شريط الأخبار

فيتامين سي سي (سيسي) - يديعوت

11:19 - 31 كانون أول / يناير 2014

ترجمة خاصة - فلسطين اليوم


فيتامين سي سي (سيسي) - يديعوت

بقلم: سمدار بيري

 (المضمون: الطريق القصيرة التي قطعها السيسي من قائد الاستخبارات المجهول إلى كونه المرشح الوحيد لرئاسة مصر والخطوات التي يتخذها لتأمين ألا يكون مصيره كمصير سلفيه مبارك ومرسي اذا وصل الى قصر الرئاسة - المصدر).

في نيسان 2010 وضع على طاولة من كان آنذاك وزير الدفاع المصري المشير حسين الطنطاوي، ورقة تقدير مذعورة سرية باللون الاحمر. وكانت الوثيقة قصيرة وذات غاية. وكان الموقع عليها قائد الاستخبارات العسكرية. "بعد ثلاثة عشر شهرا ستنشب انتفاضة شعبية تنتشر في جميع انحاء الدولة"، حذر الجنرال عبد الفتاح السيسي. "سيغرق عشرات آلاف المتظاهرين الشوارع والميادين ويرفضون الهدوء. وستكون الهبة الشعبية قصيرة تفضي الى تغيير النظام في مصر".

في تلك الايام وكانت اواخر ايام حكم الرئيس مبارك، كان يستطيع شخص جريء جرأة غير عادية أن يبيح لنفسه أن يخاطر بكتابة انذار استخباري سافر بهذا القدر دون أن يقامر بحياته المهنية. واستدعى الطنطاوي السيسي اليه على عجل وطلب جوابا من الفور قائلا: "اذا كان هذا سيناريوك فما الذي توصي بفعله؟". فأجاب الجنرال قائلا: "يجب على الجيش أن يقف مع الشعب وألا يتدخل في الهبة الشعبية. لا يجوز للجنود على أية حال من الاحوال أن يطلقوا النار على المواطنين".

تنبأ السيسي في الحقيقة بالاحداث تنبؤا دقيقا لكنه اخطأ التاريخ لأن الربيع العربي أغرق ميادين مصر قبل ذلك بثلاثة عشر اسبوعا، قبل ثلاث سنوات بالضبط.

يقول ياسر عبد الرازق محرر الصحيفة الليبرالية المصرية "المصري اليوم" إن رئيس الاستخبارات العسكرية وضع علامة على يوم الميلاد الثالث والثمانين لمبارك في أول اسبوع من شهر أيار باعتباره ساعة بدء الحدث. فقد قدر السيسي أن يعلن الرئيس آنذاك استقالته، وأن يعلن في الفرصة نفسها ايضا نقل السلطة الى ابنه جمال. "بيد أن الجنرال لم يأخذ في حسابه الربيع العربي في تونس وطرد الرئيس ابن علي اللذين عجلا الاحداث في مصر، ولم يقدر تقديرا صحيحا ايضا مقادير خيبة الأمل والغضب في شوارع القاهرة على إثر تزوير نتائج انتخابات مجلس الشعب. فقد نحت السلطة وطمست بقسوة على الاصوات التي حصل عليها ممثلو حركة "الاخوان المسلمين". وخرجت الجموع الخائبة الأمل بسبب قبضة السلطة الحديدية والفساد في القيادة العليا والازمة الاقتصادية لتهيج في الشوارع الى أن خلعت الرئيس".

إن السيسي الذي كان حتى ذلك الحين شخصا مجهولا تماما خارج دوائر الامن والاستخبارات، رُفع الى رتبة عضو ضئيل الشأن في المجلس العسكري الاعلى الذي تولى الطنطاوي قيادته. وكانت المهمة التي ألقيت عليه متحدية بصورة خاصة وهي أن يجري الحوار مع قادة "الاخوان المسلمين" وأن يبحث ويكشف عن خططهم السرية. وقاد هذا الحوار السيسي الى محمد مرسي الذي كان آنذاك مفرجا عنه جديدا من السجن ونشيطا قديما في حركة الاخوان. وترك لديه انطباع انه "واحد منهم" وكشف على مسامعه عن التربية الاسلامية التي تلقاها في عائلته، وحدثه عن زوجته المحجبة وعن صلاة الفجر التي يحرص على اقامتها في مسجد الحي.

