شريط الأخبار

خبرة الثورتين في تونس ومصر .. فهمي هويدي

09:48 - 15 حزيران / يناير 2014

في كتاب الربيع العربي استفادت مصر من خبرة تونس فيما يجب أن تفعله، واستفادت تونس من خبرة مصر فيما يجب أن تتجنبه.

 

(1)

 

لا يجادل أحد في أن الثورة التونسية في «14 يناير» 2011 كانت ملهمة وكاشفة بالنسبة للمصريين، إذ لم تفتح أعينهم على فكرة الثورة فحسب، وإنما كشفت لهم عن أن نظام الاستبداد أضعف مما يظن كثيرون وأن قوة الشعوب فوق ما يتصورون. وهو التفاعل الذي فتح الباب لتبادل خبرات المقاومة بين الشباب التونسي وبين نظرائهم المصريين خلال ثورة «25 يناير» التي استمرت 17 يوماً. وقد شاءت المقادير أن يقرر التونسيون الانتهاء من وضع دستورهم في الذكرى الثالثة لانطلاق ثورتهم (أمس 14 يناير) وأن يتزامن ذلك مع استفتاء المصريين على دستور جديد في اليوم ذاته. إلا أن تلك مصادفة لا توحي بأي تماثل أو دلالة. ذلك أن دستورهم صادر عن مجلس تأسيسي منتخب من الشعب، أما دستورنا فقد أعدته لجنة مختارة من السلطة، ثم ان دستورهم يرى النور في ظل وفاق وطني نسبي تحقق من خلال حوار القوى السياسية. أما الدستور المصري فإنه أعد في أجواء استقطاب حاد تقطعت في ظله سبل الحوار وتقدم فيه الأمن على السياسة.

استطراداً، وفى سياق المقارنة لا نستطيع أن نتجاهل عنصراً مهماً ميَّز الثورة التونسية وأثر على مسارها، ذلك ان الجيش وقف على الحياد إزاءها منذ لحظاتها الأولى، الأمر الذي ترك الساحة بالكامل للسياسيين، الذين مارسوا في فضائها صراعاتهم وتجاذباتهم، التي لم تخل من شراسة وحدة في أغلب الأحوال، لكنها ظلت على أرضية السياسة وتحت سقفها.

 

(2)

 

في الخلفية لا يفوت الباحث أن يلاحظ أن الخريطة السياسية التونسية التي تشكلت منذ الاستقلال في عام 1956 ارتكزت على عناصر عدة من بينها إضعاف الهوية الدينية للمجتمع الذي تمثل في تقليص ومحاصرة دور «الزيتونة»، الجامع والجامعة الذي ينافس الأزهر في العراقة والريادة التنويرية. ثمة عنصر آخر تمثل في ملاحقة وإقصاء الإسلام السياسي الذي كانت «حركة النهضة» رمزاً له (تشكلت عملياً في سنة 1980)، خصوصاً ان الحركة خرجت من عباءة «الزيتونة» وكانت معبرة عن التدين الوسطي الذي تبنته، وأغلب الظن أن ذلك الموقف من مخلفات مرحلة الاحتلال الفرنسي الذي دام 75 عاماً، وكانت له تأثيراته الثقافية المتعددة، التي من بينها الانحياز إلى الفكر العلماني المخاصم للدين، بخلاف العلمانية البريطانية المتصالحة مع الدين. أياً كان الأمر فإن استمرار تلك السياسة الإقصائية، طوال عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي، أحدثت فراغاً في الساحة التونسية تصدى لملئه وتمددت فيه التيارات الأخرى.

