شريط الأخبار

دلالات الاعتراف بيهودية "إسرائيل" .. د.صالح النعامي

09:15 - 14 كانون أول / يناير 2014


أن تصل وقاحة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى حد مطالبة الدول العربية بالضغط على قيادة السلطة الفلسطينية للاعتراف بـ " إسرائيل كدولة يهودية "، فأن هذا لا يعكس فقط انحيازاً أمريكياً أعمى للكيان الصهيوني، بل يدلل على استخفاف الإدارة الأمريكية بالعالم العربي وبوعي حكام العرب الديني والقومي. إن الأمريكيين الذين يتظاهرون بالسذاجة يعون تماماً ما ينطوي عليه الاعتراف الفلسطينية بيهودية " إسرائيل ". أن الأمريكيين يعون تماماً أنه لم يحدث في تاريخ العلاقات الدولية في العصر الحديث أن طالبت دولة ما دول أخرى بالاعتراف بطابعها الديني أو العرقي، حيث أن معيار الاعتراف بالدول هو عضويتها في الأمم المتحدة. لقد اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل، كما جاء في اتفاقية أوسلو وبحقها في الوجود.إن الإسرائيليين والأمريكيين يعون تماماً أن الاعتراف بيهودية " إسرائيل " يعني باختصار تصفية القضية الوطنية الفلسطينية.

وعد بلفور جديد

من المفارقة أن قادة الصهاينة انفسهم لا يترددون في إبراز مدلولات الاعتراف بيهودية " إسرائيل "، فقد وصف رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أي اعتراف فلسطيني رسمي بيهودية إسرائيل في المستقبل بأنه " وعد بلفور جديد ". لقد كان نتنياهو يهمس في أذن أحد نواب حزب الليكود الحاكم، الذي يقوده، دون أن يلتفت لوجود لاقط الصوت الخاص بالتلفزيون الإسرائيلي الذي نقل هذا الهمس بالصوت والصورة. توضح العبارة التي صدرت عن نتنياهو حجم الرهانات التي يعلقها على مطالبته للسلطة الفلسطينية بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. وكما يقول نائب رئيس الوزراء الصهيوني سيلفان شالوم فإن موافقة أي جهة تمثل الفلسطينيين على يهودية " إسرائيل " يعني ببساطة تسليم وقبول هذه الجهة بكل الخطوات والإجراءات التي تضمن تكريس الطابع اليهودي لهذا الكيان. ومن خلال تصريحات المسؤولين الصهاينة يتبين أنه يترتب على الموافقة الفلسطينية على يهودية الدولة أربعة أبعاد كارثية على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

التنازل الضمني عن حق العودة للاجئين

 فضمان الطابع اليهودي  لإسرائيل يعني أن يحافظ اليهود على تفوق ديموغرافي كاسح داخل " إسرائيل "، لذا فإن موافقة الفلسطينيين على يهودية الدولة تعني أن يتنازل ممثلوهم عن أي طلب أو موقف يهدد في الحاضر والمستقبل التفوق الديموغرافي اليهودي، وبالتالي فإن موافقة الفلسطينيين على يهودية الدولة يعني تنازلهم الضمني عن حق العودة للاجئين، على اعتبار أن عودة اللاجئين ستنسف الواقع الديموغرافي داخل " إسرائيل " وتحول اليهود إلى أقلية. من هنا فإن الاعتراف بيهودية الدولة يعني البحث في كل الحلول لقضية اللاجئين بإستثناء عودتهم للأراضي التي شردوا منها خلال حرب 1948، مثل حلول التوطين. في نفس الوقت الوقت فإن الاعتراف بيهودية الدولة يعني أن يقبل ممثلو الفلسطينيين بالإجراءات التي تتخذها إسرائيل، والصيغ التي تطرحها للتخلص من العبء الديموغرافي الذي يمثله فلسطينيو 48 الذين يقطنون داخل إسرائيل ويحملون الجنسية الإسرائيلية، من هنا فإن فكرة تبادل السكان التي يبدي وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان حماساً منقطع النظير لها تصبح فكرة واقعية، مع العلم أن هذه الفكرة تدعو إلى أن يتم ضم منطقة المثلث التي يقطن فيها أغلبية فلسطينيي 48 للكيان الفلسطيني على أن يتم ضم التجمعات الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربية لإسرائيل، مع العلم أن ما يطرحه ليبرمان يتجه ليصبح أحد ركائز الإجماع الصهيوني.