وبعد سنة حينما بدأ التنافس في الرئاسة كان السيسي آنذاك هو الذي عاد يحذر المجلس العسكري قائلا إن الشارع لا يريد بقايا سلطة مبارك. وقال في اصرار: "ليس عندي شك في أن مرسي سيفوز في الانتخابات". ولم يتأثر الطنطاوي وحده بالقدرات على التنبؤ بل وضع قادة الاخوان المسلمين وفي مقدمتهم الرئيس الفائز عيونهم على الجنرال. وحظي السيسي بعد لحظة من تسريح وزير الدفاع ورئيس الاركان في خزي، حظي بشعبية كبيرة وبسلسلة ألقاب: الفريق أول، ووزير الدفاع ورئيس المجلس العسكري الاعلى ونائب رئيس الوزراء.

تعلم درسا رئاسيا

وأخذ الجمهور ايضا يطلع رويدا رويدا على النجم الصاعد الذي حظي بلقب "المنقذ القومي". إن صوته ضعيف في الحقيقة لكن خطبه صائبة تصيب نقاط ضعف الجموع. فأصبحت مصر قد غرقت دفعة واحدة في "السيسيمانيا" وبدأ ملايين يتحدثون عن الجنرال القوي الحضور ذي النظارتين الشمسيتين القاتمتين. "منذ كان خلع مبارك لم تنقطع المظاهرات في ميدان التحرير. واشتاق عشرات ملايين المواطنين السيئي الحال الى شخصية الأب لتقودهم". يُبين عالم الاجتماع المصري الدكتور فريد عطية. "كلما فشل الاخوان في الحكم واطلقوا اشارات ثخينة أنهم يخططون لتحويل مصر الى دولة شريعة اسلامية، وكلما لم ينجحوا في الاتيان بحلول اقتصادية وكانوا مشغولين فقط بتوزيع المناصب والزيادات على مؤيديهم، زادت شعبية قائد الجيش".

تعلم السيسي درسا مهما من تجربة اسلافه المرة وأخرج الخطط المطوية. فبعد اجازة الدستور الجديد اعلن عن انتخابات للرئاسة ستأتي قبل انتخابات مجلس الشعب. وهذا هو الاختراع لضمان سيطرة كاملة على مؤسسات السلطة المدنية، في حين حل صديقه وثقته رئيس الاركان صبحي صدقي محله في اجهزة الامن. وترمي هذه الاجراءات الى أن يُضمن سلفا عدم تكرار ما حدث من قبل وألا يجد الرئيس المنتخب نفسه مرة اخرى في السجن مثل مبارك ومرسي قبله. "لا يضللكم صوته اللين"، يُبين مثقف مصري. "السيسي ذكي جدا وداهية ومرتب ومنظم جدا. ومن تابع سلوكه في السنوات الثلاث الاخيرة تبين له أنه كان قد حدد هدفه منذ زمن، فعنده خريطة طريق ترمي الى أن تقوده الى رأس هرم السلطة، وكل من يحاول أن يعوقه سيريه مغبة ذلك".

هكذا عالج مرسي ومئات اعضاء قيادة "الاخوان المسلمين" الذين طرحوا من اعلى المناصب الى السجون مباشرة. وكذلك ايضا العشرون عاملا في قناة "الجزيرة" التي قُطع بثها في مصر، وحوكموا على التحريض والمس بأمن الدولة، وكذلك ايضا في الازمة في العلاقات بامارة قطر وبرئيس وزراء تركيا اردوغان الذي يحاول أن يخلص حماس في غزة من الحصار المصري بل مع حليفته القديمة الولايات المتحدة. ففي المقابلة الصحفية الوحيدة التي بذلها السيسي للاعلام الامريكي بعد أن استدعى الى القاهرة على عجل المراسلة الكبيرة لالي فايموت من صحيفة "واشنطن بوست"، لم يحجم عن جلد الرئيس اوباما قائلا: "الولايات المتحدة شريكة استراتيجية، ولم تكن قط بعيدة عما يحدث عندنا. قلت لمحادثيي الامريكيين إن عندنا مشكلة ونحن محتاجون الى نصيحتهم ودعمهم لكن اوباما أدار ظهره ولم يهاتفني حتى مرة واحدة ولن ننسى له ذلك".

