شريط الأخبار

40 ألف دولار أفرجت عن الظواهري

عميل "القاعدة" المزدوج: الشرطة الداغستانية اعتقلت الظواهري وأفرجت عنه برشوة

09:15 - 09 تموز / مارس 2014

وكالات - فلسطين اليوم

يتحدث العميل المزدوج "رمزي" في هذه الحلقة عن "الملل" الذي شعر به بعد انتهاء "الجهاد" البوسني، وكيف ذهب إلى أفغانستان للتدرب في معسكر "أبو روضة السوري" في جلال آباد، ثم انتقل إلى أذربيجان حيث عمل تحت غطاء هيئة إغاثية. يكشف "رمزي" دوره في إنقاذ الدكتور أيمن الظواهري الذي اعتُقل في داغستان لدى محاولته الوصول إلى الشيشان، ويقول إنه دفع 40 ألف دولار رشوة للشرطة الداغستانية التي كانت تريد 100 ألف من دون أن تدري أن الموقوف لديها هو الظواهري. ويتحدث "رمزي" بالتفصيل عن حرب الشيشان ودور قائد المجاهدين هناك "خطّاب" وسعي أسامة بن لادن إلى فتح جبهات جديدة ضد الروس.

> ذكرت أنك عاصرت خالد بن الشيخ (خالد الشيخ محمد مهندس هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001) فترة في البوسنة. هل كان يقاتل معكم؟

- مكث معنا ثلاثة أشهر هناك، لم ندرك ماهية دوره، كان مقرباً من قيادات كتيبة المجاهدين. على ما يبدو أن دوره كان التعرف إلى مواهب المجاهدين، لأنه كان قيادياً من قيادات الجهاد العالمي. وشقيقه يعقوب بن الشيخ أيضاًً كان من قيادات المجاهدين الذين قتلوا في أفغانستان عام 1987 وابن عمه كان رمزي يوسف الذي نفّذ هجوم مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993 بشاحنة مفخخة حيث قُتل ستة أشخاص وجرح حوالى الألف. لم يكن خالد بن الشيخ الوحيد، فالعديد من قيادات القاعدة المستقبليين كانوا معنا في البوسنة.

> الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصر الله قال أخيراً إن "حزب الله" شارك أيضاًً في القتال في البوسنة والهرسك، هل تذكر ذلك؟

- هذا كلام غير صحيح. قضيت نحو 15 شهراً هناك ولم أرَ أي مقاتل لبناني شيعي ينتمي إلى "حزب الله" هناك.

> ألا يمكن أن يكون قد أرسل "حزب الله" مقاتليه قبل ذهابك إلى البوسنة أو بعد خروجك منها؟

- لا قبل ذهابي ولا بعد خروجي، لم أسمع من المقاتلين هناك عن تواجد مقاتلي الحزب أو لبنانيين شيعة في البوسنة. وأنا أُخرجت بعد انتهاء الحرب وتوقيع اتفاقية دايتون. وللأمانة التاريخية كان هناك اثنان من الحرس الثوري (الإيراني) عملا كمستشارَين للجيش البوسني ولم يكونا معنا وقدما مساعدات عسكرية. لكن الأسلحة التي قُدّمت كانت فاسدة وكان الـ "آر بي جي" الذي قدم من إيران معطوباً بسبب عطل الزعانف، إذ تنطلق قذائفه إلى الشمال واليمين ولا تصيب الهدف، بل على العكس كانت تجذب العدو إلى مكاننا لقصفنا. وتستطيع أن تسأل أي مقاتل ممن قاتل في البوسنة عن فساد تلك الأسلحة. حتى الطلقات كانت فاسدة ولا تنطلق. كثير من الشباب قتلوا بسبب فساد السلاح.

> وكيف عرفت أن هذا السلاح الفاسد إيراني؟

- كانت هناك كتابات فارسية عليه وكانت تلك الأسلحة تأتينا من الجيش البوسني (الذي يحصل عليها من إيران).

