شريط الأخبار

جدل "الإيجابي" و"المؤامراتي"في شطب خانة الديانة من بطاقة الهوية .. عصام يونس

07:21 - 19 حزيران / فبراير 2014

أثار قرار الرئيس محمود عباس، بحذف خانة الديانة من بطاقة الهوية جدلا لما ينتهي، وأظنه لن ينتهي قريبا، فمن ترحيب بها كخطوة على طريق المساواة بين المواطنين،تقتقضيها متطلبات "المواطنة" في ظل حكم "ديمقراطي" إلى رفضها كخطوة أقرب إلى "المؤامرة"في سياق ما يشاع عن اجراءات تنطوي على تجنيس مستوطنين من اليهود بالجنسية الفلسطينية، واستباق أي ترتيبات قادمة، بالتأكيد على أن الفلسطينيين لامشكلة لديهم في دين من "يسكن" وطنهم.


لايكفي النظر إلى الخطوة-القرار بإيجابية وإن كنت أراها كذلك في جوهرها، فالدين شأن شخصي للأفراد، لايشكل الافصاح عنه في بطاقة إثبات الهوية أي قيمة مضافة فيما له علاقة "بالمواطنة"، بل على العكس قد تنطوي على تمييز بين من يفترض أنهم متساوون في مجتمعهم.


إن الإنتماء لعقيدة أو دين في مجتمع ما، لا يعطي معتقده ومؤمنه أية أفضلية على سواه في دولة "المواطنة". لذا فالنظر إلي القرارمرتبط بما يحمله من دلالات وما قد يثيره من أسئلة جوهرية لها علاقة بجدل "الايجابية" من جهة و"المؤامرة" من جهة ثانية.


فالخطوة على ما قد تنطوي عليها من إيجابية تبدو يتيمة، لم تسبقها قرارات واجبة ومسلكيات وأفعال وإعمال لقوانين،سبق وأن طالب بها فاعلون سياسيون وإجتماعيون لإعمال المساواة في المجتمع. لذا فالقرار يبدو "نشازا" في سياق فعل وسلوك مختلف، وهنا مكمن الدهشة بأن أحدا لم يسبق وأن طالب به، وأعني بالتحديد الغاء بند الديانة من وثيقة إثبات الشخصية.


إن القرار، لا يعدو عن كونه قرارا من الرئيس، وعلى أهمية القرار ودلالاته، فإنه لم يخضع لنقاش سابق عليه من قبل المجتمع وقواه المختلفةبما يعبر عن الإرادة العامة له. إن مكافحة التمييز واحترام حقوق الانسان وحرياته الأساسية، ليست رهنا بقرار، بل بممارسة وسلوك وتربية ورقابة وانخراط فاعل لمختلف مكونات المجتمع.


تأكيدا على إن مكافحة التمييز على خلفية الدين والأصل الاجتماعي ومكان السكن والجنس والاعاقة ...الخ في أي مجتمع هي عملية متواصلة تشمل السلوك والممارسةالقانونية والسياسية والثقافية،ألا تقتضي بدورها "قرارات" من وزن ونوعإلغاء خانة الديانة في بطاقة إثبات الشخصية؟ فعلى سبيل المثال لا الحصر، ألا تقتضي مكافحة التميز بحق النساء والمعاقين وسكان المناطق الفقيرة والمهمشة أو من يحتاجون العلاج ممن لانفوذ طلهم قراراتمماثلةمن الرئيس سعيا لتعظيم المساواة بين أفراد المجتمع.


إننا أمام مشهد بشي بوقاحة الحقيقة، فدولة الاحتلال لازالت تحتفظ بالسجل المدني للسكان الفلسطينين تحت الاحتلال، فنحن لا نملك أي ولاية على بطاقة الهوية، ولا إصدارها أو تغيير شكلها أولونها أوترتيب بياناتها أو لغة بياناتها، ولا يمكننا منحها لمن أفنى سنوات في انتظار الحصول عليها. المفارقة أن دولة الاحتلال رفضت السماح للمرضى الغزيين من الخروج عبر معبر بيت حانون للعلاج إلا بعد شطب كلمتي "دولة فلسطين" من أوراق التحويلات الرسمية.


