شريط الأخبار

مَن يناور على مَن ؟ - أكرم عطا الله

08:40 - 16 تموز / فبراير 2014

لنتفق أولاً على أن المشتغلين بالسياسة وخاصة في طوابقها العليا يعيشون حياة أفضل بما لا يقاس من حياة المواطن في المنطقة العربية عموماً وفلسطين بشكل خاص، من حيث الدخل المادي والخدمات والسفر والصحة وتعليم الأبناء والسكن أي جودة الحياة، ففي بلادنا لا يعيش الفرد كريما إلا عندما يكون في موقع المسؤولية، لهذا يتسابق الجميع ضد الجميع في معارك طاحنة لم ولن تهدأ بين الطامحين للسلطة، وخلال تلك المعارك يبيع السياسيون الوهم للبسطاء الذين يصدقون أن هذا الرجل أو تلك الجهة تطمح للقيادة لأنها مسكونة بحياة الناس ونذرت نفسها للعمل من أجل المواطنين، لهذا تكثر الوعود التي تتكرر فيها كلمة "خدمة الشعب".

في السياسة يتم الادعاء بالتنافس على المبادئ وتحقيق المصالح وكذلك الادعاء بالرغبة بتيسير شؤون العامة للحصول على امتيازات خاصة، ولكن دائما تختفي تلك المصالح والامتيازات خلف شعارات كبيرة مدججة بالأخلاق والمبادئ والقيم والتفاني والإخلاص، هذه الشعارات التي أصابت المواطن الفلسطيني بصدمة وهو يرى كيف تساقطت حين سال الدم الفلسطيني رخيصاً على مذبح السلطة، عندما اختفى شعار خدمة المواطن ليحل محله واقع قتل المواطن.

لو أجرينا دراسة للوضع الاقتصادي والاجتماعي للهيئات القيادية الأولى للفصائل والوزراء لعرفنا سبب الصراع على السلطة وحالة النهم التي أصابت حتى مواطنين عاديين أصبحوا يقدمون أسماءهم كلما لاحت الفرصة، لكن بين قادة الفصائل والسلطتين لا يوجد عمر بن الخطاب، ولا خوسيه موخيكا رئيس أوروغواي الذي يكتفي بعشر راتبه ويتبرع بتسعة أعشاره لأنها تفيض عن حاجته، فقط لدينا انقسام ومزيد من الفقر والجوع والبطالة وانهيار للصحة والتعليم والخدمات وغلاء المعيشة الذي يلسع كل بيت ليس به مسؤول.

لدينا صراع على السلطة يحمل من المناورات ما هو مدعاة للسخرية حينا وللشفقة أحيانا أخرى، فسبع سنوات من النزاع بين القطبين الرئيسيين "فتح" و"حماس" مرة حوار الشركاء ومرة تراشق الأعداء أصابنا بالملل قبل أن يتسع مدى المناورة ليصبح ثلاثي الأبعاد عندما قررت حركة حماس أن تعدل في النص لتقدم نوعاً من الإثارة والتشويق في فيلم الصراع الطويل، وهي تعرف بالضبط ما الذي تفعله حين سمحت للمقرب من دحلان النائب ماجد أبو شمالة بالعودة لغزة وكانت ذكية في تصوير الأمر إعلامياً بما يشي بعودة لتيار دحلان، فأصابت حركة فتح بالهلع، بالرغم من تواجد عضو المجلس الثوري سفيان أبو زايدة في غزة باستمرار، أما النائب ياغي فلم تلاحقه حركة حماس أصلا وغادر غزة بمحض إرادته.

دحلان يتقارب مع "حماس" صدقوا ذلك إذا تمكنتم، و"حماس" تريد "فتح" موحدة صدقوا ذلك أيضا إذا كان لديكم ما يكفي من السذاجة، فدحلان و"حماس" يحلم كل منهما أن يصحو ولا يجد الآخر، و"حماس" تحلم أن ترى "فتح" تتشظى ولديها قدر من المبادرة للمساعدة بذلك حتى دون دعوة، ولكننا أمام أكبر مناورة من التضليل اقتضتها ضرورة اللحظة المصلحية لكل الأطراف بعيداً عن ادعاء المبادئ وأولها الحرص على خدمة الشعب ومصالحه، فالشعب وخاصة في غزة يئن منذ سنوات تحت وطأة الجوع والفقر والمرض على مرأى ومرمى من كل هؤلاء المتصارعين على المصالح والامتيازات.

حركة حماس تمد أصبعها الصغير للنائب دحلان وعينها على المقاطعة بهدف جر "فتح" إلى حيث تريد وأن تهبط بها إلى حيث شروط "حماس" بالمصالحة أو على الأقل ترغمها على المساهمة بحل قضايا غزة التي تقف حكومتها عاجزة أمامها بتخويفها من "تمدد التيار الدحلاني"، أما مناورة دحلان بالتقارب مع "حماس" يراد منها بعد تواجده في غزة حيث الورقة الأقوى بلا شك أيضا إرغام أبو مازن بهدف عودته لحركة فتح، أما هذه الأخيرة التي أصيبت بالهلع فأرسلت وفدا من أعضاء اللجنة المركزية إلى غزة بعد هذا التجاهل الطويل، وقد حاول أيضا المناورة مدعياً الحرص على غزة وهمومها قبل أن يرغمه صحافي ماكر على الاعتراف بالسبب الحقيقي للزيارة وهذا الدفء المفاجئ مع حركة حماس.

الكل يريد أن يستخدم الآخرين، والكل يناور، لكن حركة حماس هي الأكثر ذكاء في كل تلك المناورات، وخاصة أن الصراع الهادئ يدور الآن على أرض غزة التي تسيطر عليها الحركة، وهذه السيطرة تجعل منها اللاعب الرئيسي وصاحب القرار الذي يسمح أو يمنع، يلاحق أو يوافق، وفي السياسة ليس هناك حسن نوايا خاصة حين تكون العلاقة تربصية كما السائد بين القوى والأحزاب الفلسطينية، فالتجربة لدينا قالت إنه ينبغي إجراء مراجعة لثقافة شرف الخصومة السياسية فليس هكذا يتخاصم النبلاء.

على بريدي الإلكتروني وصلتني رسالة من مجموعة معلمين أطلقوا على أنفسهم "معلمون تحت التعيين" وهؤلاء تم قبولهم للعمل في سنوات 2006 – 2007 – 2008 وهم بالمئات بعد أن اجتازوا كل الامتحانات اللازمة لكن حتى اللحظة لم يتم تعيينهم، لكن المؤلم أن يخاطبك من كاد يكون رسولاً قائلاً "نحن بلا كرامة منذ ثماني سنوات" كيف يمكن أن نفهم أن تستهلك ثماني سنوات من العمر في انتظار وظيفة ولا تأتي؟ صحيح أن الاحتلال هو سبب معظم مآسي شعبنا ولكن ليس مسؤولا عن الفارق الهائل بين مواطن لا يجد ما يأكله وبين مسؤول يعيش بمستوى أثرياء الخليج، كل هذا الإذلال ولا زالوا يتصارعون على السلطة بشكل مخجل وبلا تقاليد .. يبدو أن زمن الكبار حتى في صراعاتهم قد ولى..!

انشر عبر