> كيف انتهى مصير من بقي من المجاهدين العرب في البوسنة؟

- أقاموا مشاريع ومطاعم ومحلات جزارة وتزوجوا، وبعد وفاة علي عزت بيغوفيتش رُفعت الحماية عنهم وتم سحب جنسيات عدد منهم وترحيلهم.

> كيف شعرت بعد خروجك وعودتك إلى وطنك؟

- رجعت إلى بلدي ومكثت فيه نحو 15 يوماً، شعرت بالملل خلالها. لم أتأقلم في بلدي. شعرت بأنني غريب في وطني. عشت في البوسنة 15 شهراً، وهذه التجربة غيّرتني تماماً. كنت أرى القتل اليومي والدم والمآسي والمجازر. حياة مختلفة تماماً. كيف لي أن أعود إلى الحياة السابقة العادية وإلى الدراسة ولعب كرة القدم والتسوّق والحديث عن السيارات وما إلى ذلك؟ لم استطع التأقلم والعودة إلى حياتي السابقة. شعرت بالفراغ تماماً، وأن هذه الحياة فارغة من أي معنى. البوسنة غيّرتني وغيّرت هويتي. شعرت بأن الحياة السابقة تافهة فارغة من أي معنى وليس لها معنى أو قيمة. شعرت بالعودة إلى وطني بأنني خرجت من الجنة ونزلت إلى الأرض. شعرت بأن الناس من حولي لا يستطيعون فهمي. كان اصدقائي القدامى يقولون لي أنت تغيّرت وعيونك توحي بأنك في الاربعينات. أصبحت جدياً وكلامي أكبر من سني. كان عمري 17 عاماً، ولكن شعرت بأنني مختلف وأحمل همّ الأمة والمسلمين والأقليات والثغور الإسلامية. كنت أشعر بأنه يجب عليّ أن أساعد المسلمين والقتال إلى جانبهم.

> تتحدث هنا عن "الجهاد". ما هو هذا الجهاد الحقيقي المستوفي الشروط؟

- هو جهاد المحتلين، والغزاة.

> قبل أن ننتقل إلى الحديث عن تجربتك في أفغانستان، هل تعتبر أن جهاد زملائك ممن قاتلوا ضد السوفيات هناك هو جهاد مستوفي الشروط؟

- نعم، مثله مثل الجهاد ضد الصرب، وجهاد الفلسطينيين ضد اسرائيل.

> وماذا عن قتال الأفغان حالياً ضد الأميركيين - هل هو جهاد حق مستوفي الشروط؟

- من أحكام الجهاد أيضاًً أن تعرف مع مَن تجاهد. لذلك رأيي أن جهاد البوسنة كان جهاد حق لأننا كنا نقاتل تحت إمرة الجيش البوسني. كان هدفنا الدفاع عن أرواح المسلمين العزّل، وفي الوقت نفسه لم نكن كتيبة منفصلة عن الجيش البوسني لأن كتيبة المجاهدين كانت ضمن الفيلق السابع المسلم. كان هناك هرم قيادي يصل إلى رئيس الجمهورية. لم نكن مستقلين ولم يكن هدفنا تغيير نمط حياة البوسنيين، لم يكن هناك فرض للحجاب، ولم يكن هناك تحطيم لأماكن بيع الخمور أو عقوبات على المخالفات الشرعية لأنهم كانوا يعتبرون وظيفتهم الأساسية الدفاع عن المسلمين فقط. كانوا دعاة وليسوا قضاة وجلدين. القضية ليست فقط أن تجاهد ضد مَن، ولكن تجاهد مع مَن؟ الجهاد الحق له شرطان: الأول، جهاد عدو غازٍ واضح وصريح، والثاني، الجهاد ضمن منظومة شرعية عليها إجماع من قبل أهل البلد وعلمائه. يجب أن يكون هناك إجماع وهدف واضح وصريح مثل قتال القسّام ضد الانكليز وقتال الشعب الأفغاني ضد السوفيات. لا تنظر فقط إلى من هو عدوك بل تنظر إلى من هم رفاق السلاح. إذا كان رفاق السلاح من أتباع الفكر التكفيري المتطرف فهذا ليس جهاداً. هل نقوم بقطع رؤوس المدنيين لأنهم فقط مخالفون لآراء المجاهدين؟ هذا ينفي مبدأ الجهاد. رفاق الجهاد والسلاح يجب أن يكونوا شباباً مستنيراً فكرياً بعيداً من التطرف ولديهم حس إنساني من غير تطرف وفرض تفسير متشدد لأحكام الشريعة. لأنهم لو فعلوا غير ذلك لخالفوا قوله تعالى ونصيحته لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في سورة آل عمران (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). ألا يتساءل المرء لماذا انفضّ الناس عن "القاعدة" في العراق؟ الجواب لأنهم بدأوا بقطع أصابع من يدخن في محافظة الأنبار والموصل وهذا لم يأمر به الله تعالى لا في القرآن ولا في السنّة.

