحدة الموقف الفلسطيني هو ما سيجعل لحقنا قوة تحمله وتحميه، ومع انشغال العرب بمعركة "الحفاظ على الكرسي" أو "ديمومة الكراسي"، سيظل ملف القضية الفلسطينية تتلاعب به الأهواء وتتقاذفه ريح السموم. وإذا لم نتفطن لذلك، فسوف نجد أنفسنا في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، بدون عمق عربي وإسلامي يمثل الدرع وشبكة الأمان التي لا غنى عنها في معركة المواجهة مع هذا الكيان الغاصب.

لذلك، فإن مشروعنا الوطني يحتاج منا - اليوم - أن نعزز الشراكة السياسية مع إخواننا في حركة فتح، ومع الرئيس (أبو مازن) وباقي فصائل العمل الوطني والإسلامي، حتى لا تأخذنا إسرائيل على حين غرَّة، وهي الدولة المارقة التي تتربص بنا الدوائر، وتمكر للقضاء علينا في الليل والنهار.

الرئيس أبو مازن: المأزق وشد الأزر

خلال الأسبوع القادم يتوجه الرئيس أبو مازن إلى واشنطن ليلتقي الرئيس باراك أوباما في 17 مارس 2014م، وذلك لمناقشة ما أعدته الإدارة الأمريكية كاتفاق إطار ومقترح تسوية سياسية بين الفلسطينيين وإسرائيل.. قد تكون اللحظة – الآن - مواتية لإرسال إشارات دعم وتطمين للرئيس (أبو مازن) بأنه ليس وحده، وأن الشعب خلفه.

نحن نعلم مدى الضعف الذي عليه الموقف الفلسطيني بسبب حالة التشرذم والانقسام، وما عليه الواقع العربي من ترهل وهوان بعد انتكاس حالات الحراك الشعبي والدخول في متاهات الصراع الداخلي على السلطة، وبالتالي فإن الموقف الفلسطيني سوف يتعرض للمساومة والابتزاز ومحاولات الضغط والتهديد والسعي لانتزاع تنازلات من الرئيس (أبو مازن) لصالح المطالبات الإسرائيلية باعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، والحفاظ على الكتل الاستيطانية وتوسيع نسبة تبادل الأراضي، إضافة لتهميش قضية اللاجئين والبحث عن حلول لها خارج قرارات الشرعية الدولية وحق العودة.

ورغم تحفظنا الشديد على المفاوضات، واعترض الجميع في فصائل العمل الوطني والإسلامي عليها، بسبب الغموض الذي يكتنفها، وعدم الوضوح والاتفاق حول الرؤية والأليات والاستراتيجية التفاوضية، والرفض لأسلوب التفرد في اتخاذ القرارات دون أي اعتبار لرأي شركاء الوطن في الداخل والخارج، إلا أن المطلوب الآن وفي سياق "واجب اللحظة" هو دعم موقف الرئيس أبو مازن الرافض للإملاءات الإسرائيلية، وإيصال رسالة للأمريكان والرئيس أوباما بأن شعبنا لن يركع، ونحن نقف خلف الرئيس ولن نخذله، طالما بقيت ثوابت قضيتنا محفوظة، وأننا سنمنح الرئيس مساحة للمناورة، فالسياسة – في النهاية - هي فن الممكن، وإن كانت قناعتنا أن الظرف الإقليمي والدولي الآن ليس هو الأفضل بالنسبة للفلسطينيين. لذلك، فليس المطلوب من الرئيس (أبو مازن) أن يقدم تنازلات مقابل تسوية هزيلة لا تحظى بإجماعٍ فلسطيني عليها، وبإمكان الصراع أن ينتظر سنوات أخرى تنعدل فيها موازين القوة، وتستعيد فيها أمتنا مكانتها تحت الشمس.

لذا؛ فإن ما نحتاجه - اليوم - هو مواقف داعمة للرئيس، وليس تنديداً بالمفاوضات، كما أننا نتطلع لانطلاق تحركات شعبية واسعة، تقول: "لا ليهودية الدولة.. ولا لبقاء الاستيطان"، و"القدس عربية وهي عاصمتنا الأبدية".. اليوم، المطلوب هو المساندة لتصليب مواقف الرئيس تجاه ثوابتنا وحقوقنا الوطنية، وعلينا تأجيل النقاشات والخلاف حول المفاوضات لما بعد عودة الرئيس من واشنطن؛ فإن كان عند حسن ظنَّنا به رفعناه على "كفوف الراحة" وهتفنا بحياته، وإن أصابنا في موضع ثقتنا به، فعندئذٍ لكل حادث حديث.

وأختم بالتعريج على ما تعلمناه وخبرناه في عالم الحكم والسياسة، وما تناوله ميكافيلي بإسهاب في كتابه "الأمير"، حيث يتم النظر للسياسة على اعتبار أن الحسابات فيها تبقى بلا عواطف والتقديرات بلا أخلاق؛ لأن المصالح هي فوق كل اعتبار.. هذه هي السياسة بشكل عام، مساحات مفتوحة من الضبابية والخداع، لذلك كانت مقولة الخليفة عمر بن الخطاب (رض) "لست خبَّاً ولا الخبّ يخدعني"، لذا فمن أراد أن يلعب بورق السياسة فالمطلوب منه أن يكون واعياً وحذراً لمكر الخصوم ومكائدهم، ولا بأس إن قمنا بالتأكيد على ما نؤمن به، وهو أن السياسة - بالنسبة لنا - هي مصالح تحكمها المبادئ، فنحن نتعامل بما لدينا من قيم وأخلاق مع أخذنا بعين الاعتبار لكل ألاعيب الآخر وحيله.

 

انشر عبر