تشريع القوانين العنصرية

ويعني اعتراف الفلسطينيين بيهودية " إسرائيل " القبول أو على الأقل التسليم بالقوانين التي سنتها الكنيست في الماضي والحاضر والتي ستسنها في المستقبل من أجل ضمان تهويد الأرض الفلسطينية. فالاعتراف بيهودية الدولة يعني الاعتراف بالقوانين العنصرية التي سنها المشرع الصهيوني، وضمنها قانون العودة الذي يعطي لكل يهودي أينما كان الحق في الهجرة لأرض فلسطين وأن يصبح بشكل تلقائي " مواطناً " في " دولة إسرائيل "، وقانون المواطنة الذي يحرم فلسطينيي 48 من الحق في لم شمل عائلاتهم إن كان أحد الزوجين يقطن الضفة الغربية أو قطاع غزة. وما ينطبق على قانوني " العودة " و" المواطنة " ينطبق على قانون " الولاء " الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية مؤخراً والذي يلزم غير اليهود بإعلان الولاء لإسرائيل كـ " دولة يهودية وديموقراطية "، علاوة على أن الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة سيشكل غطاءً لسن مزيد من القوانين العنصرية، مثل القانون الذي تناقشه الكنيست والذي ينص على وجوب حرمان كل شخص يتهم بارتكاب مخالفة أمنية من الجنسية الإسرائيلية، والمفارقة أن  نواب صهاينة اعتبر أن مشاركة النائب العربي في الكنيست الصهيوني حنين الزعبي في أسطول الحرية " جريمة " تسوغ سحب الجنسية منها. ومن نافلة القول أن الاعتراف بيهودية الدولة يعني إضفاء الشرعية على القوانين والنظم التي تضيق الخناق على فلسطينيي 48، وعلى رأسها القانون الذي يحرمهم من الحق في شراء أراضي تتبع ما يعرف بـ " دائرة أرض إسرائيل "، وهي الأراضي التي سيطرت عليها العصابات الصهيونية عشية وخلال وبعيد حرب عام 1948، علاوة على إن إسرائيل ترغب في أن يضفي الفلسطينيون شرعية على البنية القانونية التي تكرس غبن فلسطينيي 48، فقد سنت الكنيست " الإسرائيلي " عدداً كبيراً من القوانين التي تحرم فلسطينيي 48 من الكثير من المزايا الاقتصادية بحجة أنهم لا يؤدون الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، مثل حرمانهم من مخصصات الأطفال والمنح الجامعية، وغيرها.

تهويد الذاكرة الفلسطينية

بالنسبة للنخب الحاكمة في إسرائيل فإن الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة يعني قبل كل شئ تهويد الذاكرة الجمعية الفلسطينية بكل ما تعني الكلمة. وحتى لا يكون هناك مجال للبس، فإنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى ما قاله وزير الداخلية الصهيوني جدعون ساعر عندما تحدث عن المضامين الثقافية لاعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، حيث حدد ساعر في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي هذه المضامين في بندين أساسيين، وهي:

أولاً: إعادة صياغة مناهج التدريس الفلسطينية بما يتوائم مع جوهر الاعتراف الفلسطينيبي بيهودية إسرائيل، سيما مناهج الجغرافيا والتاريخ والتربية الدينية. صحيح أن ساعر لم يقدم تفاصيل كثيرة حول مطالبه على صعيد تغيير هذه المناهج، لكن ما يقصده معروف وواضح، فبعد الاعتراف بيهودية " الدولة " فإنه يتوجب على وزارة التعليم الفلسطينية طرح كتب جغرافيا جديدة تتضمن خريطة مختلفة، تظهر فيها إسرائيل إلى جانب الكيان الفلسطيني، وسيكون لزاماً الإشارة للمدن الفلسطينية بالأسماء العبرية، فبئر السبع ستصبح " بير شيفع " وصفد ستصبح " تسفات " وبيسان " بيت شآن "، وعسقلان " أشكلون "، وهكذا دواليك. أما على صعيد مناهج مادة التاريخ فإن إسرائيل تتوقع أن يتوقف النشء الفلسطيني عن تعلم الرواية الفلسطينية للصراع، فالاعتراف بيهودية الدولة يعني أن يتم تربية الطلاب الفلسطينيين على أن هذه الأرض هي " أرض الميعاد لليهود "، وأن الفلسطينيين هم مجرد مجموعة بشرية تصادف وجودها على هذه الأرض. أما على صعيد مناهج التربية الدينية التي يبدي ساعر اهتماماً بنسفها، فإن المرء يمكنه أن يتوقع ما يريده بالضبط، فالاعتراف بيهودية الدولة تعني التوقف عن التعرض لآيات القرآن الكريم التي لا تروق لليهود.

ثانياً: يرى ساعر أن الاعتراف بيهودية الدولة يعني أن يفرض الكيان الفلسطيني رقابة مشددة على دور العبادة ووسائل الإعلام الفلسطينية، بحيث يتوقف ما يصفه بـ " التحريض " على إسرائيل.