> ماذا فعلت بعد عودتك إلى وطنك؟

- عشت في بلدي نحو أسبوعين، شعرت بالملل وبدأت أفكّر في خياراتي المستقبلية، هل أرجع إلى صفوف الدراسة؟ أم العمل؟ عدم قدرتنا أنا ورفاق السلاح من مجاهدي البوسنة على التأقلم في مجتمعنا دفعنا إلى الالتفاف حول بعضنا بعض والتفكير في ما نفعله. كانت هناك اقتراحات للبحث عن مكان آخر لاستئناف الجهاد. كنا نبحث عن "سوق جديدة للجنة"، كما كنا نطلق عليها في ذلك الوقت. "سوق الجنة في البوسنة" أُغلقت، فهل هناك سوق جديدة؟ "سوق الجنة في الشيشان" أُغلقت أيضاًً. كنت أرغب بالذهاب إلى هناك، لكن الروس أغلقوا الحدود في شكل محكم، ووضعوا أربعين ألف جندي على الحدود، كما أن ابن الخطاب قائد المجاهدين هناك لم يكن يقبل أي مجاهد إلا إذا كان لديه مستوى عالٍ من التدريب. تحدثت مع أحد الشباب وأبديت رغبتي بالذهاب إلى افغانستان. تم تزويدي برقم هاتف "أبو سعيد الكردي" مسؤول المضافة في بيشاور للالتحاق بـ "معسكر أبو روضة السوري". حصلت على تأشيرة إلى باكستان ومن ثم سافرت إلى أفغانستان حيث كان "أبو سعيد الكردي" مسؤول المضافة بانتظاري. لم يكن نائب المسؤول الرئيسي "أبو زبيدة الفلسطيني" موجوداً في المضافة حين وصلت اليها. ووظيفة مسؤول المضافة في ذلك الوقت كانت استقبال المجاهدين في مطار بيشاور وتوفير السكن وإجراء المقابلة الودية والتعرف الى خبرات المجاهد وغرضه ونوعية التدريب الذي يرغب في تلقيه وطول المدة التي سيقيم فيها في أفغانستان وخبراته الجهادية السابقة. لأن التعرّف الى الخبرات الجهادية والتعارف والتواصل مع زملائه المجاهدين تسهّل على مسؤول المضافة التعرف الى شخصية القادم الجديد وتعفيه من وضعه تحت المراقبة لمعرفة مدى التزامه الديني ومعرفة إلى أي مدى يشكّل هذا الشخص خطراً على التنظيم والمعسكرات الجهادية. أنا كانت لي سابقة جهادية في البوسنة وتعرّف الكردي إلى زملائي الذين قاتلوا معي في البوسنة مما سهّل لي الأمور. في ذلك الوقت لم أكن عضواً في تنظيم "القاعدة" بل كنت فقط عضواً في ما أسميها "الحركة الجهادية" لأن أسامة بن لادن كان في ذلك الوقت في السودان، وكان ذلك في بداية عام 1996. وبحكم خبرتي الجهادية قصرت مدة اقامتي في المضافة، وبعد ذلك انتقلت عبر بوابة بين باكستان وأفغانسان إلى معسكر أبو روضة في قرية "دورنتا" قرب مدينة جلال آباد. هناك استطلعت الدورات التي كانت تُقدّم مثل دورات الهاون والدبابات وصواريخ غراد والخرائط والكمائن والقتال وقطع خطوط الإمداد وغيرها ومكثت هناك أربعة شهور من كانون الثاني (يناير) إلى نيسان (أبريل) من العام 1996.