منذ ايام السيسي الاولى في المجلس العسكري الاعلى بقيت وصمة سوداء حينما خرج ليسوغ "الفحص عن العذرية" الذي أجراه جنود وطبيب عسكري على 17 شابة تظاهرن في التحرير وحُملن بالقوة الى مركز اعتقال وجُردن من ملابسهن. وقد قعدت احداهن وهي سميرة ابراهيم أمام عدسة فيديو وسجلت شهادة محرجة على ما وقع في مركز الاعتقال. "دخلت عذراء وخرجت امرأة"، قالت في تنهد وأصرت على تقديم شكوى في الشرطة والمحاكم. وقال السيسي مصادقا: "اضطررنا الى التحقق من أن هؤلاء الفتيات اللاتي قضين اياما وليالي في التحرير هن عذراوات حقا. وأردنا أن ندافع عن انفسنا شكاوى الاغتصاب كي لا يحاولوا اتهام جنود الجيش". ولم تنس وسائل الاعلام الامريكية التي سارعت الى نشر تقارير شاملة عنه هذا الاسبوع تظهر سيرته الذاتية، لم تنس له هذه القضية ايضا.

يتحدث دبلوماسي اسرائيلي رفيع المستوى عن "جماعة ضغط لاجل السيسي" أدارها مبعوثون اسرائيليون في واشنطن وعن الجهد ليُبين للامريكيين أن "السيسي جيد لا لمصر وحدها". وحاول الاسرائيليون أن يبينوا أن "الديمقراطية باسلوب امريكي لا تنجح في دولة نصف مواطنيها الـ 90 مليونا أميون والاسلام المتطرف الخطر يتخذهم وسيلة".

ولم تساعد حملة الدعاية الاسرائيلية فاوباما ومستشاروه لم يكفوا عن توبيخ الفريق لعزله مرسي، ومطاردة الاخوان المسلمين وتصفية الحسابات القاسية. ولم تهدد واشنطن فقط بمعاقبة السيسي وجماعته على الانقلاب العسكري بل نفذت الانذارات فقطعت وعلقت المساعدة العسكرية، وقفزت الى الفراغ الذي نشأ السعودية وامارات الخليج التي أعلنت فورا مضاعفة مبالغ المساعدة لمصر. وقد اعترف مستشار الامن القومي السابق ستيفن هادلي هذا الاسبوع في المؤتمر السنوي لمعهد الدراسات الاستراتيجية بقوله: "يبدو أننا اخطأنا بشأن مصر والسيسي".

ولد عبد الفتاح حسين السيسي في تشرين الثاني 1954 في حي الجمالية المكتظ الذي تظهر أزقته المغبرة في روايات ثلاث كتبها الفائز بجائزة نوبل للأدب نجيب محفوظ. ويملك أبوه حسين حانوتا للتحف التذكارية في سوق خان الخليلي وخزانة مملوءة بكتب التاريخ، وله أختان واربعة اخوة – طبيب وقاض ورجل اعمال وضابط في الجيش المصري سار في طريق أخيه. وجميعهم يبتعدون عن مقابلات صحفية مع وسائل الاعلام بأمر من الأخ البكر.

حظي السيسي في أقل من سنتين باختصار مدة تاريخي في طريقه الى قصر الرئاسة، فقد عين أولا رئيسا لهيئة الاركان، وحصل في هذا الاسبوع على رتبة مشير من رئيس مصر المؤقت القاضي عدلي منصور، وصدر مع نهاية الجمع الاحتفالي اعلان من الجيش ايضا وأثير الترشح: "على إثر الاحداث العنيفة التي تصيب مصر واستجابة لارادة الشعب القوية، لن نستطيع إلا أن نوصي بترشيح المشير السيسي لرئاسة مصر".

وبحث توم فريدمان، المحلل في صحيفة "نيويورك تايمز" في ويكيبيديا فاستل قائمة الميداليات والأوسمة على الملابس العسكرية للرئيس المقبل في وقت يزعم فيه خصومه أنه لم يشارك قط في حروب ولم يجر معارك ميدانية. "لو أن السيسي خصص الأوسمة لمحاربين للقضاء على الجهل عند النساء، وانشاء مدارس للعلوم والتكنولوجيا ولبناء جهاز سياسي حقيقي في مصر"، يزعم فريدمان، "لأصبحت من مُقدريه".

تجند السيسي للجيش في 1977 في وقت قريب من زيارة الرئيس السادات التاريخية للقدس. وبعد أن درس في المعهد العسكري المصري وتقدم في المناصب الميدانية في سلاح المشاة والمدفعية أرسل لتلقي دورات عسكرية فخمة في الولايات المتحدة وبريطانيا. وهو متزوج وأب لثلاثة ابناء وبنت يخدمون في الجيش، وفي الشهر الماضي، في ظل الاشاعات عن خطته للترشح للرئاسة، تم في النادي الفخم لسلاح الجو في القاهرة حفل زفاف البنت آيات. وحضر هناك كل الأعيان في اجهزة الامن في حين تلقت وسائل الاعلام أمرا واضحا بالابتعاد. ونشرت وسائل اعلام مؤيدة للاخوان المسلمين صورا مختلقة لعروسين العروس منقبة وأصرت على اعلان أن هذا هو "عرس القرن".