أن ساعر المعني بوقف التحريض على إسرائيل في دور العبادة ووسائل الإعلام الفلسطينية هو الذي كان يحرص على زيارة الحاخام مردخاي إلياهو أحد أهم مرجعيات الإفتاء في إسرائيل قبل موته و الحصول على " تبريكاته "، مع العلم أن إلياهو صاحب الفتوى التي تبيح ذبح نساء وأطفال وشيوخ الفلسطينيين وحتى بهائمهم. أن ساعر، عندما كان وزيراً للتعليم، أمر بدفع مبلغ 200 ألف دولار سنوياً للمدرسة الصغيرة التي يديرها الحاخام إسحاق شابيرا الذي أصدر مؤخراً كتاب " دين الملك " الذي طرح فيه " التأصيل الفقهي " الذي يسوغ قتل الأطفال الفلسطينيين، مع العلم أن تحقيقاً صحافياً نشره عكيفا الدار الصحافي الإسرائيلي في صحيفة " هآرتس " أثبت فيه أن إدارة الرئيس أوباما تقدم أيضاً الدعم المالي لمدرسة شابير عبر إعفاء تبرعات عدد من اليهود الأمريكيين لهذه المدرسة من الضرائب.

الانتفاضة الثالثة ومأزق عباس

أن رئيس السلطة محمود عباس لا يواجه حالياً فقط الضغوط الأمريكية المطالبة بالاعتراف بيهودية إسرائيل، بل أنها يواجه تبعات الاعتداءات التي ينظمها قطعان المستوطنين في الضفة الغربية ضد المدنيين الفلسطينيين، والتي باتت في حكم المؤكد أنها ستحدث تحولاً على البيئة الأمنية في الضفة الغربية بشكل قد يفضي إلى اندلاع انتفاضة ثالثة. ليس لأن الفلسطينيين معنيون باندلاع الانتفاضة، بل لأن وحشية اعتداءات المستوطنين وعجز السلطة الفلسطينية عن توفير الحماية لهم وتواطؤها مع جيش الاحتلال في توفير الحماية للمستوطنين المعتدين، لن يدع مجالاً أمام غالبية الفلسطينيين سوى الثورة على هذا الواقع. أن ما حدث في قرية " قصرة "، قضاء نابلس، الأسبوع الماضي يعكس في الواقع الطاقة التفجيرية الكامنة في الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون. فعلى سبيل المثال، لولا تدخل أجهزة السلطة الأمنية وحمايتها أفراد التنظيم الإرهابي " فتية التلال "، الذين ألقى أهالي قصرة الأبطال القؤض عليهم بعد أن نفذوا هجوماً على المزارعين في القرية، لتم القضاء على هؤلاء الإرهابيين، وهذا يعني فتح باب الانتقام بين قطعان المستوطنين، وعموم أبناء الشعب الفلسطيني. ومن الواضح أن هذا السيناريو سيؤدي إلى انقلاب الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، وسيقلص هامش المناورة المتاح أمام عباس وقيادة السلطة الفلسطينية. ويفترض أن أبو مازن يعي أن الوعي الوطني والبيئة الاجتماعية لن تسمح للسلطة الفلسطينية بتواصل التعاون الأمني القائم حالياً بين جيش الاحتلال وأجهزة السلطة الأمنية، مما يعني المس بقدرة جيش الاحتلال على لجم انتفاضة الشعب الفلسطيني. ومن نافلة القول أن قدرة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها على البقاء ستكون محدودة جداً، حيث ستقع بين نارين، فمن ناحية سيطالب الجمهور الفلسطيني – وبحق – من السلطة اتخاذ موقف صام وواضح مما يجري، بحيث سيقلص سيل الدماء الفلسطيني من قدرة عباس وقيادة حركة " فتح "  على الاكتفاء بدفع ضريبة كلامية فقط، كما هو الحال الآن. ومن ناحية ثانية، فأن إسرائيل لن تحتمل أن تتراجع السلطة عن دورها في التعاون الأمني، كما تفعل الآن، سيما وأن الحكومة التي تدير الأمور في إسرائيل وصلت إلى حد ما يمكن وصفه بـ " ترف التطرف " ولن توافق على انسحاب السلطة من التزاماتها الأمنية تجاه الكيان الصهيوني. وقد تصل الأمور إلى حد قيام إسرائيل باستهداف مؤسسات السلطة، كما حدث عند اندلاع انتفاضة الأقصى. ومن نافلة القول أن الفروق الأيدلوجية والسياسية بين الفرقاء في الساحة الفلسطينية ستتقلص إلى حد كبير في أعقاب هذا الواقع، بحيث أن هناك إمكانية أن يلتف الجميع حول برنامج المقاومة.

قصارى القول، الضغوط التي تمارس على الفلسطينيين للاعتراف بيهودية " إسرائيل " واعتداءات المستوطنين قد تفضي سريعاً إلى انهيار البرنامج السياسي لعباس وغيابه عن المشهد السياسي بأسرع مما توقع وتصور.

انشر عبر