> كم معسكراً كان في أفغانستان خلال تلك الفترة؟

- في منطقة جلال آباد كان هناك معسكران، الأول معسكر الحزب الإسلامي الأفغاني التابع لقلب الدين حكمتيار زعيم الحزب وكان يُطلق عليه معسكر "أبو روضة السوري" الذي كان يتبع للشباب العرب الذين كانوا يقاتلون مع حكمتيار. وكان الحزب الإسلامي يضم نحو 10 آلاف مقاتل منهم قرابة خمسين مقاتلاً عربياً. حكمتيار كان في حرب مع رئيس أفغانستان برهان الدين رباني ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود للسيطرة على كابل. الصراع الداخلي والحرب الأهلية بين الثلاثة دمّرا كابل كلياً. وعلى رغم قلة أعداد المقاتلين العرب في تلك الفترة إلا أنهم كانوا منقسمين على أنفسهم إلى معسكرين. معسكر أبو روضة السوري كان يقع على تلة بجانب السد المائي لجلال آباد وسمّي بذلك على اسم أحد المجاهدين العرب السوريين الذين رفضوا فكرة أسامة بن لادن أن هناك فتنة بين المجاهدين بسبب الصراع بين السياسيين الأفغان. أبو روضة السوري رفض هذه الفكرة وكان يعتقد بأن حكمتيار على حق وأنه يجب الوقوف إلى جانبه. وكان أبو روضة يطلب من الشباب العرب الإستمرار في القتال إلى جانب حكمتيار لأنه كان يعتقد أن حكمتيار سيقيم الدولة الاسلامية وأن رباني ومسعود منافقان. أبو روضة السوري قُتل عام 1993 في المعارك بين قوات الحزب الإسلامي والحكومة الأفغانية. أنا انضممت إلى فريق أبو روضة السوري. المعسكر الثاني في جلال آباد كان لا يبعد أكثر من مئة متر عن معسكر أبو روضة وكان يُسمّى معسكر أبو معاذ الخوستي وهو أردني من أصل فلسطيني، كان مشهوراً أنه صاحب أكبر شارب في أفغانستان، وهو قُتل أيضاًً في أواخر عام 1994 في المعارك أيضاًً. في شكل عام معسكر أبو روضة في منطقة دورنتا كان أكبر حجماً وأفضل تمويلاً.

> من كان يموّل تلك المعسكرات؟

- التمويل كان يأتي من أحد السوريين وكان اسمه "أبو رياض السوري"، إضافة إلى تمويل من الجالية الجهادية في أميركا. كان التمويل ما بين 10 إلى 15 ألف دولار شهرياً، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت في أفغانستان. كما أن التبرعات كانت تأتي أيضاًً من منتسبي المعسكر. كل منتسب سابق للمعسكر كان حين يرجع إلى وطنه يرسل معونات وكانت تصل المعونات إلى نحو 50 ألف دولار شهرياً. قائد المعسكر في ذلك الوقت كان محمد نور الجزائري إضافة إلى صلاح الدين المغربي الذي كان أحد أمراء المعسكر وكان مغربياً يحمل الجنسية الأميركية.

أما معسكر أبو معاذ الخوستي فكان أقل تمويلاً، ولكن من ناحية التسليح كانت لديهم دبابة ومدرعة غنموها من الجيش الأفغاني الحكومي. أنا كنت في معسكر أبو روضة وعلى رغم أن كلا المعسكرين كانا يقاتلان تحت راية الحزب الإسلامي الموحد إلا أن عدم قدرتهم على الاتفاق على قيادة موحدة دفعهم إلى الانقسام. كان هناك أمران يوحدان المعسكرين، وهما حاجتهما إلى بعضهم بعضاً. فحين كان شباب أبو روضة يحتاجون إلى التدريب على الدبابة تي 62 والمدرعة "بي ام بي" الروسية كانوا يذهبون إلى معسكر أبو معاذ الخوستي للتدرب تحت قيادة أبو محجن الجزائري الذي كان يقود المعسكر. وحينما كان يريد شباب أبو معاذ تلقي الدورس الشرعية كانوا يصعدون إلى معسكر أبو روضة للاستفادة والاستماع إلى محاضرات أبو عبدالله المهاجر وهو شيخ مصري مهم.