إن معاملته لوسائل الاعلام مركبة فهو من جهة يعد بالديمقراطية وحرية التعبير الكاملة، وهو من جهة اخرى يطلب ملاءمته وادارة الحملة من اجله. ولا يمكن من جهة ثالثة أن نجد في الصحف المصرية تعبيرا حقيقيا شجاعا عن معسكر لا يتفق مع السلطة. بل إن نجم البرنامج الساخر السياسي ذي نسبة المشاهدة العالية باسم يوسف اختفى فجأة عن الشاشة بعد أن هاجم مرسي والسيسي، ويصر ويزعم أنه هو الذي أزال نفسه ويُقسم أن "السيسي لا يتعرض لي ألبتة"، لكن قليلين يصدقونه.

إرضاء الامريكيين

يشتغل اصحاب الطابعات المشحوذة بالطريقة التي ستدار بها المنافسة الى القصر ويحاول الجميع أن يحزروا "متى سيعلن آخر الامر؟"، بيد أن السيسي الى حين كتابة هذه السطور لم يخلع ملابسه العسكرية ولم يعلن بصوته وبصورة رسمية قاطعة على الاقل أنه ينافس في الرئاسة.

والى أن يحدث ذلك بقيت على حالها "مشكلة تقنية صغيرة": لأن كل من اعلنوا الترشح للرئاسة بعد ابعاد الاخوان المسلمين تقريبا، اصبحوا يهربون الآن من المنافسة. إن عمرو موسى وزير الخارجية والامين العام للجامعة العربية سابقا يعرف كيف يقرأ الخريطة. وقد كان في هذا الفيلم قبل سنتين وفشل. وخسر احمد شفيق آخر رئيس وزراء لمبارك الرئاسة لصالح مرسي وهرب الى دبي. وهو يدرك ايضا أنه لا أمل له في منافسة السيسي ومثله ايضا سليم العوا الاسلامي والجنرال مراد موافي رئيس المخابرات المصرية الذي ابعده الاسلاميون.

يحتاج السيسي من اجل المظهر الديمقراطي على الاقل وكي لا تغضب الادارة في واشنطن، يحتاج الى منافسين ينافسونه.

يبدو الامر الى الآن عبثيا، وتسارع الاسماء التي تطلق في الجو الى الانكار أو الى اعلان أن الامر يفحص عنه الى الآن. ويتابعون في اسرائيل باهتمام التطورات في مصر. فقد رتب اللواء افيف كوخافي رئيس أمان مصر في هذا الاسبوع في معسكر "الاتجاهات الايجابية" حينما حصر عنايته في الاغلاق الكامل تقريبا لمحور فيلادلفيا ولانفاق تهريب السلاح ومحاربة الارهاب العنيدة في سيناء.

ويؤكد خبراء محليون تعاونا استراتيجيا وثيقا لم يكن موجودا في فترة مبارك وفي سنة ولاية مرسي. فالمبعوثون يهبطون سرا في القاهرة ويحملون من الطائرة مباشرة الى مقر الاستخبارات لتأدية التقارير والاطلاع على آخر الاحداث ولتقدير الوضع. والسيسي غير غريب عنهم كما يشار اشارة خفية فقد تعلم الاسرائيليون أن يسموه "الجنرال الصامت"، وهذا دليل على ميل "الجنرال" الى الاصغاء في صبر والى الهضم والى بت الامر.

لكنه في الصعيد الرسمي ما زال يتكتم على العلاقات لانه لا يوجد سفير مصري في تل ابيب منذ ثلاث سنوات "بسبب الرأي العام المعادي لاسرائيل"، يبين محلل كبير.

ليس لفريق الدبلوماسيين الضئيل الذي أرسل من القدس مبنى مكاتب في القاهرة ولا يبدو أن الوضع سيتحسن في المستقبل القريب. "انتبهوا الى تغيير محدد جدا"، ينبه صحفي قديم من القاهرة. "منذ أصبح السيسي اقوى رجل في مصر لم يعودوا يشتغلون بكم، فقد اصبح لمصر أعداء جدد في العالم الاسلامي خاصة ويوجه السم في الاساس على الادارة الامريكية".

انشر عبر