شريط الأخبار

كيري هاذي ومنقطع عن الواقع والتاريخ

10:55 - 20 تشرين أول / يناير 2014

أطلس للدراسات

كشفت تصريحات يعلون عن هوس كيري ودوافعه المسيحانية نحو جائزة نوبل للسلام، وما رافقها من دعم ليكودي ليعلون ومحاولة المناورة والتهرب من الاعتذار عمّق أزمة المفاوضات من جهة، وشدة تطرف الحزب الحاكم (الليكود) وبقية الأحزاب المشكلة لائتلاف نتنياهو ومدى سيطرة لوبي الاستيطان وأيديولوجية غوش ايمونيم والترانسفير على صانعي القرار السياسي الإسرائيلي، الذي يعتبر انعكاس لحالة العنصرية والتطرف للكل الإسرائيلي.

سبقت هذه الأقوال ليعلون تصريحات علنية كثيرة ضد المفاوضات، وضد المقترحات التي يقال ان كيري يدرسها سواء ما يتعلق بها بجوانب الترتيبات الأمنية أو الانسحاب وتفكيك بعض المستوطنات وضم معظمها الآخر لإسرائيل، وأعرب أكثر من مرة عن عدم ثقته بالسلطة وأجهزتها الأمنية، وفي محفل لرجال الأعمال أعلن أنه يفضل المقاطعة وتراجع اسرائيل الاقتصادي على قصف مطار بن غوريون، في إشارة إلى أن أي انسحاب سيحول الضفة إلى سيطرة "تنظيمات الارهاب التي سيكون المطار تحت مرمى صواريخها"، لكن ما جعل من تصريحات يعلون هذه المرة قضية نقاش هامة في إسرائيل وأمريكا معاً هو ما احتوته من هجوم على شخص وزير الخارجية كيري.

ويبدو حقاً أن كيري ورجاله ساذجون وهاذون، لأنه لم ينتبه لحقيقتين أساسيتين: الأولى أن الفلسطينيين لن يقبلوا بما هو أقل من ثوابتهم وأن ضعف القيادة الفلسطينية ورغم أزماتها وقابليتها للابتزاز والضغط هي أضعف من قبول أي تنازلات جديدة، وهى إن قبلت فهي لا تستطيع تمريرها، أما الحقيقة الثانية والأكثر أهمية هي في المواقف الاسرائيلية التي يتعمد كيري تجاهلها لأسباب غير معروفة محاولاً أن ينشر آمالاً وتفاؤلاً يوحي وكأننا على أبواب توقيع اتفاق أو التوصل لتفاهم، وهو ما يجتهد  كيري ورجاله على تسريبه وبثه، فيكفيه أن يسأل سفيره في تل أبيب دان شابيرو، الذي يجيد العبرية ويقرأ صحفهم يومياً وعلى إطلاع جيد بما يدور في الأحزاب والأروقة السياسية الإسرائيلية، يكفي أن يستوضح منه عن توجهات نتنياهو السياسية، وعن قدراته داخل حزبه الذي بات يفقد كل سيطرة جدية عليه لصالح صقور متطرفون يتنافسون على خلافته عندما يحين الوقت.

كما أن كل محاولة لإظهار نتنياهو على أنه يريد أن يمضي قدماً بالمفاوضات لكنه مطوق ورهينة بأيدي المتطرفين هي محاولات تجافي الحقيقة، وليس هدفها سوى تسويق نتنياهو وتخفيف الضغط الأمريكي (المخفف أصلاً) عليه مراعاة للمعارضة القوية ضده، فنتنياهو يعتبر زعيم التيار المركزي للمستوطنين، وهو مؤخراً أعلن تمسكه بكتلة خامسة تضاف للكتل الاستيطانية الأربعة التي اعتادت الحكومات الاسرائيلية على المطالبة لضمها لإسرائيل؛ وهي كتلة (بيت إيل) بالإضافة لجزء من مدينة الخليل، ويتبنى لاءات وشروط تجعل السلام حسب نتنياهو تخليداً للاحتلال واستسلام للقوة والأمر الواقع، علاوة على أنه شخصياً لم يستنكر أقوال يعلون كبقية وزراء حزبه، بل ولم يطالبه بالاعتذار المبهم إلا بعد أن وصلت الأزمة إلى حالة من التصعيد الاعلامي شارك فيها الناطق باسم البيت الأبيض، وهناك من يقول من المحللين الاسرائيليين أن الصوت كان صوت يعلون بينما الأقوال والأفكار لنتنياهو.

نائب وزير الخارجية اكونيس يقول أن أحداً في الليكود لا يختلف مع مضمون تصريحات يعلون، وعندما يسأل عن هدف المفاوضات يقول أن هدفها يكمن في التأكيد على حقنا التاريخي والديني في هذه الأرض، والمحافظة على أمن الإسرائيليين، ومعالجة قضايا الديمغرافيا والجغرافيا، إقراراً بحقيقة وجود مليوني فلسطيني لا نريد السيطرة عليهم ومنحهم السلطة في إدارة حياتهم بأنفسهم، وهذا ما يطلق عليه رئيس حزب (يش عتيد) لبيد بالطلاق من الفلسطينيين، وليبرمان بدوره يضيف نكهة وجانب عنصري آخر لهذا الطلاق، فإنه حسب وجهة نظره لابد من هذا الطلاق لعوامل الديمغرافيا، فلا أن يكون طلاقاً بالجملة بالتخلص من أكبر قدر من الفلسطينيين يمكن التخلص منهم، فهو يشترط للموافقة على خطة كيري أن تتضمن ضم منطقة المثلث (من أراضي الـ48) بسكانها لأراضي السلطة، أي ترانسفير يخلصهم من قرابة مائتي ألف فلسطيني لضمان نسبة أعلى من النقاء العرقي لدولته اليهودية.

والحالة هذه فإن السلام بالمفهوم الاسرائيلي أي كان هذا الاسرائيلي مستوطن أم ليكودي أو ليبرماني عنصري أو حتى من أدعياء الليبرالية والعقلانية السياسية كجماعة لبيد يجب أن يخدم هدف تعزيز الأمن الإسرائيلي، والتخلص من أكبر قدر من الفلسطينيين، والاحتفاظ بما يشتهون من أراضي الضفة مع بقاء السيطرة، وليس للفلسطينيين إلا إدارة حياتهم البائسة تحت وصاية وسيطرة الاحتلال، وهو ما يمكن أن يسمى بإعادة انتشار الاحتلال.

فهل يسعى كيري لجعل هذا الانتشار أكثر سعة ورحابة وأكثر بريقاً عبر منح الفلسطينيين الكثير من الرموز عناصر السيادة الشكلية، وإغراقهم بالكثير من أوهام استنساخ اقتصاد سنغافوري، يبدو أن يعلون محق؛ فكيري ليس مجرد هاذي، بل ومنقطع عن الواقع والتاريخ، فحري به أن يحزم حقائبه ويغادر دون رجعة، وحتماً سيكون حالنا أفضل كثيراً.

انشر عبر