الذهاب إلى الشيشان

آنذاك أحد القادة هناك وهو صلاح الدين المغربي عرض عليّ الذهاب إلى الشيشان، وبالفعل سافرت في نيسان (أبريل) عام 1996 من كراتشي إلى باكو في أذريبجان للانتقال بعد ذلك إلى أراضي الشيشان عبر داغستان. كانت أذريبجان في ذلك الوقت دولة فاشلة بكل معنى الكلمة. وكان هناك شخص اسمه "أبو أنس التونسي" بانتظاري، ولكن بسبب إغلاق الطريق إلى الشيشان عرضوا عليّ الانضمام إليهم في مكتب مؤسسة الحرمين لا سيما أنني اتمتع بخبرات إدارية وتنظيمية، وكانت مؤسسة الحرمين الخيرية في ذلك الوقت عبارة عن فيلا سكنية (في باكو). وبالصدفة وجدت هناك ثلاثة من رفاق السلاح من البوسنة أحدهم من الكويت والآخر سعودي اسمه "أبو الشهيد الشرقي" من الدمام قُتل في القصف الأميركي لمعسكر "أنصار الإسلام" في كردستان في آذار (مارس) 2003 أي في بداية الغزو الأميركي للعراق، وهذا المعسكر كان مقراً لأبو مصعب الزرقاوي الذي التقيته مراراً في أفغانستان.

> ماذا كانت مهمة مكتب الحرمين؟

- مهمتنا في مكتب مؤسسة الحرمين كانت تلبية طلبات المقاتلين والمجاهدين في الشيشان.

> ما نوعية هذه الطلبات؟

- كانت تأتينا طلبات كتب وأجهزة اتصال ومعدات وأغذية وبطانيات، بطاريات زيت، فوانيس، وكتب وقرطاسية ومصاحف وأموال. كنا نرسل مئات الآلاف من الدولارات من تبرعات مؤسسة الحرمين. كان مدير المكتب أردني يسمى الشيخ أبو حمزة من طلاب الشيخ الألباني. كان المقاتلون الشيشان بقيادة خطّاب يبتاعون السلاح من الجيش الروسي. وفي ذلك الوقت كان راتب الجندي الروسي 20 دولاراً شهرياً ولكن لعدم امتلاك الحكومة الروسية بقيادة بوريس يلتسن السيولة النقدية لدفع رواتب الجنود كان هؤلاء يتسلمون راتبهم من محاصيل القرنبيط والملفوف وكانوا يبيعون أسلحتهم للمقاتلين المسلمين للحصول على الأموال. روسيا كانت مفلسة أيام يلتسن، وآلاف الجنود الروس قتلوا في الحرب بسبب افتقارهم للتدريب العسكري، وكثيرون كانوا يسلمون أنفسهم للمقاتلين الشيشان من أجل الطعام. كنا نجري عمليات تحرير أشرطة الفيديو والأخبار التي تأتي من خطّاب. كان عصراً ذهبياً لهم، وكانت هناك انسانية في التعامل مع الأسرى. وبسبب انسانيتهم والمعاملة الجيدة للأسرى الروس أسلم نحو 20 جندياً روسياً، وكان خطّاب بنفسه يوزّع الملابس على الأسرى. كنا نرتب الطلبات ونجهز الشاحنات التي تعبر الأراضي الداغستانية إلى أراضي الشيشان لعدم وجود حدود مشتركة بين أذربيجان والشيشان، بالتالي يجب أن يكون سائقو الشاحنات داغستانيين. خلال تلك الفترة تعلّمت الروسية التي كنت اتحدثها بطلاقة. كان الطلب الرئيس الذي يطلبه خطّاب هو "الميونيز". كان يعشق الميونيز ويطلبه بكميات كبيرة.