ألايستوجب مبدأ المساواة بين المواطنين أيضا حذف خانة مكان السكن من البطاقة؟ التي قدينطوي وجودها تمييزاآخر ببن المواطنين.

ينظر للخطوة من قبل آخرين إلى أنها أقرب إلى المؤامرة، فتوقيتها في وقت تجرى فيه مفاوضات بين السلطة الوطنية وحكومة الاحتلال، يثار فيها، وفقا لما يشاع، بأن التسوية المقترحة والمتعلقة بالمستوطنات تنطوي على منح جزء من المستوطنين حق "المواطنة" في الدولة الفلسطينية العتيدة، وهو ما يعني أن قرار الرئيس يأتي استباقا لذلك أو متزامنا معه، كجزء من تهيئة البنية التحتية لاستيعابهممواطنين سوف لن يتعرضوا لتمييز مفترض حتى لو كان في خانة هوية مكانها في أحسن أحوالها، جيب خلفي لبنطال مستوطن-مواطن.


ما يدفع الآخرون إلى "المؤامرة" ليس فقط التوقيت وما يشاع عن ترتيبات متعلقة بالمستوطنات، بل أيضا أن القرار جاء بلا مقدمات يمكن ربطها به كنتيجة. فلا تقرير رسميا او غير رسمي يشير إلى أن خانة الديانة متنطوي على تمييز، وحتى لو جاء القرار ضمن متطلبات الحكم الديمقراطي حيث لم يسبقه أي اجراءات فعالة تتعلق بإعمال المساواة لفئات المحتمع التي تعاني تهميشها وحرمانا، من بينهم من كانوا مستهدفين بهذا القرار.


إن أي خطوات لإعمال مبدأ المساواة بين المواطنين تستحق التقدير، ولكن يجدر التأكيد على أن المساواة لا تتحقق بقرارات فقط، بل من خلال ثلاثة مستويات، بالغة الأهمية، أولها الحماية: أي أن يكون هناك نص تشريعي يحمي الحقوق الأساسية ويجرم التمييز على أي خلفية كانت، وثانيها، الاحترام:أي أن يوضع النص التشريعي موضع التطبيق الفعال، من خلال جملة من الاجراءات القانونية والإدارية والتربوية وإجراءات الرقابة على التطبيق وتمكين الضحايا من تلمس سبل العدالة والنصفة بمستوياتها المختلفة، وثالثها، التعزيز: أي خلق البيئة الملائمة لممارسة المواطنة والمساواة، من خلال عملية تنموية شاملة تضمن مشاركة الأفراد المتساوين في دائرة الفعل السياسي والاجتماعي لا اقصائهم، علاوة على نشر قيم التسامح وتعزيزها في المجتمع في وقت نشهد فيه ضيق صدر بكل من يختلف معنا وعنا.


إن القرار يثير مرة أخرى سؤال المواطنة الرئيس، المتعلق بالشفافية وحق الوصول للمعلومات في كل الأحوال،فلماذا مثلا يُضرب ستار حديدي على كل ما يتعلق بالمفاوضات؟ ولماذا يُتركالمواطن يتلمس معرفته وحقيقةامره من نذر يسير من معلومات واشاعات، غالبا مما ينشره عدوه؟ذلك يجعل المواطن يرى"المؤامرة" أو البطولة ولا يرى غيرهما، أوقد لا يرى شيئا على الاطلاق، ما يزيد المواطن احباطا. لماذا لا يطمئن قلب الجميع لما يدور في المفاوضات خلف الأبواب الموصدة من خلال نشر المعلومات الحقيقية وتسهيل الوصول إليها؟فالحديث يدور عن قضية شعب وحقوقه المشروعة، ليتسنى له مؤازرة الرئيس في معركة الدفاع عن تلك الحقوق، فالشعب هو من سيدفع ثمن ما ستسفر عنه المفاوضات نجاحا ام فشلا، انتصارا أم هزيمة!


انشر عبر