شريط الأخبار

إسرائيل والغاز السوري واللبناني: هل تخلق روسيا «ميزان رعب» جديداً؟ ..حلمي موسى

12:56 - 29 آب / يناير 2014

ـ السفير ـ 29/1/2014

عندما أبرمت روسيا وسوريا اتفاقاً للتنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط قبل شهر لم تتردد أصداء واسعة لهذا الاتفاق، الذي تعامل البعض معه باستخفاف. ولكن الصورة تغيّرت مع ترسيخ النظام السوري أقدامه حتى في حرب بات الجميع يقرّ بأنها طويلة. ومن المؤكد أن هذا الأمر كان ولا يزال موضع اهتمام كبير من جانب إسرائيل، التي انتقلت من موقف القائل بأن النظام السوري لن يبقى أكثر من أسابيع، إلى موقف يجزم بأن بقاءه طويل، وهو أفضل من القوى الإسلامية المتطرفة التي تعمل على الحلول مكانه.

وفي هذا السياق، نشر الباحث في الشؤون الأمنية الإسرائيلية يوسي ميلمان في صحيفة «سوف شفوع» مقالة موسعة بعنوان «امبراطوريات الغاز: هل الشرق الأوسط يتجه نحو ميزان رعب جديد؟»، مشيراً إلى أن إسرائيل تؤمن أن «تطوير موارد الغاز في الشرق الأوسط قد يثقل على الاستثمار الكبير المخطط لحماية المنصات البحرية». واعتبر أن الاتفاق حول هذا دليل على أنه برغم كل شيء ليس هناك ما يمنع أن تسير الأمور كالمعتاد.

وقد منح الاتفاق السوري ـــ الروسي شركة «سيوزنفطاغاز»، التي يديرها وزير الطاقة الروسي الأسبق يوري شابرنيك، امتيازاً للتنقيب عن النفط والغاز في «بلوك 2» البحري السوري قبالة طرطوس لمدة 25 عاماً. وينتشر هذا الامتياز على مساحة ألفي كيلومتر مربع في منطقة يعتقد أنها تحوي مكمن غاز ونفط كبيراً يقدر حجمه بـ 2,5 مليار برميل، فضلاً عن تريليونات عديدة من الغاز الطبيعي.

وأوضح ميلمان أن تكلفة التنقيب الأولية تبلغ حوالي مئة مليون دولار ستتحملها شركة «سيوزنفطاغاز»، التي أنشئت فقط في العام 2000 بعد تعيين فلاديمير بوتين رئيساً للحكومة، وهي مملوكة للمصرف المركزي الروسي، وتعمل في روسيا والعراق وأوزبكستان وشمال أفريقيا وأستراليا.

وأشار ميلمان إلى أن الاتفاق مع هذه الشركة لم يثر حتى في إسرائيل اهتماماً خاصاً برغم أنه يتخطى الجوانب الاقتصادية العادية. فهذا، في نظره، اتفاق سياسي واستراتيجي يقصد به التلويح بأن حكومة بوتين تؤمن بمستقبل النظام السوري وستواصل مساعدته.

وتشرح المقالة واقع أن الروس منذ عقد من الزمان يتميّزون بتغليب مصالحهم الاقتصادية، خصوصاً في مجال الطاقة، في سياستهم الخارجية. وتملك الدولة مباشرة شركات النفط والغاز أو أن للكرملين نفوذاً كبيراً فيها. ومكانة روسيا كقوة عظمى في مناطق عدة من العالم صارت تتحقق عبر صفقات النفط والغاز. وربما لهذا السبب تحاول روسيا في السنوات الأخيرة إيجاد موطئ قدم لها في مكامن نفط وغاز أخرى في الشرق الأوسط. فبعد 20 كيلومتراً من «بلوك 2» السوري توجد المياه اللبنانية، حيث ستوزع الحكومة اللبنانية قريباً امتيازات التنقيب البحرية حتى الحدود مع إسرائيل. وتوجد ثلاث شركات روسية بين حوالي 20 شركة دولية تتنافس على الامتيازات اللبنانية.

ولكسب الامتياز اللبناني تشاركت «روسنفط» الروسية و«أكسون موبيل» الأميركية ما يثبت مرة أخرى أن التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو لا يعرقل صفقات دسمة. ويهتم الروس جداً أيضاً بالمياه القبرصية، وقد أنقذ الروس المصارف القبرصية من الانهيار في العام 2012، وهي التي تحوي عشرات مليارات الدولارات لكبار الرأسماليين الروس. وهذا عزز دور روسيا في قبرص، ولذلك لم يكن غريباً أن تفوز شركة «نوفتيك» الروسية بامتياز التنقيب عن الغاز في «بلوك 9» البحري القبرصي.

ولا تقفز روسيا في البحر المتوسط حتى عن إسرائيل، حيث حاولت شركة «غازبروم» الروسية منذ عقد ونصف، وحتى قبل اكتشاف حقلي «تمار» و«لفيتان» أن تجد لها موطئ قدم. وبرغم فشلها في إسرائيل إلا أنها لا تزال تحاول تنظيم شراكة إسرائيلية قبرصية لإنشاء محطة تسييل غاز في قبرص. وتريد روسيا بذلك تسويق الغاز الإسرائيلي عبر قبرص في أوروبا. وليس هناك أي اتفاق بهذا الشأن حتى الآن. ولكن وزير الطاقة الإسرائيلي سيلفان شالوم وقع قبل بضعة شهور على اتفاق تعاون في مجال الطاقة مع قبرص واليونان. وهذا لا يزال اتفاق إطار، ولكن إذا اتضحت جدواه الاقتصادية فهذا سيخلق مصالح مشتركة تغدو فيها روسيا المحور المركزي في التعاون الإقليمي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، و«حتى بين أعداء مثل سوريا، حزب الله وإسرائيل».

ويعتبر ميلمان أن الضلوع الروسي في تطوير موارد الغاز في الحوض الشرقي للبحر المتوسط يعزز فرص خلق «ميزان رعب» في مجال الطاقة بين إسرائيل و«حزب الله» وسوريا يحول، أو على الأقل يقلص، مخاطر استهداف منصات الغاز الإسرائيلية. ولاحظ أن الجيش الإسرائيلي وشركتي «نوبل إنرجي» و«ديلك» يقومون بحملة تخويف لإجبار الحكومة الإسرائيلية على استثمار مليارات في حماية خاصة لحقول الغاز.

وأشار ميلمان إلى أن حقول الغاز هي ذخر استراتيجي لإسرائيل، مثل كل البنى التحتية الأخرى، كالمطارات والموانئ ومحطات الطاقة. ولذلك فإن مسؤولية حماية هذه المنصات تقع على كاهل وزارة الدفاع. والحديث يدور عن ميزانيات بمليارات الدولارات خوفاً من هجمات عبر غواصين أو سفن أو طائرات سواء من جانب «حزب الله» أو سوريا أو تركيا. وهناك خطر الصواريخ الدقيقة، مثل «ياخونت»، التي تملكها سوريا وربما «حزب الله»، والقادرة على إصابة المنصات البحرية. كما أن صواريخ أرض - أرض من طراز «إم 600» الجيل الثالث، قادرة على إصابة المنصات بدقة 20 متراً.

وربما يجعل هذا مهمة حماية المنصات بوسائل تقليدية أمراً بالغ الصعوبة وربما مستحيلاً. ولذلك فإن تطوير سوريا ولبنان لحقولهما النفطية والغاز، يوفر فرصة لقواسم مشتركة وضمانة للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

انشر عبر