> لماذا الميونيز بالذات؟

- خطّاب كان يعتقد أن الميونيز مملوء بالبروتينات التي تساعد المجاهدين على القتال والصمود وتحمّل البرد ووعورة الجبال. ولذلك كان المجاهدون في الشيشان يخلطون الميونيز بالرز وغيره من غذائهم.

> وكيف كانت علاقتكم بالحكومة الأذربيجانية؟

- كانت جيدة وكانت هناك شخصيتان إحداهما أمنية والأخرى سياسية يزورونا في مكتب الحرمين وكنّا نسلمهما في ظروف مغلقة ما بين 30 إلى 40 ألف دولار شهرياً من أجل أن يغضّا الطرف تماماً عن عملياتنا. المسؤول السياسي كان يتسلّم أربعين ألف دولار والمسؤول الأمني 30 ألف دولار شهرياً.

 (للإطلاع فقط)

> من هما هذان المسؤولان؟

- المسؤول السياسي كان (....) ر. ج. وكان يُعتبر شخصية مهمة جداً في الحكومة وهو صديق مدير في الاستخبارات الاذربيجانية كان يتسلم أيضاًً 30 الف دولار. الاستخبارات الأذربيجانية كانت تعرف عنا وكانوا يأتون بأنفسهم الى المكتب لتسلم الأموال. كنا ندفعها من تبرعات مؤسسة الحرمين التي اغلقت في 2004 لاتهامها بتمويل الإرهاب.

> كيف كنتم تمولون مشتريات وطلبات المقاتلين الشيشان ومن أين كنتم تحصلون على المواد التموينية التي ترسلونها لهم؟

- من تركيا والسوق المحلية ومن أوروبا.

> هل يُعقل أن أجهزة الاستخبارات الغربية والروسية لم تلحظكم؟

- لا، الـ "كي جي بي" كانت في مرحلة انتقال وفوضى.

> وكيف كانت علاقة القاعدة بالمقاتلين الشيشان وخطّاب؟

- قبل ذهاب بن لادن إلى السودان زارنا أيمن الظواهري في أذربيجان في نهاية شهر 6 من عام 1996. كان الظواهري يرغب بالذهاب إلى الشيشان. كانت هذه المرة الأولى التي التقي فيها بالظواهري، وبصراحة لم أعجب بشخصيته، فقد كان مغروراً. بحكم أهميته ومنصبه في "القاعدة" وتنظيم الجهاد الاسلامي المصري قمنا بترتيب اللقاء له مع خطاب. خطّاب لم يكن متحمساً للقائه أبداً. كانت هناك حساسية شديدة بين المجاهدين المصريين والمجاهدين السعوديين، لم تكن هناك أي مودة بين الطرفين لا سيما تجاه جهاديي القاهرة أو "جهاديي إمبابة" كما كنا نسميهم. خلال زيارة الظواهري لأذربيجان نسقنا مع الشاب الداغستاني الذي كان يقود شاحناتنا وأعطيناه مبلغ 10 آلاف دولار لرشوة الجنود على الحدود، ولكن في اثناء محاولة الظواهري اجتياز الحدود تم اعتقاله ورفض مسؤول الشرطة أخذ الرشوة.

> هل كان يعرف سجااشار إنه الظواهري؟

- لا، لم يعرف أحد، وحاولنا عدم اعطائه أهمية كبيرة لإخفاء منصبه لأنهم لو عرفوا أهميته سيطلبون رشوة أكبر. وبعد مفاوضات مع مركز الشرطة الداغستاني دفعنا 40 الف دولار بدل 100 ألف دولار لإطلاق سراحه. وإلى حين تمكنا من إطلاق سراحه قضى الظواهري نحو سبعة أسابيع في السجون الداغستانية. خلال تلك الفترة عُزل عن العالم ولم يعرف خلالها أن أسامة بن لادن خرج من السودان. بعد إطلاق سراحه توجه إلى أفغانستان وانضم الى بن لادن هناك. وخلال فترة السجن توطدت علاقة الظواهري بالمافيا الروسية وقيل لنا إنه استطاع عبر علاقاته شراء ثلاث قنابل نووية روسية نُقلت إلى أفغانستان. (سيتحدث في حلقة أخرى عن قصة المزاعم في خصوص "قنابل القاعدة النووية").

