شريط الأخبار

كيف نثق بمن لا يؤتمن..؟!.. علي عقلة عرسان

07:38 - 14 تموز / يناير 2014

بقلم - علي عقلة عرسان

 

كل الإشارات الصادرة من مواقع عالمية وعربية عديدة، وأكثرها من باريس فضلاً عن قرطبة واستانبول، تشير بثقة إلى انعقاد مؤتمر جنيف2 في الثاني والعشرين من شهر كانون/ يناير 2014، بمشاركة وفد موحد يمثل المعارضات السورية، وهو أمر أنجزه أصدقاؤها بعد لأي وجهود ووعود قدموها لها في مؤتمري لندن وباريس على الخصوص.. والإشارات ذاتها تلمِّح إلى ما يشي بتفاؤل، من مثل مد جسر ثقة يُبنى على ما قاله الوزير حون كيري على الخصوص، حيث أطلق حمامات بيضاء من فضاء باريس إلى المنطقة عبر المتوسط، موحياً بإمكانية إنجاز بعض الخطوات الإيجابية على أعتاب مونترو السويسرية، مكان انعقاد الجولة الأولى للمؤتمر قبل العودة إلى جنيف، ومما أطلقه كيري على أجنحة الحمام، بتوافق على ما يبدو مه لافروف: وقف إطلاق النار في بعض المواقع السورية وعلى رأسها حلب، وفتح ممرات إنسانية لتأمين الغذاء والدواء لا سيما في الغوطة الشرقية أولاً، وإطلاق سراح بعض المعتقلات والمعتقلين في الجانبين الرسمي والمعارض المسلح.. وكل ذلك بموافقة الدولة السورية ممثلة بالحكومة التي قيل إنها أعطت موسكو موافقة على شيء من ذلك.. وهذا كله حسٌ ويبعث على الأمل.. أما تعهدات أو وعود الوزير فابيوس فهي مما يحلم به ويدمنه مما يرجح السلبيات، ومما يعزفه دوماً من ألحان بائسة على أوتار آلته الفرنسية " المدوزنة" إسرائيلياًـ صهيونياً، بحكم أصوله وجذوره اليهودية وحقيقته الصهيونية ـ الاستعمارية ـ العنصرية العميقة، ودوره وعمله مع من هم خلفه من أمثال "صديق الشعب السوري" الألد " هنري ليفي وجوقه بمن فيه من السوريين.. وتلك بضاعة مستعملة " سكند هاند" تأتي بعد قيام الـC.I.A والموساد بتصنيعها والترويج لها، ولطالما عزف الوزير فابيوس على أوتار لا تستسيغها الأذن الوطنية الأصيلة للشعب السوري، وهي أذن سماعة للألحان المنعشة للروح في الوطن المنكوب ببعض أبنائه من الساسة وأشباه الساسة وهواة السياسة والمرتزقة من كل صنف ولون، الجوالين في ميادين المعارضات المسلحة وغير المسلحة و" الثورات؟!" العالمية والمحلية، مع التحفظ شديد على كلمة ثورة"، ومزارع الربيع الأميركي المستنبت في أرض عربية، وفصل من فصول الفوضى المدمرة المصدرة أميركياً لبلدان وشعوب، ثورات ملونة باسم الحرية والديمقراطية، وما هي إلا وصفة للخراب والتبعية والشقاء والإشقاء، تدفع الشعوب ثمنها دماً وفوضى، ويعود ريعها الحقيقي للأميركي البشع الجشع نفعها على حلفائه المقربين.

