شريط الأخبار

اليوم خمر وغدا أمر.. علي عقلة عرسان

04:14 - 21 تشرين أول / يناير 2014

 

اليوم مونترو وغداً جنيف، عبارة قد يتردد في مسمعيك منها صدى عبارة امرء القيس بن حجر الكندي حيث قال:"اليوم خمر وغداً أمر"، فخمر الوهم في العبارة الأولى أفتك من كأس الخمر في العبارة الثانية، ذاك أنني، بكل أسف وحزن أرى، بعد متابعة تفاصيل بعض ما جرى، أنهما، مونترو وجنيف، لن تعودا على السوريين إلا بما عادت عبارة امرء القيس عليه، بعد توهم ونصَب، ومشقة الطريق وإرهاق المطية والرفيق.. فقد عاد من الفسطنطينية بوصمة الاستعانة على قومه بعدو قومه، وبخذلان شبه تام، ووعود هزيلة لم يبلغها، ومات في أنقرة ولم يصل إلى الوطن.؟! في للعجب من شاعر العرب، ويا ما أمرَّ وأصعب أن يفكر المرء على هذا النحو وهو بين دماء وأشلاء، بين مهجَّرين ونازحين، وجرحى ومعوقين، وأرامل وأيتام وأيامى وعوانس فوق خرائب وطن، وبين شعب يقتل نفسه، وبلدٍ يدمِّره حراسه وبُناته..!؟ وأياً كان الأمر والآمر، السبب والمسبب، الغاية والوسيلة.. فإن النتيجة المذهلة هي ما نقف عليه اليوم وقوف شعراء الجاهلية بالأمس على الأطلال، حيث لا يفيدنا كما لم يفدهم لا سكب الدمع، ولا تذكر من كان في الرَّبْع.. ولا ترديد القصيد:

يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلياءِ فَالسَنَدِ       أَقوَت وَطالَ عَلَيها سالِفُ الأَبَدِ

وَقَفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائِلُها       عَيَّت جَواباً وَما بِالرَبعِ مِن أَحَدِ

أَمسَت خَلاءً وَأَمسى أَهلُها اِحتَمَلوا   أَخنى عَلَيها الَّذي أَخنى عَلى لُبَدِ

فلا مونترو ولا جنيف يمكنهما أن تمنحا السوريين السلام والأمن، ولا حضور هذا الطرف وغياب ذاك وإحضار هذا وتغييب ذاك يمكن أن يحل المتأزم من الأزمات والمستعصي على الحل من المشكلات.. إنما تلك المواقع من العالم مواقيت وفرص ومراتع لدول لا يعنيها كم تعاني بلادنا وتتألم وتدفع من أثمان بمقدار ما يعنيها كم تكسب وتحقق من أهداف وتميل كفة الاستراتيجية لصالحها وليس لصالح منافسيها أو خصومها.. ولن يريح سورية وشعبها سوى السوريين أنفسهم، ولن يحققوا وقفاً للقتل والاقتتال ما لم  يستعيدوا الرشد بعد غيٍّ طال واستطال، وما لم ينتزعوا مصيرهم بأيديهم بقرار حر ممن يمسكون خيوط الدمى ويحركومها لتتحرك وتتعمشق على على شجر الوطنية باسم الحرية والكرامة ليقبض المعلوم ثمناً لكل لفظة وخطوة ولقمة وبزَّة وفرْش وفِراش وانتفاخٍ وانفلاش.. لقاء أرواح وعمران وسيادة ومؤسسات دفع الشعب السوري ما لا يُتَخيَّل لتكون ويكون.. وما لم يضع الشعب بالوعي والمسؤولية حداً للحب القتال والمحب القاتل الذي يرتدي قناع الحرص وهو التسلط بأوجاعه والمرض بأعراضه والمحو على خطة ونهج ليحل الفاسد محل الصالح والجاهل محل العالم والبعض محل الكل.. فإن سورية وشعبها ومصيرها وقرارها المستقل وحتى سيادتها ومستقبلها.. كل ذلك سيبقى في مهب الريح.