> هل دعم بن لادن الحرب الثانية في الشيشان؟

- نعم، وكان هناك شخص من أتباع بن لادن اسمه سيف الدين الغامدي يقوم بمهمة التنسيق بين "القاعدة" وخطّاب. الحرب الأولى للشيشان امتدت من الفترة ما بين 1994 إلى عام 1996 وانتهت بتوقيع الرئيس الشيشاني الموقت زلم خان يندرباييف اتفاقية سلام مع الرئيس الروسي بوريس يلتسن بمقتضاها تتمتع الشيشان بحكم ذاتي غير مستقل داخل الاتحاد الروسي. وبعد ذلك نظّمت الانتخابات وفاز بها أصلان مسخادوف. استقر خطّاب في الشيشان وشكّل بالتعاون مع شامل باساييف الهيئات الشرعية واستقطبوا الشباب الداغستانيين ودربوهم وأرسلوهم إلى قتال الجنود الروس في داغستان. بدأوا باستفزاز الروس على رغم أن اتفاقية السلام تنص على عدم السماح باستخدام أراضي الشيشان كقاعدة لعمليات عسكرية ضد الروس. تحرشات الداغستانين القادمين من الشيشان دفعت الروس إلى القيام بحملة عسكرية أمنية قوية ودارت معارك بين الطرفين وحين كان يُهزم الداغستانيون كانوا ينسحبون إلى الأراضي الشيشانية ولكن الروس لم يتبعوهم لخوفهم من شيشان ثانية.

في نهاية 1997 حصلت معركة كبيرة حيث دخل خطّاب بالتعاون والإشتراك مع مجاهدين إلى داغستان وتوجّهوا إلى قاعدة روسية وقاموا بتفجير نحو 60 دبابة، ودارت معارك طاحنة بين الجانبين راح ضحيتها نحو 100 جندي روسي. وللإنتقام قام الروس بمهاجمة خمس قرى مسلمة في داغستان والتي كانت خارج نطاق الحكومة الفيديرالية الروسية. بعد ذلك انتشرت العمليات والاغتيالات للشرطة والمتعاونين مع الروس وزاد عدد المقاتلين الشيشانيين في داغستان، ومع ذلك رفض الروس التدخل وكانوا يضغطون على شامل باسييف لمنع المقاتلين الشيشان من مهاجمة الروس، وبالفعل أمر شامل باسييف المقاتلين بعدم القيام بأي أنشطة عسكرية أخرى. هنا بدأ بن لادن بدعم خطّاب لأنه كان يخطط لفتح جبهة ضد الروس في شمال أفغانستان وطاجيكستان لشغل الروس في الشمال. كان يريد فتح جبهة في أوزبكستان، وكان يرى أن الإمارة الإسلامية في أفغانستان يجب أن تتوسع لتشمل طاجيكستان وأوزبكستان وغيرهما ولذلك أرسل حمزة الغامدي إلى هناك لبحث امكان فتح جبهات هناك.