لم يكن النظام المستبد طارداً لقادة «حركة النهضة» فقط، لكنه أيضا كان طارداً للعديد من الشخصيات الوطنية، وهؤلاء وهؤلاء استقروا في بعض الدول الأوروبية (فرنسا وإنكلترا بوجه أخص). ومما أنجزوه في تلك المرحلة أنهم اتفقوا على صيغة للحوار والتفاهم فيما بينهم، في إطار ما سمي «لجنة 18 أكتوبر» للحقوق والحريات في العام 2006، التي ضمت ممثلين لـ«النهضة» وبعض الشخصيات الوطنية. هذا الفريق استطاع أن يشكل رؤية مشتركة حول عدد من القضايا الخلافية. وأصدروا في العام 2009 وثائق مكتوبة تضمنت رؤيتهم لثلاثة ملفات هي: العلاقة بين الدين والدولة ــ حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين ــ حرية الضمير والمعتقد.

 

(3)

 

حين أجريت في «23 أكتوبر» 2011 أول انتخابات نزيهة في تاريخ تونس لعضوية المجلس التأسيسي، جاءت النتائج مفاجئة للجميع، فقد نجحت أحزاب الاعتدال باكتساح، في حين ان سقوط حركات التطرف كان مدوياً. إذ حازت «حركة النهضة» على أعلى نسبة من المقاعد (90 مقعداً من أصل 217) وحصدت أحزاب الاعتدال المقاعد التالية: «حزب المؤتمر» الذي يقوده الدكتور منصف المرزوقي 30 مقعداً ــ «حزب التكتل» الذي يترأسه الدكتور مصطفى بن جعفر 21 مقعداً ــ «العريضة الشعبية» 19 مقعداًــ «الحزب الديموقراطي التقدمي» 17 مقعداً.

المفارقة ان المجموعات العلمانية واليسارية التي ظلت مهيمنة على الفضاء السياسي والإعلامي التونسي طوال العقود التي خلت لم تتجاوز حصد أي منها من المقاعد عدد أصابع اليد الواحدة. وهي ذاتها التي ملأت الشارع صخباً وضجيجاً أثناء اجتماعات المجلس التأسيسي.

تصرفت «حركة النهضة بمسؤولية» في ترتيب الوضع بعد الانتخابات. فرغم أنها تتمتع بأغلبية مريحة في المجلس، إلا أنها قررت ألا تنفرد بإدارة الدولة، وحرصت على أن تعمل في إطار فريق أطلق عليه «الترويكا». فتولى رئيس «حزب المؤتمر» رئاسة الدولة، ورشح رئيس «حزب التكتل» لرئاسة المجلس التأسيسي وتولى الأمين العام لـ«حركة النهضة» رئاسة الحكومة. وتعد هذه من أبرز العوامل التي ميزت الأداء السياسي لـ«حركة النهضة»، الذي جاء مختلفاً عن أداء حركة «الإخوان» حين تولت السلطة في مصر. وفي سياق المقارنة أيضاً نلاحظ أن صيغة «الترويكا» التونسية عبرت عن مفارقة أخرى. ذلك في حين أن «حركة النهضة» عقدت ما يشبه التحالف السياسي مع حزبين معتدلين أحدهما له صبغة ليبرالية أو علمانية والثاني له ميول يسارية. فإن «الإخوان» في مصر اعتمدوا في تحالفهم على فصائل التيار الإسلامي والسلفيين في مقدمتهم. وصار التحالف الأول رافعة للحكم في حين أن الثاني صار عبئاً عليه. ليس ذلك فحسب، وإنما احتفظت «حركة النهضة» بمسافة إزاء السلفيين، وانتقدتهم ثم دخلت في مواجهة مع جناح العنف فيهم (أنصار الشريعة مثلا) واعتبرتهم مجموعة إرهابية بعد الاشتباكات المسلحة التي وقعت معهم.

 

(4)

 

ما يحدث في كل مراحل الانتقال التي تعقب الثورات جرى في تونس، خصوصاً تعثر الأداء جراء حداثة العهد بالتجربة وتوقف النمو الاقتصادي، مع شيوع الانفلات الأمني. الأمر الذي لا يلبي توقعات المواطنين وتمنياتهم، وهي الأجواء التي استثمرتها جماعات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي لم تنجح في الانتخابات وفى مقدمتها «الاتحاد العام للشغل». وانضم إلى هؤلاء وهؤلاء بقايا النظام القديم والقوى التي استفادت منه. واختارت قوى الرفض والاحتجاج ان تواجه «الترويكا» من خلال الإضرابات والتظاهرات والاعتصامات. ولعبت وسائل الإعلام دوراً مهماً في ذلك، وهي التي تهيمن على أغلبها القوى التقليدية ورجال الأعمال من أثرياء النظام القديم.