كل يدعي اليوم، وهو على أعتاب المؤتمر العتيد، إنه يريد الحل السياسي والسلام واستعادة الاستقرار، وكلٌ يتحسر على الشعب ويزعم أنه ضاق ذرعاً بما يجري.. ولكن المضمر غير المعلن، ومن يسمع ويقرأ ويتابع تفاصيل ما يجري ومن يتسرب مما هو خفي.. يدرك أن المؤتمرين لا يعنيهم إلا أن يفقأ كل فريق فقاعة الآخر، وأن تلك الفقاعة ليست النفخة ولا العين ولا القلب.. بل هي الوجود المتجلي مكابرة ومضابرة.. ويدرك بجلاء أن الطريق إلى الحل طويلة، وأن الاقتتال سيستمر سواء للقضاء على الإرهاب أو " لإسقاط النظام القائم"، فالكل ضد الكل ما زالت حالة دموية ومتأججة ومتدحرجة في سورية إلى أن تتشكل فيها حالة مغايرة كلياً وجذرياً للسائد، حالة يساهم في تشكلها أناس على درجة من المسؤولية والوعي والإحساس بمعاناة الناس، وكثيرون ممن نعنيهم موجودون في السلطة وخارجها على الأرض السورية التي تشهد المذابح والمقابر والمناحات وأشكال الترهيب والتعذيب، وهي حالة  تعلن أن الشعب فعلاً ضاق بكل ما يجري ودفع ثمناً أكثر من فادح للخلاص، وأنه يريد من كل الدمويين أن يتوقفوا عن ممارسة وحشيتهم ويلزموا حدودهم، وأن شعب قادر وحده على ايجاد الحل والبديل المناسب لكي يسلك البلد طريق السلم الأهلي والأمن الشامل وبداية الاستقرار واستعادة الذات والقرار والمسارات البناءة للمرافق الحياة الاجتماعية والسياسية والروح الوطنية.. والشعب في سورية ليس عقيماً ولا عاجزاً ولا قاصراً ولكنه مصاب بنوع من الشلل وما زال يقدم ولاءات لمن يبيعه ولمن يعده بحياة أفضل مما هو عليه من حياة.. وهذا وضع آن له أن ينتهي لأنه درس تعلمه الشعب بالدم والدمع والمال والهم والغم.

من خان وباع وقامر وتآمر واشترى بدم السوريين إقامة وجواز سفر ولقب مناضل لا يصلح لحمل مسؤولية الحكم، ولا لحمل الأمانة والقيادة والمحافظة على السيادة واستعادة الذات في سورية المجرَّحة بأيدي بنيها ومدعي الحرص على تحريرها من شعبها وساكنيها، حتى لو كان صادق النية وسليم الطوية ويريد أن يغير ماضيه ويغتسل مما فيه من إثم ودرن في نهر الوطنية والوطن، ذلك لأن رقبته وذاته وقراره ومفاتيح أمره وتدبيره بيد من استخدمه، ومن اشترى منه وباعه ما لا يجوز أن يُباع ويُشترى، ولأنه تاجرَ وقامر بشعب وتآمر مع من لا يملك أن يقول لهم لا.. وكذلك لا يصلح للحكم من قتل ودمر وخرب واستبد وظلم وأفسد واستباح الأرواح والكرامات والحقوق والحريات وخرَّب القيم وشوه العباد، تحت أي سبب وباسم أيٍ مكون وأيٍّ كان لأنه يفرق ولا يجمع، ولا يجمع عليه شعب يحتاج إلى جمع الصف والكلمة ومواقف وقرارات وخيارات تحتاج إلى الإجماع أو ما يقرب منه، وهو لا يصلح للإصلاح والبناء ورأب الصدوع واستعادة الحالة الاجتماعية السوية والحكم بالعدل بين كل الناس على أساس ثابت من مراعاة الديمقراطية ورأي الأكثرية باحترام تام من دون انحيازات وممارسات مرَضية مخفية بين الوجه والقناع، ولا يقوى على إعلاء شأن الحقوق الفردية والمصالح العامة والخاصة لأنه اعتاد على الاستهانة بها واختراقها بةسائل شتى.  

في الأيام الأخيرة، كما في سائر الأيام، تابعتُ " الخطاب" السياسي ـ الإعلامي المتفشي بين أطراف عدة في المعادلة السورية وفق الترتيبات والاستحقاقات " الجنيفية"، فوجدت من خلال بعض الأعراض أن الأمراض بقيت كما هي، ومن يدخل جنيف2 يدخلها على كيد ويحمل عدوى المرض الساري  الذي لا بد أن يصاب به الكثيرون ويفضي إلى تفشي المزيد من المرض.. فما زال المنطق الأعرج يحكم الفريق المعارض الذي استقوى بقرار جهات دولية فاستبد وانفرد بالتمثيل والقرار، فقرر المشاركة في مؤتمر جنيف2 بعد نصويت مهزوز الشرعية حسب بعض مصادره ووفق نظام الائتلاف وقراراته لا سيما بعد انسحاب 44 عضواً منه، حيث اتخذ القرار بأكثرية النصف زائد واحداً بدلاً من الثلثين بناء على قرار سابق. و نتيجة لتبني دول بعينها فريقاً معارضاً بعينه، استبعِد من المعارضات الأخرى من استبعد من شركاء في الحال والحل، وبعضهم جدير، حتى لا نقول أجدر، باسم المعارضة الصحية منه، وبحمل الهم الوطني بجدارة أكثر ممن رهن نفسه لأسيادٍ سيدهم الولايات المتحدة الأميركية المعروفة بعدائها لسورية ومناصرتها المطلقة إسرائيل.. وبذلك بقي صف المعارضة صفوفاً وخياراتها خيارات وصوتها أصواتاً، بل أصبحت الواحدة منها زرافات ووحدانا، وكل يغني موالاً سورياً على طريقته، ويدعي حب ليلاه، ويحمل في الوقت ذاته خنجراً مسموماً تحت ابطه ليقتل سواه، وبعضهم يتحزَّم بأحزمة ناسفة، على الصعيدين الميداني والسياسي، ليفجِّر نفسه فيقتل ويدمر.. ومن ثم ما زال الموقف يتردى في الضعف والقصور والتبعية المطلقة لصاحب القرار ولمن ينيبه عنه لإصدار الأمر، حتى لو كان ذلك المفوض سفيراً شريراً سُميّ السحنة مكشوف الأوراق مسكوناً بالحقد كالسفير الأميركي في سورية روبرت فورد: "مالك الأعنَّنة وماسك اللُّجُم، والموحي بالصهيل أو العويل، طويل الباع الذي ينطبق عليه وعلى من يملك أزمَّتهم ولُجمهم قولُ طرَفة بن العبد:

لَعَمرُكَ إِنَّ المَوتَ ما أَخطَأَ الفَتى   لَكَالطِوَلِ المُرخى وَثِنياهُ بِاليَدِ

في الجانب الآخر بقي خطاب الحرب على الإرهاب قائماً ومزركشاً بموافقة على وقف محدود لإطلاق النار، يرفضه في الفريق الآخر من يملك قراراً على الأرض ويطالب به من لا يملك القرار الفغلي فيها، وفي ثنايا الوقت تهب رياح التصريح أو يتسلل التلميح بمواقف تزيد الطين بلة، وترمي إلى الاستفزاز، طمعاً في تعطيل فرصة " جنيف 2" التي جعلها كل ذلك السعي السلبي فرصة محكومة بما يشبه الفشل".. الأمر الذي يشعرك بأن الأطراف السورية وغير السورية الموجودة على الأرض السورية تعمل على تدمير الفرص وجسور الثقة في الوقت الذي تنادي بذلك وتعلن أنها تلهث وراءه؟!

 وفي الإطار الدولي الراعي والمشرف والمشارك هناك مواقف.. وقد يكون ذلك من طبائع الأمور في الأزمات والمؤتمرات، ولكن عدم الاتفاق على ثوابت تتجلى في مواقف لن يساهم في جعل أطراف الأزمة المباشرين يخففون من غلوائهم.. وفي جانب من ذلك الإطار تكمن مشكلة دعوة إيران للمشاركة في المؤتمر قم سحب الدعوة لاحقاً، مما ينعكس توتراً في المواقف، وردّات فعل لأصحاب تأثير، حتى لا نقول أصحاب نفوذ على بعض أطراف الأزمة من المشاركين في حلها.. ويعيدنا ذلك إلى تذكّر قول إيران قبل اتخاذ القرارين، "الدعوة وسحبها"، إذ قالت:" إن الأميركيين سيندمون على عدم دعوتها للمشاركة في المؤتمر"، ولم تقل ذلك إلا لأنها تدرك أنها قادرة على فعل شيئ مؤثر إن سلباً وإن إيجاباً.؟!

 إن السوريين الذين يمكن أن يشكلوا بديلاً لكل ذلك البؤس والمعاناة البشرية والنفاق السياسي والاقتتال المجنون والوحشية المدمرة.. ويضعون حداً لكل أشكال التدخل الخارجي في شؤونهم، إن في الأزمة/الحرب أو في الحل السياسي والإصلاح المنشود والحكم الرشيد المُمجمع عليه من الشعب بنزاهة وموضوعية وصدق، مدعوون إلى النهوض برأي وموقف وصوت لكي يقولوا كلمتهم الفصل، ويعقدوا مؤتمراً سوري النبض والروح والمعنى والمحتوى والهدف، على الأرض السورية الموحلة بالدم والألم، يحل الأزمة، الحرب، ويقيم البديل " السلم والأمن والعدل"، ويختار القيادات التي تشرع في العمل الجاد الحكيم المسؤول الذي يحقن الدم ويوقف العنف ويهالج كل المشكلات والملفات العالقة منذ عقود من الزمن، ويبدأ الإعمار، وبلسمة الجراح، ووأد الفتنة واجتثاث أسبابها وأسباب العنف باستئصال الظلم وأنواع التمميز والمشاريع العرقية والطائفية والمذهبية، وإشاعة الحكمة واحترام الإنسان.. لتعود سورية لأمتها، ولتعود بأمتها إلى شيء من القوة والرؤية والمنعة ووحدة الهدف.. بعد كل ما رأينا ونرى من تبعية وتمزق، ومن لمسناه ونلمسه من نتائج للتشرذم والضعف على الأمة كلها، وعلى قضاياها المصيرية، لا سيما قضية فلسطين. وعلى عقيدتها ومقدساتها وهويتها ومصالحها العليا.

دمشق في 21/1/2014

 

 علي عقلة عرسان 

 

انشر عبر