في المقابل كان محمد طاهر الفاروق طاهر جان، رئيس الحركة الإسلامية في أوزبكستان، يبعث بشبابه للتدريب في أفغانستان. في عام 1999 وصل (فلاديمير) بوتين إلى رئاسة الوزراء الروسية وبعد ذلك حصلت تفجيرات في عدد من المدن الروسية استهدفت بنايات يسكنها جنود روس وعائلاتهم، وعلى إثر ذلك جهّز بوتين جيشه لضرب المقاتلين الشيشان وبدء حرب ضدهم. في تلك الفترة انتشرت نظريات في الصحافة الغربية تقول إن بوتين هو من قام بتلك العمليات من أجل إيجاد سبب مقنع للعودة إلى الشيشان. وكانت معلوماتهم مبنية على معلومات الجاسوس الروسي المنشق أ. ل. الذي مات بمرض غامض، والجميع صدق كما يبدو تلك المعلومات. استمرت الحرب خمسة شهور للوصول إلى غروزني، وهذا كلّه حصل بعد أن بدأت عملي في الاستخبارات. في نهاية 1999 - أي بعد بداية حرب الشيشان الثانية بأربعة أشهر - ذهبت إلى بيت أبو قتادة في لندن، وقال لي: "جيّد أنك هنا لأننا سنقوم بالاتصال بأبو سعيد الكردي لمعرفة طلبات المجاهدين في الشيشان". وكان أبو سعيد الكردي قد انتقل من باكستان إلى تبليسي في جورجيا عام 1998 لدعم جهود المجاهدين في الشيشان. كنا خمسة أشخاص في بيت "أبو قتادة". خلال المحادثة الهاتفية سئل أبو سعيد هل أثّر عليكم أن بوتين هو من اختار وقت المواجهة بحكم أنه من نفّذ التفجيرات واتهمكم بها؟ فقال أبو سعيد لابو قتادة: من قال لك إن بوتين هو من نفّذ التفجيرات؟ نحن من خطط ونفذ تلك العملية". وأضاف أبو سعيد الكردي: "تعقبنا الوحدات القتالية العسكرية التي قامت بالاعتداء على القرى المسلمة في داغستان أواخر 1997 وانتقمنا منها، خططنا لتلك العملية على مدار عام ونصف العام بعدما تعقبنا الوحدات على حدود الشيشان". من نفّذ العملية هو خطّاب وجماعته وبموافقة شامل باسييف وجماعته! تخيّل دمّروا جمهورية كاملة من أجل الانتقام! لكن للعلم أصلان مسخادوف لم يكن على علم بالعملية.

> وماذا كان رد فعل أبو قتادة على تلك المعلومات؟

- قال: أنتم أدرى بمعركتم.

> هل أوصلت هذه المعلومة إلى المشغلين لك؟

- نعم أوصلت المعلومة إلى الجهاز وطلبوا مني إعادة كل كلمة قالها أبو سعيد الكردي. وبعد ذلك قالوا إننا ارتكبنا خطأ جسيماً لأننا رفعنا توصيات للقيادة السياسية تقول إن بوتين هو من دبّر الاعتداء.

> ما رأيك: هل كان الجهاد في الشيشان إرهاباً؟

- أعتقد في البداية لم يكن إرهاباً، أعني الحرب الأولى في الشيشان، ولكن اختلف الأمر في الحرب الثانية. في الحرب الأولى التي امتدت من 1994 إلى 1996 الجمهورية الشيشانية أعلنت استقلالها واجتاحها الروس وكان هناك اجماع كامل على قتال الغزاة. وبذلك يتحقق الشرطان اللذان تحدثنا عنهما في تطرقنا إلى الجهاد في البوسنة، وهما أهلية المجاهدين وتحقق الاجماع على القتال. رئيس الجمهورية جوهر دوداييف قُتل بصاروخ موجّه أطلقته قاذفات مقاتلة روسية. زليم خان يندرباييف قُتل أيضاًً. وكان القائدان يتمتعان بصدقية وشعبية. وأصلان مسخادوف الرئيس الثالث لجمهورية الشيشان وأحد أكبر قادة المقاتلين الشيشان انتخب من قبل شعبه. هذا يُحقق الاجماع. بالمقابل لا أستطيع أطلاق اسم جهاد على الحرب الثانية للشيشان التي بدأت في 1999 ومستمرة الى الآن، لأن المقاتلين هناك ارتكبوا أخطاء شنيعة، أبرزها أنهم استفزوا الروس.

> كم مكثت في أذربيجان ولماذا غادرت؟

- مكثت أربعة شهور شعرت خلالها بالملل. شعرت بأنني بيروقراطي، لكنني تعلمت أشياء كثيرة على رأسها الأهمية الإدارية للتنظيمات الجهادية، وغطاء العمل الجهادي الإغاثي، ولكن الملل والبيروقراطية دفعاني إلى الخروج والعودة إلى أفغانستان.

غداً حلقة ثالثة

انشر عبر