يتكلم كثيرون عن تحول في الموقف من الرئيس بشار الأسد ومن مستقبله في سورية بعد جنيف2، ويرجح مراقبون بأن الكفة الغربية رجحت أو أنها سترجح في هذا الاتجاه، وأن هناك تناغم خفي حول ذلك، وسورية الدولة تقول إن هذا شأن يحسمه السوريون ولا يقرره أحد سواهم.. وقد كان هذا أحد شروط المعارضات لحضور المؤتمر وأصبح الآن وعداً أو تعهداً لها من أصدقائها، لأن مبدأ حضور المؤنمر من دون شروط مسبقة هو الذي أقرته الجهات المعنية بانهقاده: " روسيا والولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة"، وهو الذي ساد في نهاية المطاف.. والكلام في هذا الموضوع يندرج في أبواب تشجيع المعارضات على الحضور، لا سيما الائتلاف ليتخذ قراره بهذا الشأن في السابع عشر من الشهر الجاري في استانبول، ودعماً لموقف الآخذين بمبدأ المشاركة من جهة ويؤخذ على أنه استباق لجنيف2 ووضع عُصي في عجلات عربته تمنعها من الحركة من جهة أخرى.. لكن هذا كله كلام للاستهلاك السياسي والإعلامي ومما يدخل، هو وسواه مما هو على شاكلته، في باب الحرب النفسية في مثل هذه الأحوال، كما أن محاولة تحديد هدف المؤتمر من أطراف داخلة فيه تصب في هذا الاتجاه نفسه، فمرجعية المؤتمر معروفة وهي جنيف1 وما اتصل بذلك مما اتفق عليه رسمياً بين الأطراف المعنية مباشرة بالمؤتمر، ومن أبرز ما يهدف إليه جنيف 2 وكرر الإشارة إليه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وهو: "تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة باتفاق طرفي الحوار/ التفاوض السوريين"، تنفذ ما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين الرئيسين، بمساعدة الأطراف الدولية المعنية.. وكل ما هو غير ذلك يبقى مما يُخْرَص به أو يُشاع ويهدف إلى تكوين رأي عام للتأثير السياسي والنفسي في طرفي النزاع، وسيظل هذا في الهوامش التي تكتب على متون المؤتمر إلى أن يصل إلى قراراته النهائية. لن يكون جنيف2 مؤتمراً للإرهاب ولا لمحاربة الإرهاب، فهذا الأمر شبه محسوم من قبل معظم الأطراف المعنية مباشرة في المؤتمر، لأن تمثيل ما صنف إرهاباً من أطراف الصراع الدامي غير موجود في المؤتمر بصورة مباشرة على الأقل ولأن كل من في المؤتمر من مشاركين أصلاء وغير أصلاء سيقول إنه ضد الإرهاب ولن يجهر بغير ذلك..، أما الذين يمولون الإرهاب ويرعونه ويستثمرون فيه فلن يقفوا ضده فعلياً ولن يعلنوا أنهم معه علناً، وسوف يستمر ويستمر استثمارهم فيه.. ومن يتضرر من الإرهاب ويريد القضاء عليه عملياً يخوض عمار ذلك.. وفي سورية خطة معقدة لها أبعد من هدف وأكثر من مسار، تنفذ على الأرض بتصميم وتتلخص حرب الكل على الكل، لكي يُقضى على "إرهاب" وبقضى على المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني ومن يدعمها ومن يكوم ذلك أحد خياراته، ويقضى على قوة الجيش العربي السوري، وتعاد سورية عقوداً وعقوداً من الزمن إلى الخلف وتتلهى بجراحها وبإعادة البناء بعد استكمال التدمير، تبقى أسيرة ظروفها وما غُرس فيها من غرس الشر بيد من لا يصنعون سوى الشر.. ولكي تبقى الدول والمجتمعات العربية والإسلامية مسكونة بهاجس الفتنية: الطائفية والمذهبية " السنية ـ الشيعية" والعرقية..إلخ، وفي هذا مصلحة عليا لإسرائيل وللولايات المتحدة الأميركية، وفيه بعض المصالح الفرعية المتصلة بالإرهاب والإسلام والمصالح الاستراتيجية لمعظم، إن لم نقل لكل/ الدول المشاركة عدا العربية التي تدفع التكاليف وتحمل الوزر.