يذكر في هذا الصدد أنه خلال أول سنتين من عمر الثورة صدر أكثر من عشرين صحيفة جديدة وتأسست ست قنوات تلفزيونية خاصة وسبع محطات إذاعية. وهذه المنابر كلها تحولت إلى أدوات في التجاذب والصراع السياسي.

 

(5)

 

حين تم اغتيال شكري بلعيد، أحد المعارضين البارزين في بداية العام 2013، خرجت التظاهرات الاحتجاجية فتمت الإطاحة بأول حكومة منتخبة، وتراجعت «حركة النهضة» خطوة إلى الخلف حين تنازلت عن وزارات السيادة للمستقلين، وحين وقع اغتيال معارض آخر هو محمد البراهمي في الشهر السابع من العام ذاته، تجددت تظاهرات الغضب وطالب البعض بحل المجلس التأسيسي وشطب المسار الديموقراطي، قبلت الحركة بالتخلي عن الحكومة بأسرها رغم أنها مدعومة من البرلمان. وقبلت بتشكيل حكومة تكنوقراط يشكلها خبراء مستقلون يشرفون على إجراء الانتخابات القادمة، ومن ثم فإن «النهضة» صاحبة الأغلبية والشريك الأكبر خرجت من الحكومة في حين بقي شريكاها في رئاسة الدولة ورئاسة المجلس التأسيسي، ولإنجاز تلك الخطوة والاتفاق على رئيس الحكومة دخلت النهضة في حوارات استمرت شهرين مع الرباعية التي مثلت المجتمع المدني (اتحاد الشغل ــ اتحاد الصناعة والتجارة ــ نقابة المحامين ــ رابطة حقوق الإنسان). المرونة التي مارستها قيادة «النهضة» في إدارة الدولة تبنتها أيضاً في مناقشات الدستور الجديد داخل المجلس التأسيسي. إذ قبلت باستبعاد النص على أن الشريعة مصدر أساسي للقانون، وبرر ذلك الشيخ راشد الغنوشي رئيس الحركة بقوله إن الشريعة تفرقنا والإسلام يجمعنا، ونحن مع الإجماع وليس الفرقة. وبنفس المنطق الحريص على التوافق جرى تمرير النصوص المتعلقة بدور النساء ومساواتهن بالرجال في الحقوق والواجبات، وتلك المتعلقة بحرية الاعتقاد والضمير... الخ.

هذه المواقف التي عبرت عن التمسك بالتوافق والمرونة جاءت تجسيداً لسعة الأفق والانحياز إلى إعلاء مصلحة الوطن وتقديمها على مصلحة الحركة، في الوقت ذاته، فإنها استلهمت دروس النموذج المصري وتجنبت الوقوع في أخطاء «الإخوان».

إن النجاح الذي حققته حركة النهضة في تطبيق ما يمكن أن نسميه فقه أو فن التنازل يستدعي سؤالا يستحق أن نفكر فيه مليَّاً في مصر هو: ما هي حدود التنازل الممكنة التي يتعين القبول بها للحفاظ على الثورة ولأجل استعادة المسار الديموقراطي؟ ذلك ان الإقدام إذا كان يحتاج إلى شجاعة، فإن الأمر أكثر دقة حين يتعلق بالتنازل لأنه لكي يحقق المصلحة العليا المرجوة يتعين ان تمتزج الشجاعة فيه بقدر معتبر من الحكمة، كي لا يصبح التنازل تطوعاً بالانتحار. وتلك معادلة صعبة تلعب الأجواء المحيطة دوراً في تعقيدها أو تيسيرها.

انشر عبر