إن الفجوة بدأت تضيق حول موضوع الحل السياسي كمدخل وحيد لحل الأزمة/ الكارثة في سورية، وتبقى أمور متصلة مؤثرة منها حضور طرف هو إيران، فمن جانب المعارضات أو بعضها "إيران طرف في الحرب وجزء من المشكلة"، ومن جانب الدولة السورية هي حيف استراتيجي وحضور مهم وضروري.. وإيران تقول: "إنها ترغب في المشاركة في مؤتمر جنيف2 وهي مستعدة للحضور والعمل الإيجابي إذا ما دعيت رسمياً ومن دون شروط"، ويقول الروس والأمم المتحدة وآخرون بأن حضورها مفيد ويساعد على الحل، ويذهب بعضهم إلى أنه ضروري بل أساسي.. بينما يأخذ الأميركيون والغربيون برأي الائتلاف وبعض الدول العربية بعدم حضورها، وهي تكرر استعدادها للحضور إذا دعيت، وقد بدأت مرحلة تعد تطوراً إذا قيست على سابقاتها في هذا الموضوع، لا سيما بعد الاتفاق المرحلي الغربي ـ الإيراني حول الملف النووي الإيراني، حيث أخذ الأميركيون يشترطون موافقتها على جنيف1 وعلى حكم انتقالي في سورية، ويضيف الفرنسيون عليه ألا دور للرئيس الأسد فيه.. إيران تقول إن الأميركيين سيندمون على عدم دعوتها لأنها تعرف وتدرك أن بيدها بعض مفاتيح الحل وأنها يمكن أن تعرقل إذا أرادت، وأن التحالف القوي بين سورية وإيران يجعلها فب موقع مؤثر.. ولم أتبين بعد وجه الحكمة في عدم استخدام أحد مفاتيح الحل إذا كنا نريده فعلاً، فلا مكان للتشنج في موضع الوصول إلى الهدف الأسمى.. وهو الاتفاق المؤدي إلى وقف الحرب واستتباب الأمن وقيام السلم على ساقين قويتين في سورية والمنطقة، ومن ثم وضع حد للفتنة المذهبية المتفاقمة على تحوٍ ما، وهي " سنية ـ شيعية" وإيران طرف رئيس لا سيما في ذلك الموضوع الأخير؟! وإذا كانت إيران من المحاربين في الساحة السورية ولذا يُرفض حضورها، فالاجتماع في مؤتمر جنيف 2 هو أساساً للمتحاربين من أجل وقف القتال والاقتتال؟!.

إن هذا الحضور أو عدمه على كل حال لن يحول دون انعقاد المؤتمر، ولكن حرباً ما تستمر في سورية على الرغم من انعقاده، وهي لن تتوقف ولا يُراد لها أن تتوقف، وأطرافها معروفة، وكل طرف من تلك الأطراف مستهدَف ويستهدف أطرافاً أخرى.. وهي حرب ذات مسميات وصفات منها: " الحرب على الإرهاب، الحرب من أجل دولة إسلامية، حرب الجهاديين على الجيش الحر وحربه عليهم، حرب المعتدلين ضد المتطرفين، حرب داعش على الحر والنصرة، وحرب كل أولئك على الجيش العربي السوري وحربه عليهم.. إلخ".. وكل هذا يؤدي إلى مضاعفاته ويفرز مشكلاته وأزماته ويترك عقايله، وينتج أحقاده وأمراءه وشخوصه، ويؤدي دوره المدمر للجميع، ويلحق الأذى الكبير بالعروبة والإسلام على بوجه خاص، وبالإنسان وقيمها بوجه عام.

نحن نريد حقن الدم ووقف الحرب وانكفاء العنف ووضع حد للحقد والوحشية والفتنة والشر الذي لا ينتج إلا الشر.. نحن نريد الحل السياسي الذي يجمع العالم اليوم على أنه لا يوجد للأزمة/الحرب المهلكة في سورية حل سواه، لأن الحسم العسكري غير ممكن فضلاً عن أنه مكلف بشرياً ومادياً واجتماعياً وروحياً إلى أبعد الحدود، وينذر بانتشار النار في هشيم المنطقة كلها، وقد كلف سورية والسوريين على الخصوص، خلال المدة الماضية، ما لا يمكن احتمال المزيد عليه.. نحن نريد وقف إطلاق النار وتحويل وجهة السلاح إلى حيث العدو التاريخي المحتل للأرض، نريد الحرية والكرامة ولا حرية ولا كرامة مع وجود الاحتلال الصهيوني الذي هو انتهاك للسيادة والكرامة، نريد التحرير والمقاومة والجهاد الذي يستحق اسمه بجدارة ما بعدها جدارة، ونريد ألا يستمر سيل الدم وتراكم الحقد وتفقيس بؤر التوتر التي تنذر الشعب والوطن بالتشرذم، ونريد الآن الآن أن يتوقف الموت الدمار والتخريب والتحريض على الفتنة، وأن تنتهي الفظاعات والوحشية التي أخذت تظهر في ممارسات تندّ عن بشر لا يمكن أن يحسبوا في عداد البشر، من حيث السلوك والتصرف بتطرف وإعطاء الظهر لكل ما هو عقلاني وإيماني وإنساني، فضلاً عما هو ديني حقيقي ووطني وقومي في العمق المفهومي والتطبيقي.. ونريد ألا يبقى حصار ولا جوع ولا مرض ولا سوريون على أبواب الناس ولا اعتقال ولا معتقلات ولا سجون ولا جراح ولا دموع ولا إرهاب ولا ممارسات تجر العار وتحرم الإنسان من الشعور بإنسانيته في وطنه.. ونريد أن يتوقف تجار السياسة والثورات والمعارضات والسلطات عن بيعنا في كل سوق وإهدار دمنا وكرامتنا في كل وقت.. وأن نلتقي أناساً محترمين آمنين في رحاب وطننا التاريخي، سورية الحبيبة، إخوة متحابين متعاونين على الضراء وفي السراء.. ونريد ونريد ونريد.. ولكن كيف السبيل إلى تحقيق بعض ما نريد ونحن بين مطرقة الموت وسندان العذاب وتتساقط على حمم وبلطات إرهاب؟! وكيف نثق بأن عدونا الألد يمكن أن يوصلنا إلى ذلك الذي نريد أو أن يتركنا نصل إليه ونحن بلا إرادة موحدة أو كلمة جامعة أو رؤية سديدة وسياسة رشيدة؟!، وبلا قوة رادعة أولاً وقبل كل شيء؟! وكيف نسلم أمرنا لمن قياده بيد ذلك العدو يأتمر بأوامره ويخدم مصالحه، ولمن يعجبه أن يكون في قفص مزخرف يُطاف به في أرجاء الأرض " ثورجياً للفرجة أو للإيجار"، أو "مستبداً بلا خيار" لا يمكن أن ينفع استبداده إلا أعداء شعبه وبلاده، ولا يهدم بالظلم والاستبداد إلا صروح الوطن والشعب وحرية الإنسان وكرامته؟! وكيف يمكن أن نثق بمن لا يعني له الوطن إلا شهوة سلطة، وشهوة مال، وتورماً أنانياً، وفساداً مستطاباً، وتعصباً مقيتاً، ومواطنة في غير الوطن، وجاهلية جهلاء على جهل وغباء وحقد يُعمي ويُصم..؟!! كيف نثق بأن ذلك الصنف من الناس سيحقق لنا شيئاً مما نتطلع إليه، أو أنه ممن يؤتمن بثقة على مصيرنا ومستقبل أجيالنا وهوية شعبنا ومصالح وطننا وعلى قرارنا الوطني واستقلالنا الفعلي الذي هو وعاء كل ذلك وأساس كل ذلك.؟!

تلك من أسس الداء ونسأل الله سبحانه أن يهدينا إلى الدواء وإلى ما فيه الشفاء من محنة طالت.. إنه سميع مجيب.

انشر عبر